كتابات فكرية

الثأر.. وجذوره

الثأر.. وجذوره

  • امين الجبر

الأربعاء 22 أبريل 2026-

قد يكون من الصعب تحديد البدايات الأولى لظهور ما يسمى شرعة الثأر عند العرب، إلا أنه من المرجح أنها تزامنت مع وجود القبيلة كمؤسسة سياسية فاعلة، لها قيمها واعرافها في حياة المجتمع.

فعندما تسيطر القبيلة وقيمها على حياة أي مجتمع من المجتمعات، تكون بالتالي شرعة الثأر هي المتسيدة، ويكون العرف القبلي، باعتباره سلطة من سلطات المجتمع، وما يحمله – ضمنا وصراحة – من نزعة ثأرية، هو القائد والموجه، بل والمستساغ – احيانا – ثقافة ومجتمعا في الوعي الجمعي للأمة.

لأن الثأر يعد جزءا من نسيج قبلي تقليدي، يشكل قيمة قبلية تراكمية قابلة للتطويع مع مرور الزمن..

ونحن هنا لسنا بصدد تتبع الجذور الأولى التي تدفقت منها شرعة الثأر، وإنما نحاول- بهذه العجالة- تناول ظاهرة الثأر في المجتمع اليمني المعاصر، وانعكاساتها على الحياة العامة في المجتمع، كثقافة وممارسة لها مبرراتها ومسوغاتها، حتى غدى – في أغلب الحالات، بمثابة ثقافة اعتيادية لدى الإنسان اليمني، كما نحاول – قدر الإمكان – الإجابة على سؤال إشكالي فرض نفسه بقوة على مسرح الأحداث اليومية. لماذا نكرس – بوعي أو بدون وعي – عمليا لغة الثأر في حياتنا وممارساتنا، لاسيما علاقتنا السياسية والاجتماعية، هل لازال يحكمنا منطق القبيلة وأعرافها؟.

برغم تجاوزنا – زمنيا – ظروف وثقافة القرن العشرين، لعل الإجابة الموضوعية على هذا السؤال وغيره تخرجنا من وهدة الحيرة والتردد في معالجة هذه الظاهرة والقضاء عليها.

يتسم المجتمع اليمني – عموما- بظاهرة الجمود والمحافظة في بنيته القبلية، ذلك أن قيم القبيلة واعرافها ومنها الثأر، لازالت تلعب دورا كبيرا في تشكيل وعيه ورؤاه السياسية والاجتماعية، الأمر  الذي جعل دعوات الحداثة والتحديث – بكل اطيافها- تبدو أمام قوة وصلابة هذه البنى والقيم ذات الثقافة المتجذرة بمثابة المستحيل واللاممكن. ويبدو معها المجتمع اليمني عصي على هضم وتبيئة تلك الدعوات، فقد شكلت لديه نوعا من الغربة الثقافية التي لا يستطيع التعامل معها.

من هنا يتضح لنا مدى تغلغل شرعة الثأر وتمفصلاتها في حياة المجتمع، والتي لا يمكن التغلب عليها إلا بالتغلب على بعض قيم القبيلة أو الأثنية الموغلة في التعصب والجاهلية.

صحيح أن ثمة قيم قبلية حميدة قابلة للتطور والاستمرار، كالشجاعة والكرم ونصرة المظلوم..الخ..

إلا أن ثمة قيم أخرى تشكل عقبة كؤود أمام مسيرة التحديث وبناء الدولة المدنية الحديثة ينبغي التخلص منها ورفضها. من أبرزها: التعصب المناطقي (الجهوي) والسلالي وممارسة الثأر بكل أشكاله ..الخ. والذي لازلنا نتعامل معه – من منطق اللادولة- كما لو كان بمثابة ضرورة حياتية أمنية لابد منها.

إن شرعة الثأر تمثل نزعة انتقامية أكتسبها مجتمعنا من مخلفات صراعات الماضي، غير أن الكثير منا لازال مستمرا في الاعتقاد بها والعمل بمقتضياتها – ضمنا أو صراحة – إما بشكل إنتقام سياسي واجتماعي أو انتقام ثقافي فكري أو حتى ديني – عقائدي. كيف لا وخطابنا الثقافي النخبوي لازال أسير المصطلحات الثأرية الانتقامية من الآخر المغاير في الرؤى والتوجهات..، هل لازالت بقية من ممارسة لشرعة الثأر وإن أخذت منحى آخر مغايرا لما هو معتاد عند القبائل؟.

ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة بوعي بالغ . ولهذا لابد من التمييز بين شرعة الثأر التي ولدتها ظروف اللادولة والتي يرى البعض – من منظور قبلي- أنها ضرورة حياتية من أجل البقاء، وشرعة الثأر التي أخذت طابع الإحتراف وحب الانتقام ليس إلا..

فالأخيرة من الصعب اليوم أن نغير نظرتنا حولها بسهولة.. ولكن من المهم أن نشرع في تصحيح مفاهيمها والوعي بالمخاطر الناجمة عنها . وليس هناك من يحبذ لغة الثأر مهما كانت نتائجها ومسبباتها، فهي آفة مجتمعية / أخلاقية بكل المقاييس.

وإذا تأملنا في انعكاسات هذه الظاهرة وأبعادها السلبية مجتمعيا. فإنها لا شك تنطوي على هدم للمنظومة القيمية في حياتنا المعاصرة. ذلك أنها تمثل بؤرة للعنف الذي أضحى صفة شبه مميزة للقبيلة، وأصبح الفرد بمقتضاها أسيرا لتبعاتها. مجبولا على الانصياع لها، وكأنها دستورا يحدد مرجعية وهوية القبيلة وفقا للتمسك بمضامينها واستشعارا للمسؤولية إزاءها.

ومن هنا أضحى الالتزام بالتبعية المفرطة لشرعة الثأر نوعا من الاعتداد بواحدية الانتماء للقبيلة أو السلالة بل إن العنصر القبلي يعد التمسك بها جزاء لا يتجزأ من تراثه المنتمي إليه ، كما أن تمثل هذه الظاهرة عمليا والتمظهر بها يعد بحد ذاته متمما لمعاني الرجولة بابرز تجلياتها بحسب مفهوم القبيلة.

مما تقدم يتضح أن لشرعة الثأر تاريخا يرتبط بجذور القبيلة المعاصرة ويؤطرها وفقا له. حتى أضحت بمثابة مرجعية تراثية متكاملة تغذي منابع القبيلة وترتبط بقيمها التقليدية المعاصرة.

وعلى هذا الأساس فإن التمسك المفرط لبعض تقاليد القبيلة أو السلالة المرتبطة بها شرعة الثأر تفضي الى انعكاسات سلبية تؤثر فيما يبدو على قيم المجتمع وهويته، وتخلق مناخا ملائما لبروز بعض مظاهر العنف الاجتماعي المحاكي لظاهرة الإرهاب بالمفهوم المعاصر.

اقرأ أيضا:اليمن في معادلة “وحدة الساحات”: مكاسب استراتيجية وتحديات مستقبلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى