كتابات فكرية

مضيق باب المندب من إغلاق أكتوبر إلى ثأر إسرائيل باحتلال جزيرة حنيش بغطاء إرتيري

مضيق باب المندب من إغلاق أكتوبر إلى ثأر إسرائيل باحتلال جزيرة حنيش بغطاء إرتيري

بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

الثلاثاء 14 يوليو 2026-

   يُعد جنوب البحر الأحمر من أهم مراكز النفوذ الحيوية المتحكمة بمدخل البحر، بواسطة مضيق باب المندب الذي تُشرف عليه بصورة مباشرة الجمهورية اليمنية، لوقوعه ضمن نطاقها الجغرافي، الذي يمنحها فرصة التحكم بحركة المرور الدولية في المضيق الذي تمر فيه حوالي ٣٠% من حجم التجارة العالمية، بين الشرق والغرب، وذلك يمنح اليمن فرصة جيواستراتيجية للتأثير في حركة التجارة الدولية التي تمر فيه، إلى جانب أهمية المضيق العسكرية، في أي صراع عسكري على المستويين الإقليمي والدولي، مما ضاعف أهمية المضيق، التي زادت بشكل كبير بعد اكتشاف النفط في الخليج العربي، وافتتاح قناة السويس التي ضاعفت من أهمية البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، واستمر الأمر بعد الحرب العالمية الثانية، إذ أخذ الاتحاد السوفيتي، من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية، أثناء فترة الحرب الباردة على عاتقهما توسيع نفوذهما السياسي في المنطقة حسب مصالحهما، إذ ارتبطت المصالح الأمريكية ببقاء المضيق مفتوحاً من أجل تدفق كميات النفط الخليجي الذي تُنتجه الشركات الأمريكية التي تعمل في هذا الجانب في دول الخليج العربي، في حين ارتبطت أجندات الاتحاد السوفيتي في التواجد والنفوذ في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وخليج عدن، بالضغط على المصالح الأمريكية في المنطقة.

  والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة موضوعية ما مصلحة إسرائيل من التواجد في منطقة جنوب البحر الأحمر على الرغم من بعدها الكبير عن مضيق باب المندب؟ ومنطقة جنوب البحر الأحمر؟

  في الحقيقة لابد من التركيز على أمرين مهمين الأول: أهمية مضيق باب المندب الحيوية في التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وأي عرقلة في هذه النقطة الحيوية تعرقل وصول الشحنات التجارية إلى مختلف دول العالم، بما في ذلك إسرائيل، أما الأمر الثاني: فمرتبط بالجانب العسكري وهو الأكثر تأثيراً، في الأحداث وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، إذ لعب شطرا اليمن بالتعاون مع الجيش المصري على إغلاق الملاحة الدولية في المضيق أمام السفن الإسرائيلية، وقاد ذلك إلى تفوق البحرية المصرية وهيمنتها المطلقة في العمليات العسكرية في البحر الأحمر، وذلك منح مصر حرية الحركة والمناورة خلال أحداث حرب ٦ أكتوبر عام ١٩٧٣م، وكان من شأن التحركات المصرية في جنوب البحر الأحمر، حرمان العدو الإسرائيلي من التجارة القادمة إليه من مناطق شرق آسيا، وأستراليا، وزادت من أعباء وتكاليف الحرب عليه ومنح إغلاق اليمن ومصر باب المندب، ورقة ضغط اقتصادية كبيرة على إسرائيل في ميدان المعركة العسكرية التي اشتعلت على طول الجبهتين العسكريتين المصرية، والسورية اللتين شكلتا ضغطاً واسعاً على إسرائيل خلال أيام الحرب، وكان ذلك من أهم عوامل النصر لمصر في الحرب.

  شكل إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية المدنية والعسكرية خلال أيام حرب أكتوبر ضربة قوية لها، مما جعلها تبحث عن إيجاد موطئ قدم عسكري مهم في منطقة جنوب البحر الأحمر، يمنحها التواجد الدائم لحماية مصالحها في المنطقة، وتشكيل قاعدة متقدمة لحماية السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، أثناء الصراع مع العرب، ومنع تكرار إغلاق المضيق أمام السفن الإسرائيلية، كما حدث أثناء حرب أكتوبر، أمام تلك التحركات الإسرائيلية الجادة في إيجاد موطئ قدم لها في جنوب البحر الأحمر، كانت استجابة اليمن سريعة وحاسمة، لاسيما الشطر الشمالي الذي عمل منذ الوهلة الأولى للحرب على تدعيم الحاميات العسكرية وتعزيزها على طول امتداد السواحل والجزر اليمنية في البحر الأحمر، لمنع أي تسلل عسكري إسرائيلي إليها، بمساعدة دول الجوار الإفريقي، وعلى رأسها إثيوبيا التي كانت تُنسق مع إسرائيل في البحر الأحمر، مقابل حصولها على معونات اقتصادية، وعسكرية مقابل منح الأخيرة موطئ قدم في جنوب البحر الأحمر، وتحديداً في ميناء مصوع، الذي يقع اليوم تحت السيادة الإريترية بعد استقلالها من إثيوبيا عام ١٩٩٥م.

  بالرغم من الأهمية الحيوية لمنطقة جنوب البحر الأحمر، ومضيق باب المندب وخليج عدن، وتمتع اليمن الموحد بالإشراف المباشر على تلك الرقعة الجغرافية الاستراتيجية، لكنه رغم شح الإمكانيات لم يكن عند المستوى المطلوب الذي من شأنه أن ينعكس بشكل إيجابي على الجانب الاقتصادي اليمني، ويعود السبب إلى قيام إسرائيل بالضغط السياسي المباشر على اليمن، من خلال تشجيع دولة إريتريا على احتلال أرخبيل حنيش الاستراتيجي، في شمال مضيق باب المندب، وهذه الجزر تمنحها فرصة الإشراف على الملاحة الدولية في المضيق، من جهة، ومن جهة أخرى، جر اليمن إلى مستنقع صراع بحري بهدف إلحاق الضرر بها وبسمعتها، وفتح الباب أمام الشكوك الدولية بعجز اليمن عن حماية الممر الدولي، من خلال القول: بعدم كفاءة الجانب اليمني، وعجزه الأمني عن تأمين الممر، وبالتالي فتح الطريق أمام وضع المضيق تحت الحماية الدولية، التي تخدم إسرائيل مستقبلاً في أي صراع مع العرب لضمان عدم تكرار إغلاق المضيق بوجهها، كما حدث أثناء حرب أكتوبر، ورغم إحكام المشهد والإخراج الفني المتقن لاحتلال أرخبيل حنيش في البحر الأحمر، لتحقيق غاية التدويل، إلا أن اليمن، مارست ضبط النفس السياسي، ولم تنجر للمستنقع الإسرائيلي والفخ السياسي الذي نُصب لها، بالرغم من قدرة القوات المسلحة اليمنية، على استعادة الأرخبيل بفضل الإمكانيات التي تمتلكها.

  أدركت اليمن الفخ السياسي الذي نُسجت خيوطه لجرها للدخول في مغامرة عسكرية بحرية في شمال مضيق باب المندب، فعملت على تفويت الفرصة أمام القوى الإقليمية والدولية المتربصة بها، وعلى رأسها إسرائيل، بالرغم من الموقف المحرج والمذل الذي أقدمت عليه القوات الإريترية، تجاه الحاميات العسكرية اليمنية، في الجزر واحتلالها بكل صلف، وتنكر القيادة الإريترية للدور المحوري اليمني في انتزاع الأخيرة استقلالها من إثيوبيا، ومع ذلك التزمت الحكومة اليمنية الحكمة، والصبر في التعامل مع المشهد، المراد دفعها إليه، بفتح باب المواجهة مع إريتريا، القوة التي تعرف القيادة اليمنية مدى حجمها، وقدرتها على الشروع باحتلال الجزر اليمنية، إذ كانت أعجز من أن تقوم بالتجَرُّؤ والقيام بمثل تلك المغامرة، لولا وجود الدعم العسكري الإسرائيلي، ولم تكن القوات العسكرية الإريترية، إلا غطاءً لتمرير مشروع إسرائيل وتمكينها من احتلال الجزر اليمنية. وبين الرغبة والطموح يكمن الحق أكبر من أي مشروع تآمري مهما بلغت قوته.

  • بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.\

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية.. سُلطة الهجرة والتهجير بِيَد مَن؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى