مساهمة في قراءة القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (4-4)

مساهمة في قراءة القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (4-4)
- قادري أحمد حيدر
الخميس 30 أبريل 2026-
هذه الورقة/ الدراسة كُتبت في منتصف 2013م، وأنا في (مؤتمر الحوار الوطني الشامل)، (فريق القضية الجنوبية)، متضمنة في كتابي تحت عنوان (القضية الجنوبية.. رؤية سياسية- تاريخية) مساهمة في نقد السياسة والواقع. والعديد من مواد الكتاب كُتبت ونُشرت في الصحف: من بعد جريمة حرب 1994م، في (الثوري، الأيام، الشورى، التجمع…)، حين كان البعض يخشى قول وكتابة مضامين مفردات ومحتويات ما في هذا الكتاب، ومن هنا قيمتها السياسية والتاريخية.
أي أن مادة الكتاب ليست سياسية راهنية، وفي العديد من محتوى مادة الكتاب تحذير وتنبيه للمآلات السيئة التي قد تصل إليها الأمور في إصرار نظام علي عبد الله صالح على تقديم المعالجات العسكرية والأمنية (الدموية) في حل القضية الجنوبية، ومن أن البداية في إدانة جريمة حرب 1994م.
– محتوى القضية الجنوبية في سيرورتها التاريخية المعاصرة:
إن مفهوم القضية الجنوبية ومصطلحها، (1) بوصفها محتوى ومفهوماً سياسياً ووطنياً، لم يظهر أو يعلن عن نفسه في التاريخ السياسي اليمني القديم، ولا في التاريخ الإسلامي، والوسيط، أو الحديث، بل هو نتاج سياسي موضوعي للمرحلة التاريخية المعاصرة، بدأ في التبلور والتكون والتشكل مع أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، واكتمل بكونه خطاباً لهوية الجنوب السياسية مع الستينيات، وقد مر مصطلح القضية الجنوبية كمفهوم ورؤية بأربع مراحل في تطوره، محددة لمفهومه كقضية جنوبية، أو قضية الجنوب السياسية.
المرحلة الأولى: تبدأ في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات.
المرحلة الثانية: وتبدأ في النصف الثاني من الخمسينيات حتى النصف الأول من الستينيات.
المرحلة الثالثة: تبدأ مع إعلان قيام ثورة 14 أكتوبر 1963م، وحتى تحقيق الاستقلال الوطني، وقيام دولة الاستقلال 30 نوفمبر 1967م.
المرحلة الرابعة: وتبدأ مع إعلان الوحدة اليمنية 22 مايو 1990م حتى إعلان حرب 1994م وحتى اليوم، وهي التي أنتجت القضية الجنوبية الراهنة.
1- المرحلة الأولى:
بدايةً وكتسجيل وتوثيق موضوعي تاريخي يمكننا القول، لم تتشكل القضية الجنوبية تاريخياً وتظهر باعتبارها قضية مرتبطة بالوحدة فقط وحصراً، كما يشاع ويروج له اليوم، وأن قضية الوحدة كانت مصدراً وسبباً لظهور القضية الجنوبية وإنتاجها..، فالبداية السياسية الحقيقية كانت في تقديرنا مرتبطة بالموقف السياسي المباشر من الوجود الاستعماري كهوية احتلالية مضادة لهوية الجنوب ولأبناء الجنوب اليمني، وكيفية مواجهة الاستعمار. والتاريخ السياسي والاجتماعي والوطني لأبناء الجنوب يكشف بوضوح أشكال المقاومة الشعبية العديدة التي انطلقت في مواجهة الاستعمار منذ لحظة احتلاله لعدن ومناطق المحميات بعد ذلك، وتكبيلها وتقييدها بمعاهدات واتفاقيات واستشارات ربطتها بالمشروع السياسي الاستعماري، وكيف تجسدت أعمال وأشكال وطرائق المقاومة الوطنية الشعبية للوجود الاستعماري طيلة فترة احتلاله للجنوب 1839-1967م، والذي توجته الحركة السياسية الديمقراطية والوطنية اليمنية المعاصرة برفعها لشعار “تحرير الجنوب اليمني المحتل” (2) كهوية سياسية وطنية للجنوب، باعتباره جنوباً يمنياً واقعاً تحت الاحتلال الاستعماري البريطاني.
وهنا من المهم كتوثيق سياسي تاريخي، الإشارة إلى أنه سبقت هذه اللحظة أو المرحلة المتأخرة ظهور مشاريع سياسية أيديولوجية متقدمة لتحديد هوية الجنوب السياسية والوطنية في صورة مشاريع سياسية لترسيم هوية معينة للجنوب في ظل الاحتلال الاستعماري، فالمشاريع السياسية المباشرة الأولى لتحديد هوية الجنوب السياسي والوطني لم تتمثل هذه القضية -الاحتلال الاستعماري- بعقل سياسي نقدي ووطني واضحين ومحددين في أهداف سياسية برنامجية تشير إلى هذا المحتوى للقضية الجنوبية، “فالجمعية الإسلامية” حملت راية الوحدة الإسلامية لأبناء الجنوب ولتوحيد مسلمي الجنوب وجنوب الجزيرة العربية وبدون حتى تنصيص للبعد العربي، وكانت الهوية الإسلامية هي الجامعة في دعوتهم العامة المجردة كما هي في أدبياتهم ووثائقهم وخطاباتهم المقدرة والمعتبرة في تلك المرحلة، كما أن موقفهم من الاستعمار لم يكن يحمل روح المقاومة له أو الدعوة للعمل السياسي والوطني المشترك ضده، والمناداة بخروجه من الجنوب، أي لم تكن بالدعوة الصريحة للاستقلال الوطني أو ما شابه ذلك على منوال الحركات الاستقلالية الإسلامية التحررية الدينية: المهدية في السودان، والسنوسية في ليبيا، أو حركة التحرير الإسلامية والعربية في الجزائر والمغرب.
وفي هذه المرحلة ذاتها ظهرت “الجمعية العدنية” حاملة الدعوة “للهوية العدنية” الخاصة بأبناء عدن، وهي تشمل جنسيات وقوميات وإثنيات متعددة (عدنيون، ويمنيون من مواليد عدن، عرب، وأجانب) تحت شعار “عدن للعدنيين” كهوية سياسية، اجتماعية، ثقافية، جغرافية لأبناء عدن، في مواجهة الهويات الأخرى التي جلبها الاستعمار البريطاني إلى عدن، وجعلها تدير كل المرافق فيها ومنها مسؤوليات إدارة عدن، ومطالبة بحكم ذاتي لمدينة عدن مفصولة عن المحميات (الشرقية والغربية) ووضعها ضمن دول “الكومنولث” البريطاني. ولم تكن هذه الهوية لعدن في طابعها ومضمونها معارضة لاستمرار وجود الاستعمار البريطاني في عدن وكل الجنوب، كما أنها لم تشترك في الكفاح السياسي الوطني ضد الاستعمار، وبقيت الجمعية العدنية جماعة سياسية صغيرة منعزلة عن الواقع الجديد الذي بدأ يتشكل في كل الجنوب ويسحب البساط من تحت أقدامها حتى انقسمت على نفسها إلى أحزاب عديدة، في حين كانت “الرؤية الاستعمارية” السائدة لهوية الجنوب في تطورها تتحدث عن هوية لعدن كدولة حكم ذاتي في ظل الاستعمار، ثم بعد ذلك في هوية دولة فيدرالية اتحادية للجنوب تقف عند حدود وحدة عدن مع المحميات الغربية دون المحميات الشرقية، وبعد ذلك أدخلت المحميات الشرقية في الوحدة والدولة الاتحادية الفيدرالية مع العام 1962م. وبقيت هذه الرؤية السياسية الاستعمارية ثابتة ومحددة لهوية الجنوب السياسية والوطنية حتى قيام ثورة 14 أكتوبر 1963م وتحقيق الاستقلال الوطني.
وفي هذا المناخ السياسي والأيديولوجي والاجتماعي والوطني، ومع احتشاد صراع الهويات الأيديولوجية والسياسية حول معنى الجنوب السياسي والوطني ومفهومه (القضية الجنوبية)، ظهرت “رابطة أبناء الجنوب العربي” 1950م-1951م، وفيها ومعها بدأ تشكل جديد لمعنى القضية الجنوبية السياسي والوطني ومفهومها، متجاوزة بذلك المفهوم الإسلامي العمومي والمجرد، وكذلك مفهوم الجمعية العدنية، معلنة الدعوة الأيديولوجية والسياسية لوحدة أبناء الجنوب تحت شعار دولة واحدة لجميع أبناء الجنوب، علماً أن مصطلح أو مفهوم الجنوب العربي في الكتابات التاريخية هو (جنوب الجزيرة العربية بما فيها مسقط وعمان)، وهي الهوية السياسية الوطنية الجديدة للقضية الجنوبية التي تحتويها دولة واحدة مفصولة عن الشمال، وتضمن خطاب الرابطة من حيث الإعلان والخطاب السياسي موقفاً سياسياً ضد الاستعمار والدعوة لاستقلال الجنوب عنه ومقاومته سياسياً، وهو ما يعني أن الموقف من الاستعمار كان نقطة الانطلاق الأولى، وبعدها جاءت قضية الوحدة السياسية في تحديد معنى القضية الجنوبية ومحتواها. أي أن الموقف السياسي من الاستعمار كان حاضراً وواضحاً في خطاب الرابطة، وإن لم تدعُ الرابطة لمقاومة الاستعمار وطرده بالكفاح المسلح، مكتفية بالعمل السياسي المدني السلمي. وعند هذه الحدود وقفت هوية الجنوب السياسية والوطنية وتحددت ملامح القضية الجنوبية، وهي المرحلة الأولى في سيرورة تطورها في تاريخنا المعاصر.
2- المرحلة الثانية:
تبدأ المرحلة الثانية في سيرورة تطور القضية الجنوبية مع النصف الثاني من الخمسينيات والنصف الأول من ستينيات القرن الماضي، مع بداية صراع الهوية السياسية والتاريخية حول الجنوب باتجاه تحديد معنى سياسي/ اجتماعي حديث أو معاصر للقضية الجنوبية: هل هوية الجنوب تتحدد بخطاب عدن للعدنيين في ظل الاستعمار، أو في هوية جديدة للجنوب تتحدد صورتها بالجنوب العربي في إطار وحدة عدن بالمحميات الشرقية والغربية في دولة واحدة وكيان سياسي واحد، أو تحديد هوية الجنوب في إطار الرؤية الاستعمارية في صورة مشروع الدولة الاتحادية الفيدرالية بين عدن والمحميات الغربية أولاً، ثم أُضيفت بعد ذلك المحميات الشرقية في أوائل الستينات 1962م، والذي جاء لرفض ومواجهة خطاب الحركة السياسية الوطنية الديمقراطية اليمنية المعاصرة الداعية للوحدة اليمنية والكفاح من أجل طرد الاستعمار من جنوب البلاد؟
وبعد أن بدأ خطاب الحركة السياسية الوطنية الديمقراطية المعاصرة يتصاعد ويمتد وينتشر في كل الجنوب، وصولاً إلى مدن الشمال الرئيسية: تعز، وصنعاء، والحديدة، وفي أوساط الطلاب اليمنيين في الخارج، وخاصة مؤتمر الطلاب اليمنيين في القاهرة (مصر) الذي انعقد في تاريخ 23 يوليو 1956م في نادي الطلاب الفلسطينيين، (3) هذا الخطاب الداعي لوحدة اليمن واليمنيين والذي صاغ بيانه الأول د. أبوبكر السقاف الذي كان أبرز القيادات الطلابية اليمنية في القاهرة، أي وحدة الكيانين السياسيين اليمنيين (الشمال والجنوب) تحت اسم “اليمن الطبيعية”؛ من هنا كانت دعوة الاستعمار البريطاني لوحدة عدن والمحميات، وعند هذه اللحظة يلتقي خطاب الاستعمار مع خطاب الرابطة في محاولة لمواجهة خطاب الحركة السياسية الديمقراطية اليمنية المعاصرة. ومعها وعندها تحدد معنى ومحتوى جديد للقضية الجنوبية على مستوى الخطاب الأيديولوجي والسياسي، استشعر معها الاستعمار خطورة معنى ومضمون مستقبل وجوده وبقائه في كل الجنوب. وكانت المدينة “عدن” هي الحاضنة والقابلة لبلورة المفهوم السياسي والفكري لمعنى الوطنية اليمنية المعاصرة، ولمفهوم الوحدة اليمنية، وبالنتيجة لمحتوى القضية الجنوبية في طورها الثاني، على الأقل على مستوى الخطاب، حيث الوحدة حاضرة في قلب خطاب القضية الجنوبية.
3- المرحلة الثالثة:
وتبدأ مع إعلان ثورة 14 أكتوبر 1963م وقيامها وحتى تحقيق الاستقلال. فمع إعلان قيام ثورة 14 أكتوبر 1963م، تبلورت ونضجت السمات والملامح الأيديولوجية والسياسية الجوهرية للقضية الجنوبية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الكفاح السياسي الوطني التحرري للجنوب من الاستعمار على طريق وحدته مع الشمال. (4) وفي هذا السياق السياسي والوطني التاريخي تأكدت أواصر العلاقة والتلاحم بين ثورة 14 أكتوبر وثورة 26 سبتمبر، اللتين كانت الحركة السياسية الوطنية رائدة لهما وقائدة لدورهما معاً؛ لأن وحدة الأداة السياسية والتنظيمية كانت حاضرة وفاعلة ومؤثرة في قلب الفعل السياسي والثوري والوطني في كل من ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، على خصوصية وتفرد وتميز كل من الثورتين بمحتواها وبطابعها الوطني التاريخي الخاص بكل منهما، حيث الأولى ضد الإمامة، والثانية ضد وفي مواجهة الاستعمار الأنجلوسلاطيني.
وفي قلب هذا الصراع من أجل الاستقلال الوطني في الجنوب، ومن أجل الدفاع عن الجمهورية والثورة في الشمال، كانت قضية الوحدة اليمنية حاضرة ومتداولة ويتردد معناها وخطابها بين ضفتي الكيان السياسي اليمني… ومع تحقيق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م، صارت الوحدة اليمنية قضية سياسية سجالية بين الشطرين، خاصة بعد قيام انقلاب 5 نوفمبر 1967م في الشمال وبداية صراعه مع النظام السياسي الوطني الوليد في جنوب البلاد على قاعدة أيديولوجية الحرب الباردة وبدعم من قوى ودول إقليمية ودولية، تحولت معه قضية الوحدة اليمنية إلى قضية أيديولوجية ووطنية ضاغطة عليهما معاً، حتى قامت الوحدة بالصورة التي أُعلنت بها وتحققت من خلالها في 22 مايو 1990م.
4- المرحلة الرابعة:
وتبدأ كشكل واسم مع إعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990م، وصولاً إلى قرار إعلان الحرب على الوحدة السلمية الديمقراطية في 27/4/1994م الذي تمثل باجتياح الجنوب عسكرياً، وهي وحدة لم يدم ربيعها السياسي والديمقراطي سوى عدة أشهر، لتدخل البلاد كلها بعدها دائرة من العنف الجهنمي والقتل، نتيجة ما رافق هذه الوحدة مباشرة من محاولات الالتفاف على مضمونها السياسي والسلمي، وعلى بعدها الديمقراطي التعددي، بعمليات تفجير الوحدة من داخلها، والتي استمرت متواصلة في توجه سياسي رسمي رافض تبنته النخبة السياسية السلطوية في الشمال للدخول إلى عملية بناء “اللا دولة” وتأسيس سلطة “اللا قانون”، بعيداً عن الشراكة السياسية والوطنية للجنوب في دولة الوحدة، أي دولة الوحدة الجديدة نوعياً، تلك التي كان المطلوب تشكيلها وقيامها من حاصل وحدة وتوحيد الكيانين السياسيين الشمالي والجنوبي بالأخذ بالأفضل من تجربتي الشطرين وفقاً لاتفاقية الوحدة، والعمل الدؤوب على كبح تنفيذ اتفاقية الوحدة وتعويق مسارها ووضع العصي أمام دواليب حركة تقدمها باتجاه بناء الدولة، والوقوف ضد برنامج الحكومة والذي أصدره وأقره البرلمان في العام 1991م “بالإصلاح السياسي والاقتصادي”، والتي وصلت حد الاغتيالات الفاضحة وفي قلب المدينة صنعاء لقيادات الحزب الاشتراكي وكوادر الدولة في الجنوب، حتى رفض تنفيذ بنود وثيقة العهد والاتفاق التي وقع عليها جميع الأطراف السياسية، الرسمية والوطنية والشعبية في 20 فبراير 1994م، واعتبارها وثيقة خيانة وتآمر على الوحدة، والتي مهدت جميعاً للانقضاض على محتوى الوحدة السلمية “بالحرب المقدسة” في 7/7/1994م، وهي اللحظة السياسية والعملية التي جرى فيها ومعها تصنيع وإنتاج القضية الجنوبية في معترك الكفاح السياسي المدني في صورته المعاصرة.
وليس لدي أدنى شك اليوم في أن الطريقة الاستعجالية الفورية والاندماجية في الدخول إلى الوحدة وإعلان قيامها، التي شاركنا فيها -أقصد الحزب الاشتراكي وعموم الشعب اليمني- وقد يكون الاشتراكي الطرف الرئيسي في الدعوة إليها إيماناً منه بالوحدة على خلفية وقاعدة القناعة الأيديولوجية الوطنية الوحدوية الراسخة في عقله والتي كانت هاجسه اليومي والتاريخي، فلم تكن الوحدة اليمنية بالنسبة للاشتراكي تحديداً -وإلى جانبه القوى السياسية الوطنية والقومية- خياراً تكتيكياً أو سياسة براجماتية نفعية (وإلا لما قدم كل تلك التنازلات من أجلها)، كما لم تكن الوحدة رؤية أيديولوجية حزبية مغلقة أو هروباً إلى الوحدة كما يتوهم البعض في محاولة لتبرير الحرب على الاشتراكي والجنوب. فالوحدة كانت تربية وتعليماً في المناهج الدراسية التعليمية في الجنوب، كانت ثقافة وطنية في أدبيات الحزب، وكانت نشيداً وطنياً في المدارس والجامعات والكليات العسكرية، كما كانت أدباً وفناً ورؤية معرفية وفكرية للوطن وللمواطن وللتاريخ اليمني… لقد كان اندفاع الحزب الاشتراكي تحت ضغط جماهير الشعب في الجنوب في دخوله إلى الوحدة محاولة لتجاوز حروب التشطير البينية والحروب الشطرية الداخلية، ومراهنة على مصالحة سياسية وطنية تاريخية منشودة، على أنها كانت رؤية سياسية ناقصة للمصالحة لم تشمل رفاق 13 يناير 1986م، وهي واحدة من الأخطاء السياسية التكتيكية، ولكن كما يبدو ليس كل ما يتمناه المرء يدركه… خاصة في العمل السياسي في شروط ثقافية واجتماعية وأيديولوجية وتاريخية معقدة لم تكن مهيأة ولا ناضجة لمثل هذه الأعمال السياسية التاريخية الكبرى.
بدا معها وكأن عاطفة الاشتراكي الوطنية الوحدوية تقدمت وسبقت عقله السياسي الواقعي النقدي، وصدقت الحكمة الفلسفية القديمة القائلة: “من طلب الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه”. ولذلك ظهر للجميع، ولكن بعد تجربة سياسية مريرة على صعيد الممارسة السياسية العملية، أن رؤية الاشتراكي للوحدة مع نظام العصبية في صنعاء قد شابها الكثير من القصور الاستراتيجي، وخاصة الذهاب إلى الوحدة الفورية، وأن ذلك قد أسهم في التعجيل والتسهيل لضرب الوحدة في العمق؛ لأن الاشتراكي دخل إلى الوحدة محكوماً بالأحلام الكبيرة والنبيلة والنوايا السياسية والوطنية الطيبة، ولم يدرك -مثل كثيرين- أن النوايا الطيبة في السياسة تقود دائماً إلى الجحيم مهما عظمت وتقدست النوايا، ولكن لا يجوز -على الأقل- أخلاقياً ووطنياً أن يستمر البعض في عقاب الاشتراكي لأنه كان صادقاً في حلمه أو مفرطاً ومغرقاً في ثوريته الوطنية الوحدوية.
إن العقاب لا يستحقه سوى مرتكبي الجرائم، وليس حاملي الأحلام الكبيرة والنبيلة من الضحايا، مهما شاب تفكيرهم من القصور في رؤية تعقيدات الواقع والخطأ في تصويب قراءتهم السياسية له.
والكثيرون اليوم على قناعة، بما فيهم الحزب الاشتراكي وأكثر من أي وقت مضى، بأنه كان من المهم قبل الدخول على الوحدة وإلى الوحدة، الإقدام الشجاع والجريء على إجراء مصالحة سياسية وطنية واسعة وشاملة مع جميع الأطراف والقوى السياسية في الجنوب. فالحزب الاشتراكي اليمني هو الحزب السياسي الوطني التاريخي الكبير الذي ورث السلطة والدولة في الجنوب في سياق عملية ثورية كفاحية تحررية وطنية كبرى في مواجهة الاستعمار البريطاني مع غيره من رفاق الدرب من فصائل العمل السياسي الوطني التحرري، وقاد البلاد ببسالة نادرة إلى الاستقلال الوطني الكامل والناجز وحكم باسمها… ومعها حمل إرث وثقل كافة الصراعات السياسية التي شهدتها الساحة في الجنوب في صورة عمليات الإقصاء والمصادرة لحق الآخرين في الشراكة السياسية والوطنية وفي صناعة القرار وفي بناء الدولة. ومن هنا الأهمية السياسية والوطنية والتاريخية لتقديم المصالحة السياسية والوطنية التاريخية كمقدمة للوحدة، وهو ما لم يتحقق، وكانت إحدى المعوقات السياسية والذاتية أمام الوحدة الديمقراطية والتعددية.
إن الحزب الاشتراكي هو حصيلة توحيد الأداة السياسية والتنظيمية الثورية (القومية الاشتراكية واليسارية) في جنوب البلاد وفي شمالها، والذي وصل إلى الحكم ليس عبر عملية انقلابية دموية فوقية بل عبر وفي سياق عملية ثورية وطنية تحررية ضد الاستعمار. وتقع اليوم عليه وبأثر رجعي الإسهام المسؤول مع الجميع في إدارة عملية مصالحة سياسية وطنية شاملة: (مصالحة جنوبية-جنوبية، ومصالحة شمالية-شمالية) حتى تستقيم الرؤية الفكرية والسياسية والتعددية لمفهوم التسامح والتصالح. وعلى الاشتراكي باعتباره الوريث السياسي لجميع تلك الصراعات؛ صراعات الجبهة القومية وجبهة التحرير، والصراع مع حزب البعث وغيره، وصراعات ما بعد الاستقلال (داخله)، أن يقر أن حالة وعملية الإقصاء والإلغاء السياسي للأطراف السياسية الأخرى خارجه ثم داخله بسبب غياب الديمقراطية وعدم الاعتراف بالآخر والنهج الشمولي، جميعها هي التي راكمت الشروط السياسية والموضوعية لكارثة 13 يناير 1986م، ولكنها تظل وتبقى في حدود صراعاتها الجيوسياسية (الجنوبية/ الجنوبية) ولا صلة سياسية لها مباشرة بحرب عام 1994م وبالقضية الجنوبية القائمة اليوم. وسبق للحزب الاشتراكي أن قدم رؤى فكرية وسياسية نقدية مبكرة حول التعددية السياسية والحزبية وفتح الباب قبيل الوحدة لممارسة التعددية الحزبية، وكان للشهيد جار الله عمر دور بارز في ذلك. ويمكن أن يكون الحزب الاشتراكي هو الحزب الوحيد الذي مارس نقد الذات والاعتذار العلني عن أخطائه أو حتى خطاياه مبكراً وقبل قيام الوحدة، ولم يخجل من استمرار ممارسة نقد ذاته وتجربته وإعلان اعتذاره للشعب في الجنوب، لدرجة أن اعتذاره وصل حد جلد الذات المرضي كما يقول البعض عنه. فمن لا يتعلم من أخطائه محكوم عليه بتكرارها ولا يحق له نقد الآخرين، والمشكلة هنا في من يرفض الاعتذار حتى اللحظة عن جرائم حرب 1994م ولم يتوقف بعد عن تمجيد ثقافة الحروب وتقديس ثقافة العصبية والشوكة والتغلب.
الهوامش:
(1) في حديث جانبي مع د. ياسين سعيد نعمان حول القضية الجنوبية، وجدته يفرق بين قضية الجنوب السياسية التاريخية، وبين القضية الجنوبية الراهنة كمنتج لحرب 1994م، مؤكداً في واحدة من كتاباته أن مصطلح القضية الجنوبية “لا يحمل دلالات انفصالية أو صدامية كما يحاول البعض أن يفسر ذلك، ولكنه –يقصد مصطلح القضية الجنوبية-الباحث- يضع الجنوب في إطاره السياسي التاريخي، كطرف في الوحدة اليمنية، طرفاً وليس ملحقاً” د. ياسين سعيد نعمان، كتيب “القضية الجنوبية والحراك السياسي والاجتماعي، مسارات… وأحداث” صـ 11-12 من محاضرة ألقيت بتاريخ 14/5/2008م صنعاء، أي أن الجنوب لم يكن تاريخياً جزءاً من الشمال سياسياً كما أن الشمال لم يكن جزءاً من الجنوب، وكلاهما تاريخياً شكلا الهوية الحضارية التاريخية لمعنى اليمن ولهوية اليمن.
(2) إن شعار “الجنوب اليمني المحتل” هو الشعار السياسي المركزي الذي رفعته جميع الأحزاب والقوى السياسية والوطنية الديمقراطية المعاصرة؛ رفع في البداية من قِبل (حركة القوميين العرب والجبهة القومية)، وبعدها رفع من قِبل: حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب الشعب الاشتراكي، التنظيم الشعبي، الحركة العمالية والحركة الطلابية اليمنية، باستثناء الجمعية العدنية وحزب رابطة أبناء الجنوب العربي والجماعة الإسلامية. والصحيح أن أول من رفع شعار الجنوب اليمني هو الأستاذ والمناضل/ المفكر عبدالله باذيب، والحركة الطلابية اليمنية في بياناتهم التي أصدروها وفيها ذكر “اليمن الطبيعية الواحدة”، وحديث عن الوحدة اليمنية، وكان ذلك في 23 يوليو 1956م في مؤتمرهم الطلابي الأول.
(3) انظر حول كتاب د. أحمد القصير “التحديث: والتداخل بين الدولة والقبيلة”، ص84، دار العالم الثالث، ط أولى، 2006م، القاهرة.
(4) وهي الوحدة السياسية النوعية الجديدة على قاعدة الوطنية اليمنية المعاصرة التي ظهرت وتشكلت في مدينة عدن، وتبلورت بصورة واضحة في خطاب الحركة السياسية الوطنية الديمقراطية اليمنية المعاصرة؛ وحدة هي نقيض ونفي إبداعي سياسي تاريخي للوحدات والاتحادات القديمة (التاريخية) التي عرفها اليمن القديم، والإسلامي، والوسيط، والحديث؛ وحدة مساواة ومواطنة وعدل وكرامة إنسانية، والتي تجسدت في الفكر السياسي اليمني المعاصر منذ الخمسينيات والستينيات، واكتملت صورتها وتبلور محتواها أكثر وأعمق مع التحولات المعرفية والسياسية والثقافية التي شهدها اليمن المعاصر (ثورات، وانتكاسات) من الثورة حتى الوحدة المغدورة في العام 1994م. أي أن حديثنا عن الوحدة المعاصرة يأتي على غير مثال سابق، ولا يمت لخطاب “إعادة توحيد اليمن” ضمن المنطق الأيديولوجي والسياسي القديم، بل وحدة نصنعها بأيدينا وعقولنا وفقاً لشروط الحياة والعصر على قاعدة إنتاج المصلحة المشتركة لليمنيين جميعاً (شمالاً وجنوباً)؛ وحدة مداميكها وأسسها وقواعدها ترتكز على دولة مدنية ديمقراطية تعددية حديثة، يتفق اليمنيون كيف يكون شكل نظامها السياسي ودستورها، الذي من المهم أن يوجد ويؤسس على قاعدة الجمع بين الديمقراطية والتوافق.
اقرأ أيضا:مساهمة في قراءة القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (4-1)
اقرأ أيضا:مساهمة في قراءة، القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (٢- ٤)
اقرأ أيضا: مساهمة في قراءة، القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (٣-٤)




