حين تكون الابتسامة أعظم إدانة

حين تكون الابتسامة أعظم إدانة
- حسن الدولة
السبت 18 يوليو 2026-
ثمة ابتسامات لا تُقرأ على الوجه، بل تُكتب في تاريخ الأمم. إنها ليست ابتسامات الفرح، ولا بشاشة النصر، بل تلك الابتسامة الساخرة التي تفيض من شفاه المظلومين في لحظات المواجهة الأخيرة مع الجلاد، حين يكون الموت هو الثمن، وتكون الابتسامة هي الرد.
إليك هذه المقدمة المؤثرة، صيغت لتكون مناسبة تماماً لمشهد الـ”ريلز” – الفيديو – الذي يصور تلك اللحظة الفارقة
اثناء سماع الفتاة للقاضي وهو ينطق بالحكم الجائر بإعدامها شنقا لم ترتعد فرائصها، ولم تدمع عيناها. بل وقفت تلك الفتاة المثقفة تنظر إلى الجلادين بعينين تفيضان بيقين، وابتسامة ساخرة كانت أبلغ من ألف خطاب.
لم تكن مذنبة بارتكاب جريمة، ولم تسفك دماً، ولم تخن وطناً. جريمةُ هذه الفتاة أنها جرأت أن تكتب، وأن تفكر، وأن تصغي لضميرها الذي لم يُمِل عليها إلا ما يوافق دينها، ذلك الدين الذي كفل لها في كتابه العزيز حرية العقل والاعتقاد، فقال سبحانه وتعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29).
لكنها لم تكفر، بل كانت مؤمنة بحقيقتها، مؤمنة بأن الإيمان الحقيقي لا يُفرض بحد السيف، ولا يُقتل أصحابه على مذبح الجور. هذه الابتسامة التي تعلو وجهها وهي تسمع حكمها بالموت، ليست مجرد رد فعل، بل هي وصية خالدة لكل من يظن أن الظلم يمحو الحق، وهي أقسى إدانة لقاضٍ خان ضميره، وسياسيٍ باع ضمير الأمة، وداعيةٍ نسي أن الله هو الحكم العدل.”
وهذه الابتسامة الصادرة من هذه الفتاة أثناء سماعها للقاضي الظالم وهو ينطق بالحكم بإعدامها تذكرنا بذلك الحادث الأعظم الذي حدث في اليمن في خريف عام 1978، وبعد محاولة انقلابية فاشلة قادها التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري ضد نظام الرئيس علي عبد الله صالح.
صدرت أحكام الإعدام بحق 12 من قيادات الحركة المدنية، على رأسهم عيسى محمد سيف الأمين العام، وسالم محمد السقاف الأمين المساعد، وعبد السلام محمد مقبل وزير الشؤون الاجتماعية والعمل. نُفذ الحكم فيهم يوم 5 نوفمبر 1978.
لكن ما حدث في قاعة المحكمة كان مختلفاً. حين نطق القاضي غالب عبدالله راجح الحرازي بالحكم بالإعدام، لم يذرف أولئك الرجال دمعة، ولم يترجوا رحمة. بل كانت ضحكاتهم وابتساماتهم هي ما جلجل في أرجاء القاعة، مصحوبة بتصفيق ساخر.
لقد كانوا يعرفون أنهم لم يسفكوا قطرة دم، وأن حركتهم كانت سلمية في جوهرها، لكنهم كانوا يدركون أيضاً أنهم يواجهون حكماً جائراً صادراً عن سلطة لا تريد إلا تصفية خصومها.
في المحاكمة، كان عيسى محمد سيف يتدخل بنفسه لينفي التهمة عن زملائه ويحملها وحده على عاتقه. وهذا المشهد ـ قائد يتحمل مسؤولية الجميع، ورفاقه يضحكون في وجه القضاء الجائر ـ جعل من تلك المحاكمة وثيقة إشهار للتنظيم أظهرته “أروع وأبدع ما يكون”. لقد تجسدت فيهم، كما وصف المراقبون، “شجاعة نبلاء القرون الوسطى في أوروبا، وجسارة قادة فجر الإسلام”.
لم تكن ضحكاتهم تهكمًا فارغاً، بل كانت إدانة صامتة (بل صاخبة) لكل من يقف وراء هذا الحكم: القضاة الذين ارتدوا ثوب العدالة وهم يمارسون أشد أشكال الظلم، والأحزاب التي تآمرت، والساسة الذين أداروا المؤامرة، ورجال الدين الذين باركوها بأفتتهم. كانت تلك الابتسامات تقول: “نحن نعرف أنكم تحكمون علينا بالموت لأنكم تخافون من أفكارنا، لا لأننا ارتكبنا جريمة”.
كما تذكر بابتسامة الفيلسوف اليوناني سقراط قبل أكثر من 24 قرناً، حين وقف أمام محكمة أثينا، متهمًا بـ”إفساد عقول الشباب” و”الإلحاد”. صدر بحقه حكم الإعدام، وخُير بين أن يتجرع كأس السم أو ينفي أفكاره. فاختار الموت، وقد أعتبره امير الشعراء احمد شوقي حين من الأنبياء المبلغين لرسالة التوحيد والتي وصف فيها رسولنا الكريم فقال عن رسالته بأنها:
بُنيتْ على التوحيدِ وهي حقيقةٌ
نادى بها سقراطُ والقدماءُ
ويلي هذا البيت:
رسمتْ للناسِ بعدَكَ حكومةً
لا سوقةٌ فيها ولا أمراءُ
اللهُ فوقَ الخلقِ فيها وحدَهُ
والناسُ تحتَ لوائِها أكفاءُ
عندما قدم السجان إلى سقراط كأس السم، لم يتردد. رفع الكأس بهدوء وتجرعه وهو مبتسم وكأنه يشرب كأساً من العسل. لم يكن في وجهه خوف ولا ارتعاد، بل اطمئنان من يعرف أنه يموت من أجل الحقيقة. قال سقراط في لحظاته الأخيرة: “الموت ليس أسوأ شيء، بل العيش بدون كرامة وصدق هو الأسوأ”.
هذه الابتسامة التي رافقت احتساء السم كانت، وما زالت، أعظم إدانة للمجتمع الأثيني الذي خان أعظم فلاسفته، وأعظم دليل على أن من يمتلك اليقين لا يخاف الموت، بل يخاف أن يعيش خاضعاً للباطل.
جريمة قتل الروح قبل الجسد
ما المشترك بين ضحكات الناصريين في قفص الاتهام وابتسامة سقراط وهو يتجرع السم؟
إنها الوعي بأن الجلادين قد يرتكبون جريمة أكبر مما يظنون: إنهم يقتلون أجساداً، لكنهم لا يستطيعون قتل الأفكار. وبقتلهم الأبرياء، هم يرتكبون جريمة بحق الإنسانية جمعاء.
وهنا تستحضر الآية القرآنية التي تضع هذا المعنى في أسمى تجلياته:
“مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (سورة المائدة، الآية 32).
فقتل النفس البريئة ـ أي نفس لم ترتكب جريمة تستحق الموت ـ هو في ميزان السماء كقتل البشرية كلها. وهذا ما يجعل أحكام الإعدام الجائرة بحق من لم يسفكوا دماً، ومن كانت حركتهم سلمية، ليست مجرد جرائم فردية، بل جرائم ضد الإنسانية.
خاتمة: الابتسامة التي لا تموت
الابتسامة الساخرة في وجه الموت ليست ضعفاً، بل هي قمة القوة. إنها إعلان أن الجلاد قد يملك السلاح والقضاء والسجن، لكنه لا يملك الروح. إنها رسالة إلى كل طاغية: “أنت تحكم على جسدي، لكن فكري وضميري وإرادتي حرة لا تقهر”.
عيسى محمد سيف ورفاقه، وسقراط الفيلسوف، وكل من وقف في وجه الظلم بابتسامة، هم شهداء على حقيقة واحدة: الظلم قد يقتل الأجساد، لكنه يفضح نفسه بنفسه. فكلما اشتد بطش الطغاة، كلما كانت ابتسامة ضحاياهم أبلغ إدانة لهم.
تلك الابتسامات لا تُنسى. إنها تُكتب في سجل التاريخ كأعظم شهادة على أن الكرامة الإنسانية أقوى من كل سلاح، وأن الحقيقة، مهما قُتِل حاملوها، تبقى خالدة.
اقرأ أيضا:غزة .. حرب الإبادة مستمرة





