كتابات فكرية

هل يعيد التاريخ نفسه في اليمن؟

هل يعيد التاريخ نفسه في اليمن؟

قراءة في الراهن اليمني على ضوء تجارب الماضي

بقلم / حسن الدولة

الاثنين 8 يونيو 2026-

من المقولات الشهيرة في الفكر التاريخي والسياسي أن التاريخ لا يكرر نفسه بصورة حرفية، لكنه يعيد إنتاج أنماط متشابهة من الأحداث والصراعات والتحولات.

فالبشر يتغيرون، والأجيال تتعاقب، وتتبدل الظروف الدولية والإقليمية، غير أن المصالح الكبرى والقوانين التي تحكم حركة المجتمعات والدول تظل قادرة على إنتاج مشاهد تذكرنا بما حدث في أزمنة سابقة. ومن يتأمل المشهد اليمني الراهن بكل تعقيداته وتشابكاته، لا يستطيع أن يتجاهل حجم التشابه بين ما تشهده بلادنا اليوم وبين ما شهدته خلال عقد الستينيات من القرن الماضي عقب قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، تلك الثورة التي أنهت نظام الإمامة – الوراثي – وأدخلت اليمن في حرب طويلة استمرت قرابة ثماني سنوات قبل أن تنتهي بتسوية سياسية ومصالحة وطنية شاملة أعادت تشكيل الحياة السياسية اليمنية لعقود لاحقة.

ولعل أول ما يلفت الانتباه في المقارنة بين المرحلتين هو أن اليمن في الحالتين لم يكن ساحة صراع داخلي فحسب، بل تحول إلى ميدان لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. ففي ستينيات القرن الماضي كانت الحرب اليمنية إحدى ساحات الحرب الباردة والصراع بين المشاريع القومية العربية والأنظمة الملكية الرجعية، حيث وقفت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر داعمة للجمهورية الوليدة بكل ثقلها العسكري والسياسي، بينما وقفت المملكة العربية السعودية ومعها عدد من الأنظمة الملكية العربية إلى جانب الإمام الشرعي محمد احمد حميد الدين – البدر – الذي تلقب بالمنصور وتم الانقلاب عليه من قبل الضباط الأحرار بعد اسبوعين من مبايعته.

 أما اليوم فإن اليمن يعيش صورة أخرى من صور الصراع الإقليمي، حيث تحولت الحرب منذ عام 2015 إلى جزء من التنافس السعودي وغيرها من الدول في المنطقة، وإن كانت أدوات الصراع وأشكاله قد اختلفت عما كانت عليه في القرن الماضي.

ومن المفارقات اللافتة أن المملكة العربية السعودية كانت اللاعب الأكثر حضورا وتأثيرا في المرحلتين مع اختلاف موقعها السياسي. ففي ستينيات القرن الماضي دعمت شرعية الإمام البدر باعتباره الحاكم الذي أطاحت به الثورة الجمهورية، بينما وقفت في المرحلة الراهنة إلى جانب الشرعية الجمهورية المعترف بها دوليا بقيادة  عبدربه منصور هادي ثم مجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل لاحقا بموجب وثيقة تنازل في مخالفة دستورية وانقلاب مكتمل الأركان.

وهذه المفارقة تكشف حقيقة مهمة في السياسة الدولية مفادها أن الدول لا تتحرك انطلاقا من الولاءات العقائدية أو الأيديولوجية الثابتة – وإن تم رفع شعارات مذهبية –  بقدر ما تتحرك وفق حسابات المصالح والأمن القومي وموازين القوى المتغيرة. فالمواقف تتبدل لكن المصالح تبقى هي العامل الأكثر تأثيرا في رسم السياسات الخارجية.

وعند استعراض التطورات التي شهدتها الحرب الملكية الجمهورية في ستينيات القرن الماضي نجد أن تلك الحرب مرت بمراحل متعددة من التصعيد العسكري والتدخلات الخارجية والمبادرات السياسية قبل أن تصل إلى نهايتها. فقد كانت التقديرات السائدة آنذاك لدى معظم الأطراف أن الحسم العسكري ممكن، وأن كل طرف قادر على القضاء على خصمه وفرض مشروعه السياسي بالقوة. لكن السنوات أثبتت عكس ذلك، إذ لم تستطع القوات المصرية التي بلغ عددها عشرات الآلاف أن تحسم المعركة نهائياً لصالح الجمهوريين، كما لم تتمكن القوى الملكية المدعومة إقليميا من إسقاط النظام الجمهوري وإعادة الإمامة إلى الحكم. ومع مرور الوقت بدأ الجميع يكتشف أن الحرب تستنزف الجميع دون أن تمنح أحدا نصرا حاسما، وأن استمرارها يهدد أسس الدولة والمجتمع معا.

ومن اللافت أن الطريق إلى التسوية لم يبدأ فجأة، وإنما سبقه مسار طويل من الاتصالات والمبادرات والاتفاقات الجزئية التي بدت في حينها وكأنها فاشلة أو عديمة الجدوى، لكنها في الواقع كانت تمهد الأرضية النفسية والسياسية للحل النهائي. فقد جاءت اتفاقية الكويت عام 1964م ثم اتفاق جدة عام 1965م ثم سلسلة من المشاورات واللقاءات غير المعلنة بين القاهرة والرياض، وصولاً إلى اتفاق الخرطوم بعد نكسة يونيو 1967م. وكل تلك المحطات كانت تعكس إدراكا متزايدا لدى الأطراف الإقليمية بأن الحرب اليمنية لم تعد قابلة للحسم العسكري وأن استمرارها لم يعد يحقق المكاسب المرجوة لأي طرف.

وإذا انتقلنا إلى الواقع اليمني الراهن فإننا نجد صورة مشابهة إلى حد كبير. فبعد سنوات طويلة من الحرب وما رافقها من خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة، لم يعد الحديث عن الحسم العسكري يحظى بالثقة نفسها التي كان يحظى بها في السنوات الأولى للحرب.

لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن أيا من الأطراف الرئيسية لم يتمكن من تحقيق أهدافه الكاملة، كما أثبتت التجربة أن استمرار القتال لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام واستنزاف الموارد وتفاقم المعاناة الإنسانية. ولهذا بدأت تتزايد الأصوات المحلية والإقليمية والدولية التي تدفع باتجاه الحل السياسي باعتباره المخرج الوحيد الممكن من الأزمة.

وما يعزز هذه الفرضية هو التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها التقارب السعودي الإيراني الذي مثّل حدثا استراتيجيا بالغ الأهمية بعد سنوات من القطيعة والتوتر. فالتاريخ يعلمنا أن النزاعات المحلية المرتبطة بصراعات إقليمية نادرا ما تجد طريقها إلى التسوية ما لم يحدث قدر من التفاهم بين القوى الخارجية المؤثرة فيها. وهذا ما حدث في بلادنا أواخر ستينيات القرن الماضي عندما أدركت القاهرة والرياض أن استمرار الحرب لم يعد يخدم مصالحهما، وهو ما قد يتكرر اليوم بصورة أو بأخرى إذا نجحت القوى الإقليمية في بناء تفاهمات أوسع بشأن الملفات الخلافية في المنطقة.

لكن رغم كل أوجه التشابه بين المرحلتين فإن هناك فروقا جوهرية لا يمكن تجاهلها. فالحرب في الستينيات كانت تدور حول سؤال محدد نسبيا يتعلق بطبيعة النظام السياسي: هل يكون اليمن جمهوريا أم ملكياً؟ أما الصراع الحالي فهو أكثر تعقيدا وتشابكا، إذ يتداخل فيه البعد السياسي مع البعد المذهبي والقبلي والمناطقي والاقتصادي، كما تتداخل فيه قضايا الدولة الاتحادية وتقاسم السلطة والثروة ومستقبل السلاح ودور الفاعلين المحليين والإقليميين.

ولهذا فإن أي تسوية مستقبلية ستكون بالضرورة أكثر تعقيدا من التسوية التي أنهت الحرب الملكية الجمهورية، إلا إذا انطلقت من المرجعيات الثلاث – المحلية والإقليمية والدولية -.

كما أن البيئة الدولية تغيرت بصورة كبيرة. ففي ستينيات القرن الماضي كان العالم منقسما بين معسكرين متنافسين، وكان من الممكن لطرف يمني أن يحصل على اعتراف ودعم من كتلة دولية كاملة حتى لو كان في مواجهة الكتلة الأخرى. أما اليوم فإن المجتمع الدولي، على اختلاف توجهاته، يكاد يكون موحدا – إلى حد ما – في دعمه لمبدأ الدولة الوطنية ووحدة اليمن ورفض تغيير الأنظمة السياسية بالقوة المسلحة. ولذلك فإن المعادلات الدولية الراهنة تختلف جذريا عن معادلات الحرب الباردة التي حكمت الصراع اليمني في القرن الماضي.

ومن الشواهد المهمة التي تستحق التأمل أن الحرب الملكية الجمهورية انتهت في النهاية بصيغة لم تحقق انتصارا مطلقا لأي طرف. فالجمهوريون احتفظوا بالنظام الجمهوري الذي قاتلوا من أجله، لكنهم قبلوا في الوقت نفسه بدمج شخصيات وقوى ملكية في مؤسسات الدولة الجديدة. والملكيون من جانبهم تخلوا عن مشروع استعادة الإمامة، لكنهم حصلوا على مكان لهم في النظام السياسي الجديد. وبذلك لم يكن السلام ثمرة انتصار طرف وإبادة خصمه، بل نتيجة اعتراف متبادل باستحالة إلغاء الآخر.

وهنا تكمن إحدى أهم الدروس التي يقدمها التاريخ اليمني المعاصر. فاليمن، بحكم تركيبته الاجتماعية والقبلية والسياسية المعقدة، لم يعرف في تاريخه الحديث استقرارا دائما قام على الإقصاء الكامل لطرف من الأطراف الفاعلة. وكل المحاولات التي سعت إلى فرض واقع سياسي بالقوة المطلقة انتهت في النهاية إلى العودة لطاولة الحوار والتفاوض.

 ولذلك فإن أي مشروع سياسي يتصور إمكانية بناء دولة مستقرة من خلال استبعاد قوى اجتماعية أو سياسية واسعة النفوذ قد يصطدم بالحقائق نفسها التي اصطدمت بها مشاريع سابقة عبر التاريخ اليمني.

ومع استمرار التحولات الإقليمية والدولية وتراجع شهية الأطراف المختلفة للحرب، تزداد المؤشرات التي توحي بأن الملف اليمني يتجه تدريجيا نحو مسار سياسي طويل المدى قد يفضي في نهاية المطاف إلى صيغة جديدة من التوافق الوطني. وربما لا تكون تلك الصيغة نسخة مكررة من مصالحة عام 1970م، لكنها قد تحمل جوهرها نفسه، القائم على الشراكة والتسوية والاعتراف المتبادل. فالتاريخ لا يعيد إنتاج الوقائع نفسها، لكنه كثيرا ما يعيد إنتاج الدروس ذاتها عندما تتشابه الظروف والعوامل المحركة للأحداث.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التاريخ سيعيد نفسه بصورة حرفية، وإنما ما إذا كانت القوى اليمنية والإقليمية قد تعلمت من دروس الماضي ما يكفي لتجنب أخطاء الأمس. فالتجربة التاريخية تؤكد أن الحروب مهما طالت لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن السياسة، وأن المشاريع التي تعجز عن التعايش مع الآخرين غالبا ما تصطدم بحدود الواقع. كما تؤكد أن اليمنيين، بعد كل جولة من جولات الصراع، يعودون في النهاية إلى اكتشاف حقيقة بسيطة مفادها أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن بناء الدولة المدنية الاتحادية المدنية – وفقا لما تعنيه مسودة الدستور – لا يتحقق بالغلبة العسكرية اطلاقا بل بالتوافق الوطني القادر على استيعاب الجميع تحت مظلة دولة مدنية اتحادية ونظام سياسي مستقر وعادل.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من مقارنة الأمس باليوم، وذلك لأن اليمن، رغم كل ما مر به من حروب وانقسامات وتحولات، ظل وسيظل قادرا في اللحظات الحاسمة على إنتاج تسويات تاريخية تنقذه من الانهيار الكامل. وإذا كانت تجربة الستينيات قد انتهت بمصالحة أعادت تشكيل الجمهورية اليمنية، فإن المرحلة الراهنة قد تكون بدورها مقدمة لتحول تاريخي جديد، شرط أن تتوفر الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف، وأن يدرك الجميع أن استمرار الحرب لم يعد يهدد خصومهم فحسب، بل يهدد مستقبل اليمن كله.

اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية.. هل الاختلاف نعمة أم نقمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى