من التماهي والتخادم إلى التصادم: تشريح انهيار التحالف السعودي الإماراتي

من التماهي والتخادم إلى التصادم: تشريح انهيار التحالف السعودي الإماراتي
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الجمعة 10 يوليو 2026-
بدأت بوادر الخلاف تتوسع بشكل أكبر بين الدول التي وُصفت بالمعتدلة في المنطقة بسبب التنافس الحاد الذي ظهر إلى السطح، بعد فترة من الزهو المبالغ فيه بالتنسيق والتحالف، بل حد التماهي والتطابق في المواقف الدولية والإقليمية تجاه مختلف القضايا السياسية في الإقليم، ويبدو أن نار الخلاف كانت مكتومةً بين المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، نظراً لوجود أولويات ملحة حتمت على الجانبين الاستمرار في التحالف، وإن بدا في بعض المواقف بصورة شكلية، لأن الضرورة السياسية قادت المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، إلى البقاء معاً في مواجهة التحديات، وفي التعاون من أجل دعم الثورات المضادة في مختلف الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي، وبلغ التنسيق ذروته في ٣٠ يوليو عام ٢٠١٣م، التي قادت وزير الدفاع المصري “عبدالفتاح السيسي” إلى إزاحة الرئيس “محمد مرسي” وزاد حماس القوتين الخليجيتين أكثر في مطاردة تيار ما سمي بالإسلام السياسي، والإطاحة بالحكومات التي يشارك فيها ممثلو الأحزاب المرتبطة بذلك في ليبيا وغيرها.
بدت التحركات السياسية للمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، حد التطابق في العديد من الملفات السياسية الإقليمية، وأخذت الأخيرة تمثل جناح الصقور فيما عُرف بمحور الاعتدال العربي، الذي أخذ يحمل على عاتقه إظهار الجانب الخشن في تعاملاته مع بعض الملفات الإقليمية وعلى رأس ذلك قضية اليمن التي أعلنت المملكة العربية السعودية ليلة ٢٦ مارس عام ٢٠١٥م، عدوانها على اليمن، فيما سُمي بعاصفة الحزم والتدخل في اليمن لإعادة ما اسمته الشرعية إلى صنعاء، بعد هروب الرئيس “عبدربه منصور هادي” إلى الرياض. وخلال تلك الأحداث بدت الإمارات القوة الثانية الفاعلة في التحالف، ورغم الشعارات السياسية التي رُفعت في الحرب من قبيل دعم اليمن، ورفع مكانته الاقتصادية، لكن ذلك ليس إلا مبرراً استطاعوا من خلاله تمرير أجندات معدة ومرسومة مسبقاً تتضمن مشاريع تمزيق وتخريب اليمن الشعب والإنسان، فتحولت شعارات الدعم والمساندة إلى مشاريع خاصة موزعة الأدوار بين الإمارات والسعودية، من خلال بناء مليشيات خاصة تعمل على تأسيس النفوذ على حساب اليمن ومؤسساته التي تم القضاء عليها، فالرئيس الذي رفع التحالف شعار عودته إلى صنعاء، مُنع من العودة إلى اليمن وظل مغترباً حتى وفاته.
والسؤال الملح كيف تحول التحالف السعودي والإماراتي من التعاون والتماهي في الأجندات إلى العداء الحاد والعلني؟ إن النظر إلى طبيعة التحالف بين القوتين الخليجيتين لم يرتقِ إلى مرحلة التحالف الوثيق، وإن تم تصويره كذلك، لوجود حالة من عدم الثقة بين الدولتين مشفوعة بحسابات تاريخية سابقة بينهما، تم كتمانها حتى حين، لكن الشيء المؤكد أن عملية التعاون والتحالف التي بلغت حد القول: “السعودي إماراتي، والإماراتي سعودي” ليس إلا نوعاً من المزايدات التي تغطي الوجه الأصلي لكل دولة تجاه الأخرى، والتي تميزت باستغلال السعودية للإمارات، والعكس صحيح في تحقيق رغبات وأجندات كل منهما في المنطقة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر استغل ولي عهد السعودية “محمد بن سلمان” إمكانيات الإمارات الكبيرة المرتبطة بعلاقات وثيقة مع إسرائيل لتسويق نفسه حاكماً للسعودية، في الولايات المتحدة الأمريكية، والضغط من أجل القبول به، ومساعدته في الوصول إلى هدفه السياسي فتم تسويقه من قبل الإمارات التي ادعى رئيسها “محمد بن زايد” قدرته الكبيرة في التأثير على ولي العهد السعودي.
كان كل منهما يستخدم الآخر لصالح مشروعه الخاص فالإمارات استخدمت قيادة السعودية الجديدة في تمرير مشاريعها وأجنداتها السياسية في الإقليم، بالتعاون مع حليفها الاستراتيجي إسرائيل من أجل إحكام قبضتها على الإقليم، من باب قيادتها وهذا لم يكن إلا وهماً زرعه الصهاينة في عقل ريعي يمتلك المال بصورة كبيرة ويحلم بالقيادة وهي خدعة سياسية انطلت على “نحن جلدنا سميك ولحمنا مر” في المقابل استغل ولي العهد السعودي، قيادة الإمارات لتنفيذ سياسته على المستوى الداخلي السعودي، والعمل على السيطرة التامة على مقاليد الحكم، مستغلاً الموقف الإماراتي الداعم له على مستوى أجندات القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، ونجح في تحقيق ذلك إلى حد كبير، إلى جانب ذلك كان ولي العهد السعودي يدرك الأهداف الكامنة وراء الدعم الإماراتي المقدم له ويعرف حجم الاختراق الأمني الإماراتي للمؤسسات السعودية، لكنه تظاهر بالغباء لاستدراج الأغبياء إلى فخ المصيدة الذي يرسمه لهم بإحكام.
بدأت فصول الخلاف بعد زيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما بعد تصريح الرئيس الأمريكي بوجود طلب سعودي للجانب الأمريكي بفرض عقوبات على الداعمين لقوات “الدعم السريع” في السودان، حينها جن جنون القيادة الإماراتية، فبدأت تظهر قوتها من خلال تحريك أجنداتها السياسية التي تُظهر تحجيم المملكة العربية السعودية، والإيعاز للتحرك الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال، وزيادة وتيرة الدعم للمتمردين في السودان، وتوجيه المجلس الانتقالي لقواته بالتوجه نحو السيطرة على حضرموت والمهرة وطرد القوات الحكومية الموالية للسعودية، وبدأت الأمور تسير نحو إحكام قبضة الإمارات في المنطقة، لكن الجواب السعودي كان حاسماً بالطلب من الحكومة الشرعية بإعلان إخراج الإمارات من اليمن خلال ٢٤ ساعة، ثم ضرب الدعم العسكري الإماراتي في ميناء المكلا، وانتهاءً بضرب قوات المجلس الانتقالي في حضرموت بعد ضرب ٨٠% من قواته وإعادته إلى عدن، ثم إعلان حل المجلس الانتقالي التابع للإمارات في جنوب اليمن وإنهاء مشروعه الانفصالي من جذوره، تبع ذلك تدخل سعودي قوي لصالح قوات الجيش السوداني قاد إلى تحجيم قوات “الدعم السريع” وجاء الرد الإماراتي بإعلان الخروج من المنظمة الدولية المصدرة للنفط “أوبك” التي تهيمن عليها المملكة العربية السعودية، وبدأت الأمور تتجه نحو حرب أسعار نفطية جديدة كرد فعل سعودي على طيش الإمارات، تلا ذلك منع الحوالات النقدية من البنوك السعودية إلى البنوك الإماراتية، وفي ظل التوتر فإن الأمور مرشحة لزيادة الصراع الذي لا يمكن التنبؤ بمالاته.

- بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:الحسين بين رمزية التاريخ وإشكالية توظيف السياسة





