كتابات فكرية

الحرب على إيران: بين حسابات القوة ومنطق المصير في المديين المتوسط والبعيد

الحرب على إيران: بين حسابات القوة ومنطق المصير في المديين المتوسط والبعيد

بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

الاحد 7 يونيو 2026-

   لا تشكل الحرب وفق المنظور الفلسفي والسياسي مجرد اشتباك عسكري بين طرفين أو أطراف متعددة، بقدر ما تمثل حالة من التغيير السياسي، أو بعبارة أخرى (لحظة كشف) تعرف فيها كل المعادلات التي بنتها الدول لعقود. فحين تلوح الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الحرب على إيران، فإننا لا نتحدث عن صراع بين طهران وواشنطن أو تل أبيب فحسب، بل عن تصادم مشاريع سياسية وتغيير خرائط تقوم على فكرة (الردع) لبقاء الهيمنة الأمريكية، أما بالنسبة لإسرائيل تقوم على فكرة  (البقاء أو الفناء) الإسرائيلية، أما الخليج الذي يسعى إلى ايجاد معادلة (الأمن والتوازن)، في حين تمثل الحرب بالنسبة لإيران مجرد مرحلة من (الصمود الأيديولوجي) الإيرانية، ورغم عدم انخرط الخليج في الحرب بشكل مباشر، إلاَّ أن كل الأطراف ترى في الحرب إما خلاصاً، أو انتحاراً، وهذا هو جوهر المأزق.

أولاً: سيناريوهات المدى المتوسط 2-5 سنوات:

   اعتمد هذا السيناريو على فكرة الضربة الجراحية المحدودة، من قبل الأطراف المشاركة فيها وهي: أمريكا وإسرائيل، اللتان قامتا باستهداف المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية بشكل محدود دون اجتياح بري، فبحسب الحسابات الأمريكية تهدف إلى: تحقيق الردع المؤقت ضد إيران دون الانجرار إلى مستنقع عسكري جديد بعد تجربة العراق وأفغانستان، كونها لا تسعى للتورط بشكل أكبر بل تطبيق منطق: تقليم أظافر إيران لا قتلها. أما حسابات إسرائيل في هذا المسار تكمن في : كسر الحلقة الأقوى في محور المقاومة، بهدف الاستفراد بالأذرع إن جاز التعبير، فضلاً عن تأخير عملية التخصيب النووي وتأخير البرنامج النووي لفترة تطول بين 3-5 سنوات لتحقيق ما يسمى بالردع الاستباقي قبل أن يستحال تحقيق ذلك. أما الرد الإيراني فيشمل الضربات الصاروخية على القواعد الأمريكية في الخليج، وتفعيل محور المقاومة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وهذا الردع يقرأ وفق منطق: الرد المتناظر غير المتماثل نتيجة اختلاف موازين القوة بين الاطراف المتحاربة. والكلفة تكون على الاستقرار الاقتصادي للخليج الذي سيدفع الثمن بشكل مباشرة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وتسديد إيران ضربات غير مباشرة على منشأة الطاقة الخليجية والأمثلة على ذلك الهجمات على أرامكو السعودية، ومنشأة البركة النووية في أبوظبي، وبعض موانئ النفط، وحقل ليفان للغاز القطري، وكل هذا من أجل خلق أزمة في الطاقة العالمية، ورغم ذلك تحاول دول الخليج الابتعاد عن الدخول المباشر في الحرب ولسان حالهم يقول: “الحرب بعيداً عنا خير من الحرب في ديارنا”.

  سعت جميع الأطراف إيران وإسرائيل ومعها الدعم الأمريكي الاستخباراتي، لتطبيق سيناريو حرب بالوكالة: لا حرب مباشرة، بل تصعيد في جبهات غزة ولبنان والعراق واليمن والبحر الأحمر. وهذا السيناريو وفق الحسابات الإيرانية أكثر منطقية بهدف إبقاء الخصم في حالة نزيف مستمر دون دفع كلفة الحرب المباشرة، وهذا يعتمد على تطبيق المنطق والفلسفة الفارسية القديمة: (أرهق عدوك حتى يسقط). وهذا السيناريو وفق الحسابات الإسرائيلية مجرد مستنقع طويل الأمد تسعى إيران لجرها إليه وهو مكلف بالنسبة لها لأنها تعتمد على مبدأ الضربة الخاطفة وتسعى عوضاً عن ذلك إلى محاولة فصل الجبهات وضرب إيران مباشرة باعتبارها رأس الأفعى بدل الاذرع، وفي كلا الحالتين فإن الاقتصاد الخليجي يتحول إلى ساحة متوترة، تقود إلى تهديد الاستقرار، وهروب الاستثمارات وتنهار معه الحركة السياحية، فالخليج يعيش بين مطرقة الهيمنة الأمريكي وسندان الجوار الإيراني.

ثانياً: سيناريوهات المدى البعيد 10-20 سنة:

   يعتمد هذا السيناريو على أن إيران أصبحت دولة نووية رادعة، بعد أن فشلت كل الضربات الأمريكية والإسرائيلية في انهاء المشروع النووي الإيراني، وإعلان إيران امتلاكها للسلاح النووي، كما فعلت الهند وباكستان وكوريا الشمالية، في تلك الحالة فإن منطق إيراني يقول: أن امتلاك القنبلة النووية هو شهادة ميلاد الدولة الإقليمية العظمى، وضمان عدم تكرار مصير صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا. وأما إسرائيل فإنها ستعيش نهاية التفوق النوعي العسكري الذي تباهت به منذ تأسيسها، لأن المنطقة بشكل عام ستدخل عصر (توازن الرعب) واختفاء مفهوم الضربة الاستباقية في الفلسفة العسكرية الإسرائيلية وسيحل محلها فكرة الردع المتبادل. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فستبدل سياستها الاستراتيجية من منع امتلاك إيران للأسلحة النووية إلى اعتماد فلسفة احتواء إيران النووية، كما حدث مع الاتحاد السوفيتي. أما الخليج فسيدخل في مرحلة جديدة اسمها مرحلة سباق التسلح النووي السري أو المعلن، والبحث عن مظلة نووية أمريكية، أو باكستانية ومنطق هذه المرحلة من توازن الردع بين جميع الاطراف يقود إلى السلام من منظور التكافؤ.

  ورغم التفوق الإيراني بإنتاج الأسلحة النووية إلا أنها في هذا السيناريو ستعاني من صعوبات كبيرة منها خطر الانهيار الداخلي، الذي سيدفعها إلى التفاوض الكبير، نظراً لاستمرار الحصار الأمريكي، وتزايد الاضطرابات الداخلية مثل الاحتجاجات التي تدفع النظام الإيراني إلى الدخول في تسوية تاريخية شاملة، أو العكس انهيار من الداخل. وهنا فإن المنطق الفلسفي والسياسي يقول: أما صلح جديد يرسم حدود النفوذ، أو تفك داخلي يعيد رسم الخريطة. أما الخليج في حال التفاوض، سوف يدخل في معادلة جديدة تسمى الأمن الاقليمي المشترك ويصبح الخليج شريكاً في أمن الخليج الإقليمي، أما في حال الانهيار، سيعاني من تبعات الانهيار ويواجه فوضى حدودية وتهريب ومشاكل طائفية. وفي حالة سيناريو الحرب الشاملة الإقليمية نتيجة خطأ حسابي واحد فإن كرت النار ستدحرج لتشعل فتيل حرب إقليمية تشمل مضيق هرمز، وجميع القواعد الأمريكية في الخليج، وإسرائيل، وحزب الله، والبحر الأحمر واليمن، ووفقاً لفلسفة الحرب عند (كارل فون كلاوزفيتز) الذي يقول: (أن الحرب هي استمرار السياسة بوسائل أخرى)، لكن الحرب الشاملة تتحول إلى استمرار الانتحار بوسائل أخرى ايضاً، والنتيجة الحتمية: دمار شامل للبنية التحتية الإيرانية، لكن أيضاً شلل للاقتصاد العالمي، وارتفاع تكاليف النفط إلى نحو 200 دولار، وهذا يقود إلى أحداث ركود عالمي. والنتيجة لا منتصر فيها، بل الجميع خاسرون وإن بدرجات متفاوتة.

والخلاصة: كل الأطراف تمتلك منطقاً داخلياً يبرر الحرب، لكن التاريخ يعلمنا أن الحرب التي يريدها الجميع هي الحرب التي لا يربحها أحد فأمريكا نفسها تخشى الدخول في حرب شاملة لأنها تنظر إليها كمستنقع جديد يكلفها ويستنزفها ويهدد مصالحها، ويضعفها لصالح خصمها اللدود الصين، أما إسرائيل فإنها تعاني من تهديد وجودي وتخشى إيران النووية، أما إيران فإنها تخشى مصير صدام حسين، ومعمر القذافي، في حين تخشى دول الخليج أن تكون ساحة للمعركة الاقليمية الشاملة وعليه فإن سيناريو المدى المتوسط من ٣ إلى ٥ سنوات سيحكمه منطق المناورة والردع، أما سيناريو المدى  البعيد من ١٠ إلى ٢٠ سنة سيحكمه منطق التوازن الرادع الجديد الذي سيتشكل لكن السؤال الأخير هل تدرك الأطراف أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على قوة تدمر الآخر، بل على معادلة تجعل بقاءك مرتبطاً ببقاء الأخر؟ في عالم مترابط، هزيمة عدوك قد تكون مقدمة لهزيمتك.

اقرأ أيضا:اليمن وإيران يحيلون أغلى مسيرة أمريكية للتقاعد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى