اخبار محليةكتابات فكرية

الذكرى الثانية لرحيل المفكر المناضل القاسم بن علي الوزير

الذكرى الثانية لرحيل المفكر المناضل القاسم بن علي الوزير

الأسيف / حسن حمود الدولة

الأربعاء 22 أبريل 2026-

في هدوء الذكرى الثانية لغياب القاسم بن علي الوزير، نتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى شقيقه المفكر العلامة الأستاذ زيد بن علي الوزير، وإلى أولاد شقيقهما جميعا، وإلى كافة أسرة الشهيد الأمير علي بن عبد الله الوزير الكرام، وإلى محبي الفقيد وتلامذته في كل مكان.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم الجميع الصبر والسلوان.

إنه ذلك الطفل الذي ولد في اسرة كبيرة فدخل السجن طفلا واغترب مع اشقائه، وكانوا شاف العيش، فكان الألم قابله الأول، والسجن مدرسته الأولى، والشهادة درس أسرته الأبدي. لم تكن نشأته كغيرها من النشآت؛ فقد تربى على حب الوطن في زنزانات السجون بعد اعتقال والده الأمير علي بن عبد الله الوزير ثم استشهاده، وكان الأمير الشهيد علي أحد أبرز مهندسي اليمن الحديث، كان القاسم في الرابعة عشرة من عمره عندما اقتيد مع أفراد أسرته إلى سجن حجة، حيث شهد بأم عينيه مأساة إعدام والده وعدد من أقاربه.

في تلك الزنزانة القاتمة، وتحت وطأة الظلم والفقد، تفتحت موهبة الطفل الذي أطلق عليه اساتذته من الاحرار في السجن الفيلسوف الصغير، لم يكن السجن مجرد مكان اعتقال، بل تحول إلى جامعة فريدة، تتلمذ فيها القاسم وإخوته على يد أساتذة سجناء كأحمد محمد الشامي والشيخ عبد الله الكبسي. هناك درسوا الأدب والفلسفة والمنطق، بل وتعلموا اللغات، ليكون السجن مهبط الوحي الفكري لهذه الأسرة التي لم تستسلم للظلم، بل حولته إلى وقود للنضال.

وبعد الخروج من السجن، عانى القاسم وإخوته “شظف العيش”. نستحضر هنا شهادة المناضل محمد الفسيل حين زار شقيقهم الأكبر المفكر الإسلامي الكبير إبراهيم بن علي الوزير في القاهرة، فوجده في حالة فقر مدقع، حتى إن عزة نفسه كانت تدفعه ليذهب ليلا بعد ان ينام سكان ذلك الحي في قاهرة المعز لدين الله – مصر – ليلتمس قوته من  … ، هذا المشهد الأليم، الذي يجمع بين قمة العوز وذروة الكرامة، يختصر معاناة آل الوزير ويكشف عن المعدن الأصيل لهذه الأسرة التي لم تبع مبادئها يوماً.

هذه الظروف القاسية لم تكسر القاسم؛ بل كانت صانعة وعيه المبكر. فبرجاحة عقله وحكمته التي فاقت عمره، أطلق عليه الاحرار كما ذكرنا أنفا لقب “الفيلسوف الصغير “. كان شغوفا بالاطلاع على العلوم المعاصرة، جامعاً بين الثقافة الإسلامية المستنيرة التي سار على دربها جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وبين استلهام عصر التنوير الغربي، ليكون مع صديقه مالك بن نبي من حملة رسالة النهضة.

ومن المفارقات العجيبة في شخصيته تشبهه بغاندي والمفكرين الأفذاذ الذين لم يحرصوا على طباعة إنتاجهم الفكري. ولو لا حرص أشقائه وأصدقائه على جمع شتات إبداعه، لضاع علينا معظم نتاجه. فشقيقه الأكبر إبراهيم هو من جمع ما تيسر من أشعاره ودفع بها إلى المطبعة، ليصدر ديوانه الجامع. أما شقيقه الأستاذ زيد، مد الله في عمره، فقد كان له دور مماثل في جمع محاضراته المتناثرة وإصدارها في كتاب قيم تحت عنوان “حرث في حقول المعرفة”، ليكون هذا الجهد شاهدا على التلاحم الفريد بين أخوة جمعت بينهم الدماء والمبادئ.

لقد كانت العلاقة بين القاسم وأخيه زيد نموذجا استثنائيا للتلاحم الفكري والروحي، فكانا توأمين في الفكر يخوضان معاً غمار الحياة. وزيد، الذي أثرى المكتبة اليمنية بعشرات المؤلفات في الفقه والتاريخ والسياسة، كان خير سند لأخيه.

وكان للقاسم بصمته الخاصة في صياغة “الميثاق الوطني”، تلك الوثيقة الأدبية والسياسية للمؤتمر الشعبي العام، حيث ساهم في بلورة هذا المشروع الذي أراده عقداً اجتماعياً يجمع اليمنيين على مبادئ الشورى والعدل والمساواة.

في هذه الذكرى، لا نقول وداعاً يا قاسم، بل نقول إن سيرتك العطرة ستظل منهاجاً لكل يمني حر. لقد كنت صوتاً قويا لكل من يعاني، وعزفاً على أوتار الأمل حتى في أحلك الظروف. رحلت جسداً، لكن روحك لا تزال ترفرف في سماء اليمن، محفزة الأجيال على مواصلة المسير.

رحم الله الفيلسوف الحالم، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أخاه الأستاذ زيد وجميع آل الوزير الكرام الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.  

اقرأ أيضا: اتحاد القوى الشعبية يُصدر “القاسم بن علي الوزير في ذاكرة الأقلام”.. سيرة تجمع بين فكر التنوير وإبداع الشعر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى