المواقف وحدها هي من يستحق الانحياز

المواقف وحدها هي من يستحق الانحياز
المواقف وحدها هي من يستحق الانحياز، لا الهرطقة الإعلامية ولا السفسطة النظرية، التاريخ يكتب بالمواقف لا بالشعارات
- أمين الجبر
الأربعاء 15 يوليو 2026-
لكل طرف رؤيته، ولكل جماعة شعارها، ولكل مشروع سياسي أو فكري مرجعيته التي يستند إليها، وأيديولوجيته التي تحدد هويته، واستراتيجيته التي يسعى إلى تحقيقها. وهذه سنة ملازمة للحياة السياسية، وليست أمرا مستحدثا، بل عرفتها المجتمعات منذ القدم، كما عرفتها الثقافة السياسية العربية بكل مدارسها واتجاهاتها.
فمن الناس من يرى أن الخلاص يكمن في ترسيخ النظام الجمهوري بكل مضامينه وصيغه، ومنهم من يؤمن بإقامة الدولة الإسلامية وفق النموذج السني، مستندا إلى مقولة: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». ومنهم من يتبنى النموذج الشيعي، ويجعل من نظرية الولاية وولاية الفقيه أساسا لمشروعه السياسي، فضلا عن مشاريع أخرى تتباين في منطلقاتها الفكرية وأهدافها ووسائلها.
غير أن كل هذه التباينات لم تعد، في ظل ما تعيشه المنطقة من تحولات وصراعات، هي القضية الأكثر إلحاحا بالنسبة للمواطن أو للمراقب السياسي. فما يعنينا اليوم ليس حجم الشعارات التي ترفع، ولا كثافة الخطاب الإعلامي الذي يروج لها، ولا الخلفيات الفكرية التي تستند إليها، بقدر ما يعنينا صدق المواقف حين توضع على محك الأحداث.
لا يعنيني من تكون، ولا إلى أي تيار تنتمي، ولا أي عقيدة تتبنى، بقدر ما يعنيني: أين تقف حين تمتحن المبادئ؟ وما هو موقفك حين تتعارض المصالح مع القيم؟ فالمواقف وحدها هي التي تكشف حقيقة الرجال، أما الشعارات فبإمكان الجميع أن يرفعها، والخطابات يستطيع الجميع أن يصوغها، لكن ساعة الاختبار لا يبقى إلا الفعل.
وقد نختلف مع طرف سياسي في كثير من أفكاره أو ممارساته، وربما نعارضه في قضايا عديدة، لكن الإنصاف يقتضي ألا يمنعنا ذلك من الاعتراف بما قد يصدر عنه من موقف نراه صائبا أو شجاعا في قضية بعينها. كما أن الاتفاق مع طرف آخر لا ينبغي أن يدفعنا إلى تبرير كل مواقفه أو التغاضي عن أخطائه. فالحكم على المواقف ينبغي أن يكون مستقلا عن الانتماءات، لأن الحقيقة لا تحتكرها جماعة، والصواب ليس وقفا على فئة دون أخرى.
إن التاريخ لا يحفظ ضجيج الشعارات، وإنما يخلد المواقف. ولا يقيس الرجال بما ادعوه لأنفسهم، وإنما بما قدموه في لحظات الامتحان الكبرى. لذلك فإن الوعي السياسي الرشيد لا ينحاز إلى اللافتات، ولا ينساق وراء الهرطقة الإعلامية، ولا يخدع بالسفسطة النظرية، وإنما ينحاز إلى المواقف التي تثبت صدقها بالفعل، وإلى المبادئ التي تصمد أمام الاختبار.
ففي زمن تختلط فيه الحقائق بالدعاية، وتتنافس فيه الشعارات أكثر مما تتنافس المواقف، يصبح الانحياز إلى الفعل لا إلى القول، وإلى الموقف لا إلى الشعار، هو المعيار الأخلاقي والسياسي الذي ينبغي أن يحتكم إليه العقلاء، لأنه وحده الكفيل بتمييز الصادق من المدعي، وصاحب القضية من تاجر القضايا.
اقرأ أيضا:غزة .. حرب الإبادة مستمرة



