كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية.. سُلطة الهجرة والتهجير بِيَد مَن؟

 يوميات البحث عن الحرية.. سُلطة الهجرة والتهجير بِيَد مَن؟

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 13 يوليو 2026-

الى روح الاستاذ الانسان علوان الشيباني راعي الدراسة الموسوعة الموسومة: (الآثار المتبادلة للهجرة اليمنية) علوان صاحب الايادي البيضاء والروح البهية الذي ذاق طعم الهجرة وحين عاد لم يكن لعطائه المميز حدود مدى حياته أحد أبرز النماذج الذي أعطوا للوطن أضعاف ما أخذوا.

ارتبطت الهجرة بالحرية حين كان البشر ينتقلون من بلد الى بلد ومن جزء من الارض الى آخر دون جوازات سفر ولا تأشيرات ولا نقاط تفتيش ولا سلطات بوليسية لا تخاف الله ولا تعرف من الدين الا التكفير والتبديع والادعاء والكذب بسم الله وسوء معاملة الناس ونهب اموالهم بل وازهاق ارواحهم دون اكتراث.

 كانت ارض الله واسعة سعة حين كانت بلا حدود سوى إرادة الانسان المنبثقة من قوة الله الحق ورغبته في امتطاء سفينة الصحراء والسفر الى حيث يحلم.

وكانت الهجرة ممكنة للتعبير السلمي الذي قد يبدو سلبيا في نظر البعض، ولكنها كانت خيارا متاحا امام الجميع دون استثناء لان العولمة او النظام العالمي الذي نتحدث عنه اليوم كثيرا كان له وجود قبل ان يوجد اي انه كان شبه قائم دون شعارات ولا ادعاءات أو أكاذيب.

فقط من خلال إيمان جميع الناس بان الارض كلها للإنسان كونها لله وكون الانسان خليفته قبل ان يوجد من يدعي احتكار الحق في الخلافة أو الولاية.

هذا هو جوهر المعنى المباشر للخلافة والولاية كما هو مفهوم الآية (وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني أعلم ما لا تعلمون).

وحرية الاخذ بالمفهوم الديني للخطاب حول الهجرة او غيرها يرتبط ايضا بالحرية لأنها تشمل حرية الاعتقاد (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

وهذا ما اشار اليه عمر بن الخطاب بقوله:( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا) مهما كانت مستوى صحة الرواية لان القول السليم لا يهم صحة سنده لفلان أو علان.

نعم ادعاء اختصاص شخص ما أو طائفة او مذهب أو أي مكون مخصوص بذاته ادعائهم الخلافة او الولاية ليس سوى خروج على مبدا العموم المستند الى العدل وحرية اختيار الانسان لما يحكم به حياته.

والتخصيص ادعاء يتضمن الافتراء على الله لان كلمته وخطابه موجه لكل خلقه ومن المحال ان يخصه بفرد او فئة او طائفة.

وما الانبياء سوى مبلغين للرسالة وليسوا مسيطرين لان التبليغ واجب وليس سلطة:

(فذَكِّر انما انت مُذَكر -21- لست عليهم بمسيطر- 22- الا من تولى وكفر- 23- فيعذبه الله العذاب الاكبر- 24- ان إلينا إيابهم .25- ثم إن علينا حسابهم 26).

والآية الاخيرة يجب ان تغيب عن اذهان المتجبرين المتسلطين نزعتهم التسلطية وتجبرهم على نبذ التألُّه الذي بموجبه يحاولون اختطاف حق الحساب الذي هو لله وينصِّبون أنفسَهم متحكمين على الناس بقوة السلاح وليس بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ويسمون كل هذا التسلط والتجبر والعته ديناً.

نعم كانت الهجرة خيارا سلمياً متاحا لجميع خلق الله يختازه من يَعُفُّ عن الدماء ومواجهة الشر بالشر وهو خيار انساني ومعرفي وثقافي يوسع دائرة الثقافة والمعرفة وتبادل المعلومات بأسلوب مباشر يتيح فرصة توزيع الجهد والتجربة بين كل البشر.

وكان جميع البشر احراراً الى حد كبير وكانت فرصة الدفاع عن الحرية مقسمة بينهم او على الاقل بين كل من يختار طريق الهجرة وطريق البقاء في ارضه اعتمادا على قوته الاقرب الى التوازن بينها وبين من يحاول تهجيره.

وحين كان المتسلطون يستخدمون التهجير أو النفي عقابا لبعض الجرائم التي تمس سلامة القبيلة قبل ان تتكون الدولة بمعناها الحديث، لم تكن حدود القبيلة محروسة بقوات حرس الحدود او وحدات القوات المسلحة بمختلف اسلحتها الفتاكة.

كان لعقوبة النفي طابع معنوي اكثر من المادي اي انها كانت تعني الطرد من مجتمع القبيلة المحدود بأفراده المترابطين ترابطا يقوم على رابطة الدم وهو مجتمع محدود كل فرد فيه يعرف حقوقه وواجباته.

وتنبع سلطة الشيخ او امينها وليس سيدها كما يرى البعض بالمفهوم الذي يقتضي وجود سيد وعبد لان القبيلة اليمنية استخدمت كلمة السيد بمفهوم القيادة وليس التبعية انطلاقا من مفهوم خدام القوم سيدها، وفي مفهوم الدولة الحديثة أصبح الشعب وهو الركن الثابت من اركان الدولة هو صاحب الحق في السلطة والثروة وهو مبدا جرى تثبيته منذ أول دستور بعد ثورة 26 سبتمبر 1962.

وحين نتحدث عن نظام القبيلة يجب ان ندرك باننا نتحدث عن مرحلة تاريخية محددة كان المجتمع القبلي في ظلها مجتمعا صغيرا يعتمد في حفظ قواعده العرفية على الذاكرة لان وظيفة التدوين لم يتسع نطاقها بعد.

 وما تزال القبيلة كتلة واحدة سريعة الحركة سواء في تسير حياتها المدنية العامة او في كونها وحدة عسكرية في حالة الحرب، ويتم توزيع مهام افرادها في حالة السلم وما يجنونه من غنائم الحروب وفقا لقاعدة: (الغنم بالغرم)!.

اي وفق قاعدة ارتباط الحقوق بالواجبات او كما يخاطب المواطن سلطاته في الدولة الحديثة في العالم الاوروبي وغيره من انحاء العالم الذي تمكن من بناء دولته الحديثة فصار يخاطب سلطاته بالقول:( انا مواطن ادفع الضرائب ولي الحق أن اسال السلطات اين تنفق الضرائب) ويحاسبها حين يجد تقصيرا في اداء السلطات لواجباتها القانونية تجاهه فمثلما يلزم بأداء الضرائب له الحق في الخدمات التي على كل سلطة توفيرها، والا عد بقاؤها عبئا على المجتمع ينبغي التحلل منه.

وسلطة الهجرة والتهجير اليوم وعلى مستوى العالم تعتمد في سن قوانينها وفرضها وتنفيذها على قانون القوة وليس على قوة القانون اذ لا تزال شريعة الغاب كما هو واضح هي المهيمنة وبصورة أكثر وحشية.

صحيح ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان وقوانين الهجرة وميثاق الامم المتحدة والمعاهدات والمواثيق الدولية وجدت لها من الناحية النظرية مجالا في الظهور الاعلامي والنظري واثرت في السعي نحو تنظيم الهجرة واللجوء ولكنها ما تزال تواجه الكثير من العقبات.

حرية الهجرة والحركة السابقة لظهور مراكز القوى الجديدة المتحكمة في العالم بالتأكيد كانت اوسع بكثير مما هي عليه اليوم وكذلك حرية العمل.

ومن المعلوم ان سياسات الدول تختلف في تعاملها مع الهجرة والعمل باختلاف النظام السياسي من حيث القرب والبعد عن الاحترام الحقيقي لحقوق الانسان طبقا للإعلان العالمي وأكثر بعدا عن المعايير المزدوجة.

صحيح أن عدد هذه الدول المحترمة ما زال قليلا وحجم تأثيرها محدودا.، ولكن لا يمكن انكار وجودها مهما كانت نسبة التزامها بهذا الاحترام.

ان أخطر مظاهر الهيمنة والسيطرة العالمية هو ارتباط فرض سياسات الهجرة والتهجير بسياسات الدول المهيمنة على القرار الدولي التي تتخذ من قوانين حقوق الهجرة والمهاجرين اداة لفتح حدود الدول منزوعة السيادة امام هجرات غير شرعية لاي من البشر باتجاه هذه الدول وذلك لأحداث تغييرات ديموغرافية تخدم أجندات ضارة بهذا البلد او ذاك من البلدان التي توصف بالفقيرة والتي هي في الحقيقة بلدان جرى ويجري افقارها واشغالها بأزمات او بما يسمى ثورات وهي في الحقيقة ثورات موجهة مضادة للثورة الوطنية.

وفي نفس الوقت يتم اغلاق باب الهجرة في البلدان الغنية او التي نهبت وتنهب ثروات الصنف الاول من الدول المفتوحة ابوابها للهجرة حسب اهواء وهيمنة الدول المتحكمة في سياسة العالم.

العالم بحاجة ماسة الى اعادة النظر في قوانين الهجرة بما يحقق الفائدة للجميع والحفاظ على الطابع الانساني والاقتصادي المتوازن للهجرة المتبادلة إما بجعل الهجرة مفتوحة من وإلى جميع الدول وبما يبقي ارض الله واسعة ويحافظ على الطابع الانساني والاقتصادي المتوازن للهجرة المتبادلة ويحقق الامن والسلام والعدالة على مستوى العالم.

(قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) اية 97 سوره النساء.

نمر على قنوات المُنى والمنايا

يلهو الجوار بأحلامنا

ومن يزعمون الزعامات مرُّوا

يجرون أذيالهم

فلا تتباهى بشيء

فأبوابهم موصدة

وبابك مخلوع يا صاحبي

اقرأ أيضا:إعادة الاعتبار من جديد لمفهوم العروبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى