كتابات فكرية

المتطرفون ضحايا ثقافة لا فطرة

المتطرفون ضحايا ثقافة لا فطرة

حسن الدولة

الجمعة 17 أبريل 2026-

نحن أمام ظاهرة مركبة يصعب اختزالها أو تفسيرها بتبسيط مخل. فالعجز عن قراءة الإرهاب والعنف المرتبط بالحركات الأصولية قراءة موضوعية يعود، في جانب كبير منه، إلى غياب مؤسسات بحثية جادة تدرس تحولات المجتمع اليمني وتسارعه دون أدوات ضبط كافية. ومع استمرار هذا الفراغ المعرفي، وغياب المراجعات النقدية للتراث، نظل ندور في حلقة مغلقة تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بأشكال مختلفة.

لقد تحول التراث، في كثير من الأحيان، من كونه اجتهاداً بشرياً إلى كيان شبه مقدس يُتعامل معه بوصفه الدين نفسه. والرواية المنسوبة إلى أم المؤمنين عائشة – بصرف النظر عن الجدل في سندها – تعكس مبكراً فكرة التبدل في الفهم الديني، لا في جوهر الدين. ويؤكد ذلك ما ذهب إليه محمد عبده حين أشار إلى أن تحصيله العلمي الحقيقي بدأ عندما شرع في تفكيك ما تراكم في ذهنه من موروثات غير ممحصة.

هذه الإشارات تكشف أن المراجعة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لحماية المعنى الديني من التشويه.

إن الحاجة اليوم ملحّة لتفكيك النصوص التي استُهلكت خارج سياقاتها، وإعادة قراءتها بأدوات عقلانية تستحضر المقاصد لا الحرفيات. فإحياء الفقه المقاصدي، وتعزيز النزعة العقلية النقدية، والاستفادة من مناهج التحليل التاريخي والاجتماعي، كلها أدوات تسهم في إعادة بناء فهم ديني ينسجم مع الحياة ويؤكد قيمة الإنسان ودوره في إعمار الأرض بالعدل والسلام، بدلاً من تكريس رؤى صراعية تغذي العنف.

الخطاب الذي تتغذى عليه التنظيمات المتطرفة ليس طارئاً ولا معزولاً، بل يمتد عبر منظومات تعليمية وثقافية ترسخ مفاهيم إشكالية دون تمحيص. ففي بعض المناهج الدراسية، تُعرض روايات وسير تحمل دلالات قابلة للتأويل العنيف، وفي بعض كتب التراث تُطرح أفكار مثل التوسع في مفهوم النسخ، حيث نُسب إلى بعض العلماء القول بأن “آية السيف” نسخت عشرات – بل مئات – الآيات الداعية إلى التسامح، وهو طرح أثار جدلاً واسعاً بين المحققين قديماً وحديثاً.

كما أن جذور التطرف لا تنتمي إلى مذهب بعينه، بل تتوزع عبر مدارس متعددة، حيث يمكن العثور على نصوص أو اجتهادات استُخدمت لاحقاً لتبرير الإقصاء أو العنف. المشكلة ليست في الأسماء بقدر ما هي في طريقة توظيف تراثهم خارج سياقه التاريخي، وتحويله إلى أدوات صراع في واقع مغاير تماماً لزمن إنتاجه. ومع دخول قراءات أكثر تشدداً من بيئات أخرى، تعقّد المشهد أكثر وتداخلت التأثيرات.

ومن اللافت أن بعض الشواهد التاريخية تكشف بوضوح أثر البيئة في تشكيل الوعي؛ فابن خلدون يشير إلى أن المغلوب يميل إلى تقليد الغالب في سلوكه وأفكاره، وهو ما يفسر كيف تنتقل أنماط التشدد وتُعاد إنتاجها في سياقات مختلفة. كما أن بعض الأقوال المنسوبة لعلماء في التاريخ الإسلامي، بشأن تكفير المخالف أو إباحة دمه، تُظهر كيف يمكن لفكرة أن تتحول إلى ممارسة عندما تجد بيئة حاضنة.

انطلاقاً من ذلك، يصبح من الممكن القول إن المتطرفين، في كثير من الحالات، ليسوا صناع الفكرة بقدر ما هم نتاجها.

هم ضحايا منظومة ثقافية وتعليمية ودينية لم تُراجع بما يكفي، وضحايا فراغ اجتماعي وسياسي جعلهم عرضة للاستقطاب. كما أنهم ضحايا ترتيب معرفي مختل، حيث يُقدَّم التراث التفسيري والروائي أحياناً بوصفه حاكماً على النص القرآني، لا مفسَّراً له.

إن مواجهة التطرف لا يمكن أن تنجح عبر الأدوات الأمنية وحدها، بل تتطلب تفكيك جذوره الفكرية والثقافية. وهذا يستدعي مراجعة جادة للتراث في ضوء مقاصد الشريعة الكبرى، بما يعيد الاعتبار لقيم حفظ النفس والعقل والكرامة الإنسانية.

فالدين، في جوهره، رسالة رحمة، وأي قراءة تخرجه إلى فضاء العنف تحتاج إلى إعادة نظر. نعم، المتطرفون ضحايا، وفهم كيفية تشكلهم هو الخطوة الأولى نحو علاج الظاهرة من جذورها.

اقرأ أيضا للكاتب:الدين لله والوطن للجميع: قراءة في علاقة الدين بالدولة

اقرأ أيضا:العرف القبلي في اليمن: شرعة مؤازرة أم بنية معيقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى