القمح: أبرز أدوات الضغط الأمريكية وأمل الاقتصاد اليمني

القمح: أبرز أدوات الضغط الأمريكية وأمل الاقتصاد اليمني
- د. رياض الصفواني
الثلاثاء 14 أبريل 2026-
القمح، ذلك المحصول الاستراتيجي العالمي، الذي يُعد أحد مصادر القوة الاقتصادية والسياسية للدول التي تنتجه، كنت قبل أن أتم العقد الثاني من عمري أسمع بعض المعلمين وقُرَّاء الصحف خاصةً يتحدثون بأن أمريكا أكبر دولة تحتكر إنتاجه وتصديره، مستغلة موقعها كقوة اقتصادية كبرى لتفرض سيطرتها على العالم وبالأخص دول العالم النامية، وأنها تصدِّر إليها أنواعاً من القمح منخفضة الجودة، والفائض منه يتم التخلص منه في البحر!. وأي دولة نامية تسعى لتحقيق اكتفاء ذاتي من القمح سوف تتعرض لعقوبات اقتصادية وسياسية، فكانت تلفُّني الدهشة وأتعجب من هذا التنمر وتلك السطوة والتحكم التي تُفرض على دول في العالم لمنعها من أن تُنتج غذائها وأن تكون لها برامجها التنموية المستدامة وسياستها الاقتصادية المستقلة، إلى أن أكدت لي الوقائع بعد ذلك أن «القمح بالنسبة للسياسة الأمريكية أداة استراتيجية فاعلة تتجاوز كونها مجرد سلعة غذائية، حيث تستخدم كسلاح دبلوماسي لتعزيز النفوذ وفرض الهيمنة… وأن صادرات القمح الأمريكي يُنظر إليها كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وتساعد في الضغط على الدول المستوردة». ففي منتصف الستينيات من القرن الماضي استغلت أمريكا حاجة مصر للقمح للضغط على الرئيس عبدالناصر لوقف دعمه للثورة اليمنية ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م وتقليل نفوذه في المنطقة. فكان رد عبدالناصر بالرفض للضغط الأمريكي، وألقى خطاباً في فبراير ١٩٦٧م أعلن فيه أنه «لن يقبل التهديد بقطع المعونة، أو أن تُمسِك أمريكا مصر من رقبتها». وزاد الأمر حِدةً بعد حرب حزيران ١٩٦٧م مع الكيان الصهيوني كنوع من العقاب والابتزاز السياسي، مما أدى إلى توجه مصر لاستيراد القمح من حليفتها الاتحاد السوفيتي ودول أخرى. فكان ذلك حلاً عملياً واجهت به مصر الابتزاز الأمريكي، ليُدرَك بداهةً أن الدول التي تعتمد على القمح الأمريكي تجد نفسها في موقف ضعيف في المفاوضات الدولية، وقد يُسلَب منها حق استقلالية القرار، فمن يتحكم بغذائك يتحكم بقرارك.
ومنذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في سبتمبر ١٩٤٥م، وصعود نجم السياسة الأمريكية كقوة عظمى، أخذت العديد من الدول العربية تستورد القمح من واشنطن. ولم تشُذ عنها اليمن، فقد أشارت بعض المعطيات إلى أن اليمن بدأت تستورد القمح الأمريكي في أواخر الخمسينيات من فترة حكم المملكة المتوكلية اليمنية، وأن أول شحنة تم استيرادها كانت عام ١٩٥٩م، وبلغت حوالي ١٤ ألف طن، وجاءت كمساعدات من الحكومة الأمريكية، ولأننا لا نملك من الوثائق التاريخية ما يؤكد صحة هذه المعطيات، فإننا أمام نمط من الاستهلاك للقمح الخارجي أدى إلى اعتماد اليمن عليه بصورة متزايدة وقلَّص في المقابل من زراعة القمح المحلي، برغم أن اليمن بلد زراعي قديم، وكانت تُنتج المحاصيل الغذائية المختلفة حتى سبعينيات القرن الماضي، مما أتاح لها تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. ففي منتصف السبعينيات أبدت الحكومة اهتماماً متنامياً بالقمح، وذكر رئيس الوزراء محسن العيني – حينها – في مقابلة مع صحيفة عكاظ في ٢ يناير ١٩٧٥م أن «القمح سيصبح في المستقبل القريب مادة استراتيجية هامة كالنفط وأن الدلائل تشير إلى أنه قد يُستخدم سلاحاً» وهو بهذا لم يجافِ الصواب. وأضاف أن «اليمن بإمكاناتها الزراعية يمكن أن تصلح مزرعة للجزيرة العربية، وتستطيع توفير الغذاء لسكان الجزيرة، لو توفر التمويل اللازم للنهوض بالتنمية الزراعية». بل لازالت اليمن حتى اليوم تنتج هذه المحاصيل، وإن لم تتوفر بالحجم الذي كانت عليه في العقود الماضية، لأسباب وعوامل مختلفة، في مقدمتها احتلال شجرة القات لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، واستنزافها المتزايد للمياه الجوفية. والمؤكد أن اليمن تمتلك من الظروف المناخية والبيئية ما يؤهلها لأن تصبح من الدول التي تنتج القمح، إن لم تكفِ كميات منه للتصدير فلتغطية السوق المحلية وسد ما أمكن من الفجوة الغذائية التي تعتمد على الاستيراد من الخارج، وتكلف خزينة البلاد العشرات إن لم تكن المئات من ملايين العملات الصعبة، وتتمثل الشروط البيئية الملائمة لزراعة القمح – وفقاً للمعلومات المتاحة – في مناخ معتدل إلى بارد ورطب خلال مراحل النمو الأولى، يليه طقس دافئ وجاف أثناء النضج والحصاد، ويفضل القمح التربة الطينية جيدة الصرف للفائض من المياه، مع معدل أمطار سنوي يتراوح بين ٣٠٠ – ٩٠٠ ملم. ومن الواضح أن هذه الشروط متوفرة بنسب متفاوتة بحكم التنوع المناخي والبيئي الذي أكسب اليمن سمة مميزة بين سائر دول المنطقة وجعلها تنتج انواعاً مختلفة من المحاصيل الزراعية والخضروات والفواكه طوال العام. وتتركز زراعة القمح حالياً في محافظة الجوف، ووفقاً للإحصاءات التي نشرتها السوشيال ميديا فقد سجلت زراعته في العام الماضي ١٧,٦٠٠ هكتار بما يعادل ١٧٦ مليون متر مربع. وقد أظهرت الاكتشافات الأخيرة نجاح زراعة القمح في مناطق من تهامة وجبل صبر بتعز وفي قاع الحقل بمديرية يريم من محافظة إب، مما يبشر بمستقبل زراعي واعِد. وشهدت بعض الأسواق المحلية في السنوات الأخيرة تسويق للقمح الجوفي، وإن كان على نطاق محدود، مع ارتفاع تكلفة إنتاجه وبيعه للمستهلك.
الخلاصة، إن القمح بوصفه سلاح سياسي واقتصادي هو حقيقة ينبغي التوقف أمامها، وأن على الدولة أن تولي زراعة القمح جل اهتمامها، وأن تعمل على تطوير زراعته، وتوفير الدعم اللازم للمزارعين وتشجيعهم على زراعته وتسويقه محلياً. وكذلك دعم البحث العلمي في مجال الزراعة وتطوير تقنيات زراعية حديثة لتحسين إنتاجيته، وتطوير بنيته التحتية، ومحاولة تحقيق قدر من الاستقلالية الغذائية والاقتصادية. وقد يقول قائل إن ذلك مرهوناً بالاستقرار السياسي للبلاد، ومع وجاهة هذا القول إلا أن إشعال شمعة خير من لعن الظلام.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. الصين والفروسية بثوبها الجديد!


