التطرف ينخر سور مجتمعنا المنيع

التطرف ينخر سور مجتمعنا المنيع
حسن الدولة
الأحد 19 أبريل 2026-
ليس للتطرف جذرٌ واحد يمكن اقتلاعه فنرتاح، ولا ظرفٌ عابر يمكن تجاوزه فنأمن؛ بل هو حصيلة تراكُمات معقدة، تشكّلت في عمق الواقع، حتى غدا نتيجة شبه حتمية لمسار مختل، لو لم يُفضِ إلى التطرف لكان ذلك هو الاستثناء.
والمتأمل اليوم في المشهد اليمني، عبر وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي وخطابات بعض المنابر، يقف أمام حقيقة قاسية: انزلاق متسارع نحو خطاب إقصائي يفتت المجتمع من داخله.
لم يعد الخلاف اختلافًا، بل صار فرزًا حادًا، يُعاد فيه إنتاج الهويات الضيقة، ويُستدعى الماضي بكل صراعاته ليُفرض على الحاضر فرضًا.
لقد تحوّل الدين، في بعض الخطابات، من رسالة جامعة إلى أداة اصطفاف، ومن منظومة قيم تُهذّب الإنسان إلى سلاح يُشهر في وجهه. يُنبش التراث بلا تمحيص، وتُستحضر نصوص من سياقاتها، وتُقدَّم على أنها حقائق مطلقة، بينما هي في حقيقتها اجتهادات بشرية وُلدت لزمان غير زماننا.
وهكذا يُدفع الشباب دفعًا نحو تبني رؤى متصلبة، ترى في الاختلاف تهديدًا، وفي التنوع خطرًا.
ولم يعد التطرف فكرة تُتداول في الهامش، بل صار سلوكًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل الحياة: في قاعة الدراسة حين يُصنَّف الناس قبل أن يُعرَفوا، وفي المنابر حين يُستبدل الوعظ بالتحريض، وفي الفضاء الرقمي حين تتحول الكلمة إلى رصاصة، تُطلق بلا مسؤولية، فتصيب النسيج الاجتماعي في مقتل.
الأخطر من ذلك، أن صراعات دفنها التاريخ تُبعث اليوم من جديد، لا لقراءتها أو فهمها، بل لاستدعائها وقودًا لمعركة الحاضر. تُستعاد مفردات التكفير والتفسيق، ويُعاد رسم خطوط الانقسام بين “نحن” و“هم”، حتى صار بعضهم لا يرى في الآخر إلا خصمًا ينبغي إقصاؤه، أو خطرًا يجب استئصاله.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، يجد كثير من الشباب أنفسهم فريسة سهلة لخطاب متطرف يُغذّي فيهم شعور المظلومية، ويزرع وهم الاصطفاء، ويقدّم لهم العنف بوصفه طريقًا للخلاص.
وما كان لهؤلاء أن ينزلقوا لولا فراغ فكري، وضعف في المناهج، وغياب خطاب ديني معاصر قادر على مخاطبة العقل قبل العاطفة.
أما الفضاء الرقمي، فقد تحوّل إلى مسرح مفتوح للفوضى الفكرية، حيث تُبث الكراهية بلا قيود، وتُروّج مقاطع مجتزأة وأفكار مبتورة، تُشعل الغضب وتعمّق الانقسام، في ظل غياب وعي نقدي يحصّن المتلقي من الانجرار وراء هذا السيل الجارف.
إن التطرف، بهذا المعنى، لم يعد ظاهرة عابرة، بل بات بنية ذهنية تتغلغل في المجتمع، تُهدد تماسكه، وتُقوّض مستقبله. ومواجهته لا تكون بالشعارات، ولا بالاكتفاء بالإدانة، بل بإصلاح جذري يبدأ من التعليم، ويمر عبر تجديد الخطاب الديني، وينتهي ببناء ثقافة تقبل الاختلاف وتؤمن بأن التنوع مصدر قوة لا سبب صراع.
فإما أن نستعيد وعينا الجمعي، ونحصّن مجتمعنا بقيم التسامح والعقلانية، أو نترك للتطرف أن يواصل نخره الصامت، حتى لا يبقى من السور المنيع سوى أطلال.
اقرأ أيضا للكاتب:المتطرفون ضحايا ثقافة لا فطرة



