باب المندب.. الورقة التي أربكت العالم

باب المندب.. الورقة التي أربكت العالم
الثلاثاء 9 يونيو 2026-
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة وتحول البحر الأحمر إلى إحدى أدوات الضغط على إسرائيل، برز مضيق باب المندب باعتباره أحد أهم الأوراق التي تمتلكها القوات اليمنية المسلحة بصنعاء، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستوى التأثير الاقتصادي والاستراتيجي العالمي. فالإعلان الأخير عن حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر أعاد التأكيد على أن الحوثيين ما زالوا يحتفظون بقدرة فعالة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وأن هذه الورقة أصبحت جزءاً من معادلات الردع والضغط الإقليمي التي لا يمكن تجاهلها.
تكمن أهمية باب المندب في كونه شرياناً حيوياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل بوابة أساسية لحركة التجارة العالمية والطاقة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه لا ينعكس على إسرائيل وحدها، بل يمتد تأثيره إلى شركات الشحن العالمية وأسواق التأمين والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومن هنا تأتي القيمة الاستراتيجية الكبيرة التي اكتسبتها صنعاء خلال السنوات الأخيرة، حيث نجحت في تحويل موقع اليمن الجغرافي إلى عنصر قوة مؤثر في التوازنات الإقليمية والدولية.
ورغم أن الإعلان الأخير استهدف السفن المرتبطة بإسرائيل، إلا أن ردود فعل شركات الأمن البحري والتأمين العالمية كشفت أن المخاوف تتجاوز نطاق السفن الإسرائيلية نفسها. فمجرد وجود تهديد محتمل في منطقة العبور يدفع بشركات الشحن إلى إعادة تقييم مخاطرها، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، كما يفرض على مالكي السفن إجراءات إضافية للتحقق من علاقاتهم التجارية ومسارات رحلاتهم. وهذا يعني أن التأثير الفعلي للقرار لا يقاس بعدد السفن المستهدفة فقط، بل بحجم القلق الذي يزرعه في الأسواق البحرية العالمية.
لقد أثبتت تجربة العامين الماضيين أن صنعاء نجحت في فرض واقع جديد في البحر الأحمر. فعلى الرغم من التفوق العسكري الهائل للقوى الدولية المنتشرة في المنطقة، فإن هجمات القوات المسلحة اليمنية أجبرت الكثير من شركات الشحن على تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليفها بشكل كبير. وبذلك تحول التهديد المحدود نسبياً من الناحية العسكرية إلى تأثير اقتصادي واسع النطاق، وهو ما يعكس طبيعة القوة غير التقليدية التي تمتلكها صنعاء.
وتتضاعف أهمية هذه الورقة اليوم بسبب التوترات المتزامنة في مضيق هرمز. فإذا كان هرمز يمثل بوابة صادرات النفط الخليجية، فإن باب المندب يمثل الممر المكمل لحركة هذه الصادرات نحو الأسواق العالمية. ومع سيطرة إيران على الحركة الملاحية في مضيق هرمز، أصبحت أهمية البحر الأحمر أكبر من أي وقت مضى، خصوصاً بالنسبة للدول المنتجة للنفط التي تسعى إلى استخدام خطوط الأنابيب البديلة وموانئ البحر الأحمر لتجنب المخاطر في الخليج العربي. ولذلك فإن أي اضطراب إضافي في باب المندب يضيف مستوى جديداً من القلق إلى أسواق الطاقة العالمية ويزيد من احتمالات ارتفاع تكاليف النقل وأسعار التأمين.
من ناحية أخرى، تمنح هذه الورقة صنعاء قدرة على التأثير السياسي تتجاوز حدود اليمن بكثير. فهم يدركون أن استهداف المصالح الإسرائيلية أو التهديد بها في البحر الأحمر يضعها في قلب الأحداث الإقليمية ويضطر القوى الدولية إلى متابعة مواقفها وتحركاتها. كما أن نجاحها في ربط عملياتها العسكرية بالتطورات في غزة يمنحها فرصة لتقديم نفسها كفاعل إقليمي قادر على التأثير في مسارات الصراع.
القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أن صنعاء تمكنت بالفعل من فرض معادلة جديدة في البحر الأحمر. فمجرد إعلان يصدر من صنعاء أصبح كافياً لإثارة قلق شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة العالمية، وهو ما يعكس حجم النفوذ الذي اكتسبته صنعاء من خلال سيطرتها على جزء مهم من الساحل اليمني المطل على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وهو ما يؤكد أن باب المندب تحول إلى ورقة استراتيجية ذات وزن دولي، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في المنطقة لن تكون قادرة على تجاهل القوة التي باتت تمتلكها صنعاء في هذا الممر.
YNP / إبراهيم القانص –
اقرأ أيضا: السيطرة اليمنية المباشرة عـلى مضيق باب المندب: ضرورة استراتيجية في ظل التحولات الإقليمية



