كتابات فكرية

اليمن.. ممكنات الوفاق وخلفيات الصراع

 اليمن.. ممكنات الوفاق وخلفيات الصراع

 اليمن.. ممكنات الوفاق وخلفيات الصراع

  • أمين الجبر

السبت 6 يونيو 2026-

إذا كان لكل طرف في اليمن خلفيته الفكرية الخاصة، ونموذجه السياسي الذي يراه الأنسب لمستقبل البلاد، ويسعى إلى تكريسه وفرضه على الواقع، فإن فرص الوصول إلى تسوية سياسية تبدو شديدة التعقيد في ظل هذا التصلب واستحالة التقاء الأطراف على مشروع وطني جامع.

 وعليه يثور التساؤل: هل يبقى خيار الوفاق الوطني مرهونًا بالإرادات الإقليمية والدولية؟ وهل أصبح بناء مشروع وطني جامع أمرًا بعيد المنال؟

يدرك جميع الفاعلين في المشهد السياسي، محليًا وإقليميًا ودوليًا، أن من أبرز سمات العمل السياسي البراغماتية والواقعية، وأن السياسة في جوهرها تحكمها المصالح والعلاقات الحيوية المتشابكة بين الدول والقوى المؤثرة. ولأن السياسة تُعرَّف غالبًا بأنها “فن الممكن”، فلا وجود فيها لعداوات دائمة أو صداقات دائمة، بل تبقى المصالح هي المحدد الرئيس للاتجاهات والأولويات.

وفي هذا السياق، تبدو كثير من المصطلحات والشعارات التي تروجها الآلات الإعلامية والمحاضن الأيديولوجية مجرد أدوات توظيفية تخدم أطراف الصراع، وتسهم في صناعة وعي زائف وتبرير استمرار الحروب. وهي ظاهرة صاحبت معظم النزاعات عبر التاريخ، حيث تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات تعبئة وتوجيه أكثر من كونها منصات لنقل الحقيقة.

ويزداد هذا الأمر وضوحًا عندما تكون الحرب داخلية بين أطراف تنتمي إلى وطن واحد، وتشترك في كثير من المرجعيات الثقافية والدينية والفكرية، بحيث تتمحور الخلافات أساسًا حول المصالح السياسية وتوازنات القوة وآليات إدارة الدولة. وفي مثل هذه الحالات، كثيرًا ما تكشف السنوات اللاحقة نسبية الأحكام التي رافقت الصراع، وتُظهر أن جانبًا كبيرًا من الخطاب التعبوي الذي رافقه لم يكن سوى انعكاس لظروف مرحلية فرضتها طبيعة التنافس السياسي.

ولعل التجربة اليمنية الراهنة تقدم نموذجًا واضحًا لذلك؛ فقد عرفت اليمن في مراحل مختلفة من تاريخها أشكالًا من التعايش ضمن دولة واحدة، رغم تباين الخلفيات الفكرية وتعدد الرؤى السياسية للقوى الفاعلة فيها.

أما حين يكون الصراع بين مشروعين متناقضين على مستوى العقيدة والقيم والمرجعيات الكبرى، فإن طبيعته تختلف جذريًا. ففي هذه الحالة يتجاوز النزاع حدود المصالح السياسية الآنية ليغدو صراعًا وجوديًا مرتبطًا بالهوية والإيمان والقيم. وعندئذٍ لا يُنظر إليه بوصفه مجرد تنافس على السلطة أو النفوذ، بل باعتباره مواجهة تحدد المواقف والمبادئ وتختبر صدق الالتزام بها.

ومن هذا المنطلق، فإن المعركة التي تشهدها فلسطين ولبنان وبعض الساحات العربية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي تُعد، في نظر المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية، معركةً بين الحق والباطل، وبين شعب يدافع عن أرضه وحقوقه المشروعة وقوة احتلال تسعى إلى فرض إرادتها بالقوة. وهي قضية تجاوزت حدود السياسة التقليدية لتصبح رمزًا للصمود والتمسك بالحقوق الوطنية والإنسانية.

ومن شاء أن يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية فذلك خياره وقناعته، ومن اختار غير ذلك فهو مسؤول عن موقفه أمام ضميره وقناعاته.

 أما الشعوب الحرة، فستبقى ترى في مقاومة الاحتلال حقًا مشروعًا تكفله الشرائع والقوانين والأعراف الإنسانية.

ويبقى الإيمان بعدالة القضايا الكبرى، والثبات على المبادئ، والرهان على إرادة الشعوب، عوامل أساسية في صناعة المستقبل، مهما بدت موازين القوة مختلة أو بدت التحديات جسيمة.

﴿والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾

اقرأ أيضا للكاتب: الإعلام والقضية الفلسطينية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى