الدين لله والوطن للجميع: قراءة في علاقة الدين بالدولة

الدين لله والوطن للجميع: قراءة في علاقة الدين بالدولة
- حسن الدولة
الثلاثاء 14 أبريل 2026-
يشكل شعار “الدين لله والوطن للجميع” أرضية خصبة لمناقشة واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في الفكر السياسي العربي المعاصر: علاقة الدين بالدولة. فبينما يظل هذا الشعار معلقاً في الوجدان الجمعي كصيغة توافقية، تتصاعد الأسئلة حول إمكانية تجسيده على أرض الواقع.
لقد جاء الإسلام، في قراءة موضوعية لنصوصه التأسيسية، ليقضي على الدولة الدينية ويمحو رسمها، ويزيل أثرها، ويقلبها رأساً على عقب، ليعيد الأمر للناس، فهم أدرى بشؤون دنياهم. وهكذا نجد أن الإسلام قد جاء ليقضي على سلطة رجال الدين، فلا رهبانية في الدين ولا رجال دين بالمعنى الكهنوتي، فكل مسلم هو رجل دين. لقد حرّم الإسلام السدنة والقيمومة على الدين الحي القيوم، كما حرّم استغلال الدين للسيطرة على رقاب العباد.
فالله سبحانه هو القيم على دينه، وقد جعل الدنيا دار ابتلاء ليبلونا أينا أحسن عملاً، ولم يعط إنساناً سلطة دينية على أخيه الإنسان مهما علا كعبه في الدين. قال أعز من قائل لنبينا الكريم: “لست عليهم بمسيطر”، بل أمر بمقاتلة الذين يفرضون أنفسهم حراساً على العقائد، فقال: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله”.
العلمانية لا تزال، في الثقافة الدينية-السياسية للعرب، رمزاً للكفر والإلحاد. في مقابل ذلك، نجد أن الغرب الذي يأخذ بالعلمانية لا يعتبرها كذلك على الإطلاق. ينطوي هذا التقابل على أن المسلمين فرضوا معنى للعلمانية من خارجها، بل ويتناقض مع مقتضياتها الأيديولوجية.
ولو علموا حقيقة الدين لعرفوا أن الإسلام لا يقول بالثيوقراطية التي تؤمن بها الكنيسة المسيحية، التي ناصبت العلمانية العداء وخاصمت القائلين بها. لكن العلمانية والعلمانيين خطوا خطوات ثابتة، فتقدم الغرب وتوقفت الحروب الدينية وتحقق السلام في ظل مناخ تفوح في جنباته نسائم الحريات.
يثير الدكتور خالد الدخيل إشكالاً منهجياً مهماً: هل الكفر الذي تمثله العلمانية بالنسبة للمسلمين هو بمقتضى المعايير العقدية والفقهية الإسلامية كما يفهمها هؤلاء المسلمون؟ أم أن هذا الكفر هو بمقتضى المعايير ذاتها في المسيحية كما يفهمها أصحابها؟ إذا كان المعيار في الحال الأولى هو المنطلق والمرجع في الحكم، فإن معنى العلمانية وما يترتب عليه من انحراف عقدي هو معنى محصور في حدود الفهم الذي ارتضاه المسلمون.
وبما أنه محصور في هذه الحدود الثقافية، فإن هذا الفهم يطبق على العلمانية معايير واستدلالات من خارج سياقاتها التاريخية والثقافية والمعرفية. وهنا تبرز المغالطة: الحكم القيمي على ثقافة وتجربة تاريخية معينة وفقاً لمعايير وقيم تنتمي لثقافة وتجربة تاريخية مختلفة تماماً. التحليل والاستنتاج الذي أفضى إليه في هذه الحال هو تحليل ديني، وليس تحليلاً علمياً. وبما أنه كذلك، فهو تعبير عن تحيز ثقافي وأخلاقي ضد ثقافة وقيم أخلاقية مغايرة. وهذا طبيعي ومقبول ضمن هذه الحدود، لكنه ليس حكماً أو استنتاجاً مبنياً على أسس ومنهج علمي.
إذا كان المعيار في الحال الثانية هو المنطلق والمرجع في الحكم، فينبغي ملاحظة أن الكتاب المقدس الذي كان في عصور الظلام يعتبر أن تحالف الكنيسة مع الملك أو السيد هو تعبير عن الإرادة الإلهية، هو الكتاب نفسه الذي لم يجد في العلمانية في العصور اللاحقة ما يبرر وصمها بالكفر والإلحاد.
مقتضى ذلك أنه كانت لهذا الكتاب قراءتان متناقضتان، كل منهما تنتمي لعصر ومرحلة تاريخية تختلف عن الأخرى. أي هاتين القراءتين أصوب وأقرب إلى منطق الأحداث والتاريخ؟ القراءة الثانية هي الأصوب لأنها تنطلق من بدهية أن النص، أي نص بما في ذلك النص الديني، لا يمكن أن يكون منغلقاً على قراءة واحدة. لهذا النص بحكم الطبيعة أكثر من قراءة. لم تكن هذه البدهية معترفاً بها في عصور الظلام، والعالم الإسلامي في أغلبه لم يعترف بها بعد.
انطلاقاً مما سبق، يلوح في الأفق سؤال لا بد من إنزاله على أرض الواقع: هل مسألة فصل الدين عن الدولة أو الدين عن السياسة تخص التاريخ الغربي فقط؟ أم أنها مسألة اجتماعية سياسية تظهر في كل مجتمع إنساني بصيغ وأشكال مختلفة؟ من الممكن القول إن “العلمانية” هي الصيغة التي استقرت عليها هذه المسألة في المفهوم الحديث للدولة في الغرب والشرق أيضاً، وأن هذه العلمانية ليست أكثر من صيغة من صيغ عدة للمسألة نفسها. وتبعاً لذلك، ليس في التجربة الغربية والعلمانية التي تمخضت عنها، ولا في خصوصية هذه التجربة، ما يفرض أن يستنتج أن مسألة فصل الدين عن الدولة لا وجود لها ولا معنى في تاريخ المجتمعات الأخرى، بما فيها المجتمعات الإسلامية.
من المعروف أن فرضية وجود مسألة فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الإسلامية مرفوضة مسبقاً في العالم العربي. لكن تركيا تحت حكم حزب إسلامي (العدالة والتنمية) منذ أكثر من عقد من الزمن قد تقبلت العلمانية، وباتت مهيأة بغالبيتها الإسلامية للتعايش معها. يبدو أن هذا الحزب لا يرى أي تناقض بين الإسلام والعلمانية، بل يرى إمكان تجسير الهوة المفهومية بينهما. وهذا على الرغم من أن هذه العلمانية فرضها أتاتورك ابتداءً بالقوة والإكراه، وهي علمانية متطرفة تختلف في تطرفها عن العلمانية في الولايات المتحدة الأميركية.
من ناحيتها، تبدو تونس وهي في منتصف ربيعها تمضي في الخيار نفسه. كان لافتاً ما قاله الأمين العام لحركة “النهضة” التونسية راشد الغنوشي في منتدى دافوس: إنه لم يكن هناك مفر بعد الثورة من “تحالف بين العلمانيين والإسلاميين” كأساس للحكم الجديد في تونس. لا تزال التجربة التونسية في بداياتها الأولى، ولا بد من الانتظار لرؤية مدى قدرة هذه المعادلة الجديدة على الصمود.
لا يمكن تجاهل الشعار الشهير “الإسلام دين ودولة”، والمقولة الأشهر “لا كهنوت في الإسلام”. كلاهما يرى أن الكهنوت المسيحي وتسلطه هو الذي فرض خيار العلمانية كمخرج للغرب، وكلاهما يؤكد أن فصل الدين عن الدولة مناقض لروح الإسلام. لكن السؤال يبقى: هل هذا صحيح؟ وماذا عن التجربة التاريخية الإسلامية؟ هل كان فيها فصل بين الدين والدولة؟
هنا ننتقل إلى التعقيب الموجز الذي تفضلت به الدكتورة الفاضلة زميلتي المحاسبة القانونية الدكتورة فتحية بهران، ولأهميته أدرجه كاملاً: تثير هذه التساؤلات إشكالية معرفية وتأريخية تتطلب إجابة واثقة مبنية على تأصيل فلسفي وثقافي مدعم بقراءة تاريخية موضوعية. تنبع الإشكالية من مستويين: المستوى الأول يتمثل في التضارب بين مقولتين في النصوص المستمدة من النص الديني: “لا كهنوت في الإسلام” من جهة، و”الإسلام دين ودولة” من جهة أخرى.
ولا بد من ترجيح المقولة الأولى بتأصيل معمق واستدلالات مقنعة مستخرجة من متون النصوص الدينية وتأويلات المراجع المستنيرة كابن رشد والشيخ محمد عبده وعلي عبد الرازق. أما المستوى الثاني فيحتاج إلى قراءة منهجية وعلمية للتأريخ السياسي للحضارة الإسلامية في مختلف مراحلها وأنظمة الحكم التي سادت فيها.
وهنا سيتعين على الباحث التاريخي أن يغوص في قراءته التحليلية وتمحيصه لحقائق التأريخ ومعطياته للوصول إلى استنتاجات دقيقة وموضوعية حول طبيعة الحكم ونماذجه المتعاقبة: فهناك حكم الخلافة الراشدة وما إذا كان يمثل نظاماً للحكم الدنيوي المستقل عن الدين أم صيغة لدمجهما معاً، وهناك النموذج الأموي الذي استند إلى ترسانة هائلة من التأويلات الدينية والأحاديث الموضوعة التي تبرر الحكم باعتباره قضاء وقدراً وتأليه الحاكم وتأمر بطاعته عادلاً أو ظالماً، وهناك النموذج العباسي الذي يمثل العصر الذهبي للحضارة الإسلامية من حيث المنجزات الثقافية والعلمية لكنه نموذج للحكم قام على دمج البعدين الديني والسلالي بالسياسي، وهذه الثنائية والمفارقة تتطلب بحثاً معمقاً، وهناك النموذج العثماني وما يثيره من تساؤلات وفراغات، وفي قلبه تبرز التجربة العلمانية العسكرتارية الممتدة حتى يومنا هذا وما تفرضه من تحديات معرفية، وأخيراً النماذج المعاصرة التي تنطوي على طيف متعدد: من ادعى صفة العلمانية، والآخر الإسلاموي، ومن زاوج بين الإسلام والعروبة، حتى النماذج اليسارية القومية وما ادعته من علمانية فقد سعت لبناء شرعيتها على دعم المؤسسات الدينية التابعة لها. هناك التجربة الإسلامية السودانية، والتجربة الناصرية، والتجربة الإخوانية السودانية، والتجربة الهاشمية الأردنية، والتجربة السعودية الوهابية، والتجربة التونسية، وتجربتان مختلفتان هما الإماراتية والجزائرية، إلا أن جميع هذه التجارب تختزن ذات الإشكالية الثنائية في علاقة الدين بالدولة.
إن معالجة إشكالية الدين والدولة في الفكر العربي الإسلامي تتطلب تجاوز المقاربات الانطباعية والخطابية إلى تأصيل فلسفي وتاريخي رصين. فالنص الديني، بأصله الثابت، يظل مفتوحاً على قراءات متعددة، والتجارب التاريخية للحكم في الحضارة الإسلامية تقدم نماذج متنوعة لا يمكن اختزالها في صيغة واحدة.
ولعل الطريق إلى معالجة علمية لهذه الإشكالية يمر بالاعتراف بشرطين أساسيين: أولاً، الفصل بين البحث التاريخي الموضوعي والانحيازات الأيديولوجية؛ ثانياً، الإقرار بأن مسألة تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي هي مسألة إنسانية عالمية تظهر في كل مجتمع بصيغ تتناسب وخصوصياته، وليست حكراً على تجربة ثقافية أو دينية بعينها.
اقرأ أيضا:القمح: أبرز أدوات الضغط الأمريكية وأمل الاقتصاد اليمني



