الحسين بين رمزية التاريخ وإشكالية توظيف السياسة

الحسين بين رمزية التاريخ وإشكالية توظيف السياسة
امين الجبر
الجمعة 10 يوليو 2026-
لست ممن يستحضر التاريخ بكل علاته، ويحاول إسقاطه قسرًا على أحداث الراهن، ولا من أنصار توظيفه لخدمة الأيديولوجيا، أو تجييره لتعزيز أجندات بعينها أو نفيها.
فالتاريخ، بكل معطياته وإفرازاته، هو واقع موضوعي أنتجته ظروفه وخصوصياته، ثم أصبح ـ بحكم صيرورة الزمن ـ ماضيًا منجزًا لا يمكن إعادة تشكيله وفق الأهواء والرغبات. إنه حدث وقع وانقضى، يستحيل إعادة صيرورته، ويتعذر تكرار سيرورته بذات الملابسات، ولا يقبل في تدوينه منطق “لو”، لأن ما وقع قد وقع، وليس رهن الأمنيات حتى نعيد صياغته كما نشاء، أو نوجه بوصلة أحداثه وفق ما يخدم تصوراتنا المعاصرة.
ومع ذلك، فإن كون التاريخ قد أصبح ماضيًا لا يمنع من الاتعاظ بعبره، والاستفادة من دروسه، وتجنب الأخطاء التي أنتجها.
ولعل مما لا يكاد يختلف عليه مسلمان أن الحسين رضي الله عنه قُتل مظلومًا، وأن خروجه لم يكن طلبًا لملك، ولا انتصارًا لمصلحة شخصية أو أسرية، وإنما كان ـ وفق ما يراه كثير من المسلمين ـ موقفًا رآه دفاعًا عن الحق ورفضًا لما اعتبره ظلمًا وانحرافًا في مسار الحكم، بعد أن آل أمر الخلافة إلى نمط وراثي، بما أثار جدلًا واسعًا في الفكر الإسلامي حول الشورى والعدل والكفاءة.
ومن هنا أصبح الحسين رمزًا لمواجهة الظلم من موقع المعارضة، لا من موقع السلطة، ومثالًا لمن يقول كلمة الحق وهو لا يملك أدوات القوة، في مواجهة سلطة تمتلك النفوذ والقرار.
ولهذا تبدو المقارنة مثيرة للتساؤل حين تستحضر سلطة حاكمة، وهي المتحكمة في القرار والموارد ومؤسسات الدولة، رمزية الحسين بوصفها رمزًا للمظلومية والثورة على الظلم، في الوقت الذي تكون هي صاحبة السلطة والنفوذ.
فكيف يجتمع موقع الحاكم مع موقع الضحية؟ وكيف يمكن لمن يملك أدوات القوة أن يقدم نفسه بوصفه امتدادًا لرمزية قامت أساسًا على مواجهة السلطة؟ وكيف يستقيم لعن الظلم إذا كان المعيار في الحكم على الظلم هو الممارسة لا الشعار؟
إن رمزية الحسين، في بعدها الأخلاقي والسياسي، ارتبطت تاريخيًا بالوقوف في وجه السلطة حين تنحرف، لا بممارستها. ومن ثم فإن استحضار هذه الرمزية يقتضي أولًا الالتزام بقيمها في العدل والحرية والإنصاف، قبل الاكتفاء برفع شعاراتها.
وإذا كان لا بد من إجراء مقارنة أو إسقاط تاريخي، فإن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هو: من الأقرب إلى تمثيل موقع الحسين؟ أهو من يملك السلطة وأدواتها، أم من يقع عليه الظلم ويعاني تبعاتها؟
إنه سؤال للتأمل، لا للإدانة، وللنقاش الهادئ، لا لإصدار الأحكام.
اقرأ أيضا:الخضر هارون يستعرض كتاب الفردية للأستاذ زيد بن على الوزير





