كتابات فكرية

التمييز بين الأبناء

التمييز بين الأبناء

  • بقلم: رجاء حمود الإرياني

الثلاثاء 14 يوليو 2026-

في زوايا البيوت الهادئة حيث يُفترض أن ينمو الحب والطمأنينة، تختبئ واحدة من أخطر المشكلات التربوية التي قد لا تُرى بوضوح، لكنها تُحس بعمق في قلوب الأبناء التمييز في المعاملة. إنها مأساة صامتة تبدأ بتصرفات صغيرة، لكنها تترك آثارًا نفسية عميقة قد تمتد لسنوات طويلة.

التمييز بين الأبناء لا يكون دائمًا واضحًا أو مقصودًا، فقد يظهر في كلمات عابرة أو في مقارنات مستمرة أو حتى في طريقة توزيع الاهتمام والعاطفة. فحين يُمدح أحد الأبناء باستمرار ويُنتقد الآخر أو يُكافأ أحدهم ويُهمَل غيره تتشكل مشاعر خفية من الغيرة والحزن قد تتحول مع الوقت إلى فقدان للثقة بالنفس أو حتى إلى مشاعر عداء مكبوتة.

ومن أكثر أشكال التمييز شيوعًا في بعض المجتمعات تفضيل الأبناء الذكور على الإناث. إذ لا تزال بعض الأسر تنظر إلى الذكر باعتباره مصدر فخر وقوة بينما تُعامل الأنثى بنوع من التهميش أو التقليل من شأنها. فتُمنح الفرص للأولاد ويُشجعون على التعلم والطموح في حين تُقيد أحلام الفتيات أو تُهمَل احتياجاتهن. هذا النوع من التفرقة لا يظلم الفتاة فقط، بل ينعكس أيضًا سلبًا على الذكر، الذي قد ينشأ على شعور زائف بالتفوق.

وفي المقابل قد تمارس بعض الأسر التمييز حتى بين الأبناء الذكور أنفسهم حيث يُفضل أحدهم لكونه الأكبر، أو الأكثر تفوقًا أو الأقرب إلى شخصية الوالدين. هذا التفضيل يزرع شعورًا بالنقص لدى الآخرين ويدفعهم إلى منافسة غير صحية، قد تتطور إلى توتر دائم أو قطيعة بين الإخوة.

وتشير دراسات نفسية إلى أن التمييز بين الأبناء يعد من أبرز أسباب القلق والانطواء والسلوك العدواني لدى الأطفال إذ يسعى الطفل المهمَل إلى لفت الانتباه بأي وسيلة أو ينسحب من محيطه فاقدًا ثقته بنفسه.

العدل بين الأبناء لا يعني المساواة المطلقة في كل شيء بل يعني تحقيق التوازن في الحب والاهتمام ومراعاة الفروق الفردية دون إشعار أي طفل بأنه أقل قيمة. فالكلمة الطيبة، والاحتواء، والإنصاف هي الأساس في بناء شخصية سليمة ومتزنة.

إن الأسرة العادلة تزرع في أبنائها المحبة والتعاون بينما الأسرة التي يسودها التمييز تزرع بذور الغيرة والفرقة. ومن هنا، فإن مسؤولية الآباء لا تقتصر على التربية فقط بل تمتد إلى بناء إنسان سوي ومجتمع متماسك.

في الختام، تبقى مأساة التمييز بين الأبناء جرحًا خفيًا قد لا يُرى، لكنه يُشعر ويؤثر. والوعي بهذه المشكلة هو الخطوة الأولى نحو علاجها وبناء بيت يشعر فيه كل طفل بأنه محبوب، مقدّر، وله مكانة لا تقل عن غيره.

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية.. سُلطة الهجرة والتهجير بِيَد مَن؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى