كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية.. هل الاختلاف نعمة أم نقمة؟

يوميات البحث عن الحرية.. هل الاختلاف نعمة أم نقمة؟

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 8 يونيو 2026-

علاقة الانسان بالدين علاقة ازلية، بدأت مع بداية وجوده على وجه الارض متطورا عبر مراحل تحدَّث عنها المؤرخون والرواة وعلماء التاريخ الحديث ، والايكولوجيا أي التفاعل بين الانسان والحيوان والطبيعة ، كما اختلف فقهاء الشريعة حول كثير من القضايا والتفاصيل ولا يزالون مختلفين! .

والاختلاف بين الناس إما ان يكون نعمة او نقمة، هذا ما تقوله تجارب الحياة.

فيكون نعمة حينما ينظر الانسان الى صاحب الراي المخالف بمنظور من يبحث عن التكامل والبحث عن الحقيقة، ويكون نقمة بمنطق من يبحث عن الأتباع والموالين الذين يعبدون الموتى ويطلبون الطاعة العمياء ممن يحكمونهم ويتحكمون في حياتهم وهذه جريمة عدوان مستمرة يمارسها كل من يسعى للاستحواذ على السلطة بالقوة او بالاحتيال أي خارج إرادة الشعب.

والموالي بشكل مطلق عبء على من يواليه ويتخذ منه صنما يعبده من دون الله.

أما الباحث عن التكامل والحكمة الضَّالة هنا وهناك بين الآراء والرؤى المختلفة فهو من يبقي الباب مفتوحا أمام كل نسمة تهب او نقطة ضوء تشع منها بعض الحكمة، ومن هذا البحث يمكن ان يُصنع من المختلف اجمل مؤتلف.

هذا الباحث المبصر هو من يمكنه امتلاك زمام الحكمة التي ترعى الاختلاف ليكون محور الوحدة الحقيقية القوية القادرة على المحافظة على اسباب البقاء.

لهذا فقد وفق اخوتنا في الجنوب على سبيل المثال حين اشترطوا ان تكون التعددية هي إطار الوحدة واساسها.

انه الإطار والأساس الذي راوا فيهما درع يحمي الجميع من الاستبداد بكل اشكاله وصوره.

استبداد الحزب الواحد الذي قد يسعى في ظله بعض رموز قياداته كما يطلق عليهم الى الخلود في موقع السلطة، والخلط بين الدولة والحزب تماما كما يفعل من يحاول الخلط بين الحق العام والخاص من المستبدين الساعين الى الزعامة الفردية وتحويل الحكم الى ميراث عائلي الحاكم الفرد من يحدد فيمن ينحصر!

إنه منهج يوصل الى حالة من التكلس والجمود والموت الجماعي ويجعل الايدولوجيا اداة تحنيط مرعبة للوطن والمواطن ويسهل للمتدخلين من خارج الحدود ممارسة تدخلهم بكل اريحية.

كما تفعل الاحزاب والجماعات الدينية الشيء ذاته، حين تعمل على تحويل الحق في السلطة الى ايدولوجيا تخلط بين الدين والسياسة من خلال عدم التفريق بين ما هو لله وما هو للناس، لتتخذ من الله سيفا مسلطا على رقاب البشر، وبذلك تحافظ على بقائها مستحوذة على هذا السيف تارة باسم السنة واخرى باسم الشيعة، أو باسم اي مذهب او معتقد ديني او سياسي، والاعتماد على المعتقدات وليس البرامج السياسية في تسيير السياسة اعتداء واضح على حقوق الإنسان وكل اعتداء على حقوق الإنسان اعتداء على الله باعتباره العدل.

 ومن أبرز ما هو لله حصرا، علم الغيب والحديث عنه، ولهذا فإن إبقاء الناس تحت رحمة علم الغيب الذي يدعي بعض البشر من عشاق الجاه والسلطة مشاركة الله فيه، فإنه ليس سوى محاولة يائسة بائسة في التحكم بملاذ الغيبوبة وهو ملاذ غير آمن لقيامه على دعاوى باطلة وما بني على باطل فهو باطل بأجماع الأحرار من الفقهاء وما أقلهم.

ولا تفترق بقية الاديان المسيسة او السياسات التي تدعي الدين والتدين عن حال بقية العالم وبعض المسلمين الا ان معظم بلدان العالم الحديث قد تجاوزوا هذه المرحلة، ولذلك نهضت علميا وثقافيا وازدهرت حضاريا في مختلف المجالات.

وبقي المسلمون في موقع التكلس على ما هم عليه أسري الاستبداد والتخلف والاختلاف حول من له الحق في الحكم ومن له السيادة ومن عليه ان يبقى في خانة العبيد والمحكومين، وهذا يناقض جوهر الاسلام وفقا لرؤى المستنيرين من ابنائه.

إن هذا المنهج الاستبدادي عطل بالفعل العقول والطاقات وأبقى الحال على ما كان عليه قبل 1400عام، وجعل هذه الأمة لقمة صائغة لكل من يريد ابتلاعها، أو في أفضل الأحوال إبقاؤها في حالة موت سريري، أمة مستهلكة لا تنتج أو تصدر سوى الجهل والتجهيل القاتل.

ومن المعلوم أن كل مظاهر النقمة المعتمدة على الجهل والتجهيل والاستحواذ تشكل منهجا يضر الفاعل والمفعول!

الا أنه ورغم كل الظروف التي قد يضنها البعض مدعاة لليأس سيظل الأمل شمساً تتحفز للشروق الذي يملأ الارض ضوءاً وبهجة وحياة سارة إذا توافرت فينا شروط التمسك بأسباب الحياة ونبذ الخمول والتعصب لايديلوجية تجمدت في منطقة الاوهام تصنع اليأس والقنوط وتكرس أسباب تحويل الاختلاف الى نقمة.

نعمة الاختلاف والتعدد إذن تقوم اولا على الاعتراف الصادق بالحق في الاختلاف وهو من الناحية النظرية مؤكد عليه في الدستور اليمني الذي جرى الاستفتاء عليه كأساس للوحدة في 22 مايو 1990.

وما علينا اذا اردنا ان نبقى يمنيين احراراً إلا ان ندرك ونعي بان الاستفتاء على الدستور قد جعل الدستور عهدٌ في ذمة ورقبة كل يمني مقتضاه:  ان لا يخون وطنه أو يفرط فيه او يبيعه بكل مال الارض لان الحرية لا تساويها كل كنوز السماوات والارض .

الحرية كنز موطنه نفوس الاحرار به تبنى الاوطان وتكتسب الكنوز وتنموا.

وعلينا ان نبتعد في بناء الدولة عن كل المناهج والايديولوجيات التي تحاول الخلط بين علم الغيب وعلم الشهادة ليبقى الدين لله والوطن للجميع كما هو في الاصل وطبقا للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

الدولة انما تبنى اعتمادا على علم الشهادة اي علم اليقين النظري والعملي، علم التجربة والنقد البناء والفحص والرقابة والمحاسبة والمساءلة.

وليس على علم الغيب الذي يحاول البعض ادعاء مشاركة الله فيه.

إنه أخطر ادعاء يقع في اسره المجتمع والدولة، وكل من يفكر في المساس بمبدأ التعددية الحزبية والسياسية التي قامت عليه الوحدة التي اكرر انها ما تزال حلما يستهدف الدستور والوحدة!

نعم إنه ادعاء يستهدف الوحدة في جوهرها ومضمونها وينم عن غياب الحكمة لدى من يمارسه.

اقول هذا مع اني لم اعد مؤطرا في حزب لكني اؤمن كامل الايمان بحق كل مواطن في ان يكون حزبياً، أو أن يكون مستقلا، وبأن ممارسة العمل السياسي والحزبي حق لكل مواطن ويجب ان يبقى كذلك.

ومن يفكر في العودة باليمن الى عهد حكم الفرد الواحد او الحزب الواحد او الجماعة الواحدة انما يستهدف الحرية والديمقراطية والوحدة والجمهورية، وجميعها مبادئ وقيم تشكل اليوم الخلايا العصبية للجسد اليمني القابل للحياة والبقاء وبدونهما سيستمر الصراع اللامشروع على السلطة ومحاولة الاستيلاء والاستحواذ عليها بالقوة وستستمر عملية سفك الدماء من اجل هذا الهدف المريض.

من نفوس الاباة يشع الأمل

تسعد الكائنات بميلاد فجر جديدٍ

رغم أنف الطغاة

سيُقبِلُ هذا الشعاع غداً.

اقرأ أيضا:الحرب على إيران: بين حسابات القوة ومنطق المصير في المديين المتوسط والبعيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى