في الذكرى السادسة لرحيل الدكتور أحمد النهمي.. انتصار الفكرة على الغياب

في الذكرى السادسة لرحيل الدكتور أحمد النهمي.. انتصار الفكرة على الغياب
- أمين الجبر
الاحد 14 يونيو 2026
ثمة رجال لا يقاس حضورهم بسنوات أعمارهم، ولا يختزل أثرهم في المناصب التي شغلوها أو الأدوار التي أدوها، بل فيما يتركونه من إرث فكري وأخلاقي يظل فاعلًا في الوجدان الجمعي، ومؤثرًا في الوعي العام بعد رحيلهم بسنوات طويلة. ومن هذا الطراز النادر من الرجال كان الدكتور أحمد النهمي، الذي لم يكن مجرد أكاديمي أو أديب أو سياسي عابر، بل مشروعًا فكريًا وإنسانيًا متكاملًا، كرّس حياته للدفاع عن قيم الحرية والعدالة والمواطنة، وظل وفيًا لها حتى آخر أيامه.
تمر ستة أعوام على رحيله، وما زالت ذكراه حاضرة في النفوس، لا بوصفها ذكرى عاطفية فحسب، بل باعتبارها استدعاءً دائمًا لمنظومة من القيم والمبادئ التي جسدها في حياته وسلوكه ومواقفه. لقد كان كبيرًا في أخلاقه، كبيرًا في فكره، كبيرًا في انحيازه للإنسان وكرامته، ومثالًا للمثقف العضوي الذي لم يفصل بين المعرفة والمسؤولية، ولا بين الفكر والعمل.
كان، بالنسبة لكثير من زملائه ورفاقه، سندًا للمستضعفين، وملاذًا للمهمشين، وصوتًا عاقلًا في زمن الضجيج والانفعالات. لم يتعامل مع الثقافة باعتبارها ترفًا ذهنيًا، ولا مع السياسة بوصفها مجالًا للمناورة والمكاسب، بل نظر إليهما كوسيلتين لخدمة المجتمع والدفاع عن الحقوق العامة وترسيخ قيم الدولة الحديثة.
وبرحيله افتقد كثيرون مرجعية أخلاقية وفكرية كانت تمنحهم الثقة والاتزان. ولعل ما يزيد من مرارة الفقد أن الأوضاع التي كان يحذر منها ويناهضها قد تفاقمت بصورة غير مسبوقة؛ إذ تراجعت مكانة الكفاءة، وتقلص حضور القيم المؤسسية، وتزايدت معاناة قطاعات واسعة من الأكاديميين والموظفين والمواطنين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف معيشية قاسية، وسط غياب الحلول وتراجع الإحساس بالمسؤولية العامة.
لقد عاش الدكتور أحمد النهمي مشغولًا بسؤال الدولة المدنية الحديثة، ورأى أن المعضلة اليمنية لا تكمن في نقص الشعارات، بقدر ما تكمن في استمرار البنى التقليدية والعصبيات الاجتماعية التي تعيق تشكل الدولة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. ومن هنا انشغل طويلًا بتفكيك أنماط التراتب الاجتماعي والثقافي التي أعاقت، وما تزال تعيق، بناء مجتمع حديث تتساوى فيه الحقوق والواجبات بعيدًا عن الامتيازات الموروثة والادعاءات الاستعلائية.
وكان يؤمن أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا سياسيًا للاستهلاك الإعلامي، بل شرطًا موضوعيًا للاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية. كما كان يرى أن المواطنة لا تكتمل إلا بتحرير الإنسان من مختلف أشكال التمييز والإقصاء، وإخضاع الجميع لمرجعية واحدة هي مرجعية القانون والدستور والمؤسسات.
وخلال مسيرته النضالية والسياسية والفكرية خاض تجارب متعددة، ظل فيها ثابتًا على مبادئه، مؤمنًا بالحوار والتعايش وقبول الاختلاف، رافضًا للمزايدات والانتهازية السياسية. لم يكن من أولئك الذين يبدلون مواقفهم بتبدل الظروف، أو يبيعون قناعاتهم في أسواق المصالح، بل بقي وفيًا للفكرة التي آمن بها، ومدافعًا عنها في مختلف المراحل والمنعطفات.
لقد أدرك، مبكرًا، أن النهضة لا يمكن أن تتحقق في ظل الانقسامات الضيقة، وأن مستقبل اليمن مرهون ببناء دولة تتسع لجميع أبنائها دون تمييز أو امتياز، دولة يكون الانتماء إليها قائمًا على المواطنة لا على المكانة الاجتماعية أو الادعاء السلالي أو العصبية السياسية.
ورغم كل ما يحيط بالواقع من أزمات وإحباطات، فإن الأفكار الكبرى التي حملها الراحل لا تزال قادرة على إلهام الأجيال الجديدة، لأن قوة الأفكار لا تقاس بظروف اللحظة، وإنما بقدرتها على البقاء والاستمرار. ولهذا فإن أفضل وفاء للدكتور أحمد النهمي لا يتمثل في استحضار ذكراه فحسب، بل في التمسك بالقيم التي ناضل من أجلها، والعمل على تحويلها إلى واقع ملموس في حياة الناس.
رحم الله الدكتور أحمد النهمي، وغفر له، وجزاه عن وطنه وأمته وطلابه ومحبيه خير الجزاء. وستبقى سيرته شاهدًا على أن الرجال يرحلون بأجسادهم، لكن أفكارهم ومواقفهم النبيلة تظل حاضرة ما بقيت القيم التي دافعوا عنها حية في ضمير المجتمع.
اقرأ أيضا:في ذكرى رحيل الدكتور أحمد النهمي


