إبراهيم بن على الوزيراخبار محليةكتابات فكرية

لماذا عرضت على إبراهيم بن علي الوزير رئاسة الجمهورية وما سبب رفضه لها

لماذا عرضت على إبراهيم بن علي الوزير رئاسة الجمهورية وما سبب رفضه لها

*عبدالرحمن مطهر

الأربعاء13مارس2024 _

تحل علينا هذه الأيام الذكرى العاشرة لرحيل المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير، وهي مناسبة هامة نستذكر فيها بعضا من محطاته ومواقفه وأفكاره التي سبقت عصره.

من هذه الأفكار والمبادئ  “الشورى في الأمر _ العدل في المال _ الخير في الأرض” وهي الأفكار والمبادئ التي أسس بها فقيد الأمة حزب اتحاد القوى الشعبية اليمنية.

لذلك لا شك  أن رحيله مثل خسارة كبيرة ليس لليمن فحسب ، بل للعالمين العربي والإسلامي، وذلك لأفكاره ومبادئه التقدمية ،والتي كان يطرحها في مختلف المحافل الدولية بكل قوة وشجاعة وثبات ، مما جعله محط إعجاب الكثير من الأدباء والمفكرين والسياسيين في عصره ، والجميع اقر بعلم وعظمة الأستاذ والمفكر الكبير إبراهيم بن علي الوزير كأحد ابرز مفكري العالم العربي والإسلامي ، لذلك لا يمكن أن يحسب على جماعة أو أمة لأن فكره، صالح للاسترشاد به في كل مكان وزمان كما نظر إليه الأستاذ صبحي غندور، وأعتبر أفكاره “قصيدة عربية لو كان للكعبة اليوم معلقات لأخذت مكانها في الصدارة منها” كما يقول المفكر الكبير خالد محمد خالد، وهو واحد من أولي العزم من الرجال كما وصفه صديقه الأستاذ محمد الفسيل، وتحدث عنه الكثير وعن صفاته وأفكاره التي لا نستطيع حصرها في هذه العجالة.

 وبالنسبة لبلاده اليمن الذي أحبها أكثر من روحه وضحى من أجلها بعمره كله ، لم تخسره يوم إعلان  وفاته وهو في منفاه بلندن، بل خسرته منذ سنوات طويلة. منذ قرّرت فيه السلطة المستبِّدة عدم الإنصات له ولافكاره التي كان يطرحها بكل شجاعة ، حبا في بلاده وشعبه وليس لمصلحته الشخصية أو بحثا عن سلطة أ ما شابه، بل حاربته هو وشقيقيه القاسم وزيد بتهم كيدية ، خوفا من أفكاره التنويرية ، وكما حاربت السلطات المتعاقبة حزبه اتحاد القوى الشعبية اليمنية الذي تأسس على هذه المبادئ والأفكار التقدمية والمنصفة والعادلة.

 ومن هذه الأفكار للمفكر الكبير إبراهيم بن علي الوزير  انحيازه الشديد لحرّية الإنسان في العيش والاعتقاد والتعبير، وكان دائما ما يردد “بأن على الإنسان أن يحترم حقوق وحرية وكرامة أخيه الإنسان وتقع على عاتقه مواجهة العالين في الأرض”.

والعالين في الأرض هم الجبابرة المستبدين المستأثرين بالمال والسلطة في كل زمان ومكان ، وبسبب مثل هذه الأفكار أدعت السلطة أنّه يسعى إلى عودة نظام الإمامة في اليمن، فيما كان هو يواصل النقد، كما شقيقه المفكّر زيد بن علي الوزير، لأنظمة الحكم الاستبدادية في كل أشكالها وتسمياتها، بما فيها الإمامة الوراثية المحتكرة للحكم. في المقابل بقيت السلطة وخلال العقود الماضية تقرِّب الجماعات والأحزاب المتطرِّفة إليها وترعاها وتدعم مؤسساتها التعليمية والاجتماعية بطرق متعدّدة، ممّا أدى إلى هذا الانتشار الواسع للتطرف الديني في المجتمع اليمني.

 يقول عنه شقيقه الأديب الكبير القاسم بن علي الوزير في أمسية خاصة أقامها مركز الحوار العربي بواشنطن يوم  13-8-2014  في كلمة ألقاها عن ابرز محطات شقيقه الراحل المفكر الإسلامي إبراهيم بن علي الوزير ..

كما تغرب الشموس يغيبون *** فليلُ من بعدهم دنيانا

 في هذه المرحلة البالغة البؤس من التاريخ التي تتناوش الأمة فيها أنياب الذئاب من كل جانب ، وتتداعی عليها الوحوش الضواري من كل صوب ، وتتنادی عليها قوی الهدم والتدمير والهيمنة من خارجها ومن داخلها علی السواء ، فإن فقدان شخص فارع القامة شامخ الرأس بين كل الواقفين في وجه الظلم بكل أنواعه ، المتصدين للطغيان بكل أشكاله ، المدافعين عن حقوق الإنسان و كرامته حيثما كان .. وفي كل مكان أقول : إن افتقاد شخصية بهذا الوزن مصيبة مضاعفة ورزوٌ متعدد الوجوه والألوان والأبعاد في زمن افتقدنا فيه البطولة المثالية التي تحلی بها والأخلاقية المهيمنة علی كل مسلك من مسالك العمل وكل ضرب من ضروب السلوك الذي التزمه دون ضعف أو تردد أو استسلام لكل أنواع الإغراء والترغيب . أو التهديد والترهيب .. التي مورست عليه بما يتصوره المرء وما لا يتصوره من أفانين الوعد والوعيد.

رفضه لرئاسة الجمهورية

وإني لأشهد – على سبيل المثال لا الحصر – أنه عرض عليه يوما – بحضوري – رئاسة الجمهورية مقابل السير مع الاتجاه السائد : فما كان جوابه إلا أن قال في غضب أيقال هذا لمن نذر جهاده وشبابه لحق الشعب في اختيار حكامه وانتخابهم؟ ثم من خولكم حق التعيين ؟ ومضی يلقي درساً قوياً في الالتزام بالمبادئ وأخلاقياتها والانتماء إليها في جميع الوسائل المؤدية إليها.

كذلك يعرف الجميع انه رفض عضوية المجلس الجمهوري وهو أعلى سلطة في الدولة حين ذاك وذلك عام المصالحة الوطنية التي كان من أهم العاملين لها . وذلك للأسباب المبدئية التي شرحها في بيان نشرته الصحف اللبنانية حينئذ دون مبالاة باستياء من استاء لذلك.

ويضيف الأستاذ والأديب الكبير القاسم بن علي الوزير قائلا :إن هذه مجرد أمثلة نضربها للدلالة على مدى الارتفاع بمواقفه إلی مستوى مبادئه التي لم ينحرف عنها.. 

 أما عن التهديد والوعيد ، فحدث ولا حرج . لقد تعددت أساليبه وتنوعت سبله من تشريد ، وحرمان ودعاية حتى بلغ محاولات الاغتيال أكثر من مرة كان أخرها هنا في الولايات المتحدة الامريكية التي غطتها وسائل الإعلام المختلفة فما زحزحته ” قيد” أنملة عن مبادئه وما يؤمن به ويعمل من أجله..  

الشورى في الأمر والعدل في المال والخير في الأرض

    وتابع الأستاذ القاسم بن علي الوزير في الأمسية الخاصة أقامها مركز الحوار العربي بواشنطن قائلا: لقد ظل هو نفسه ، في كل الأحوال، ثابتا على مبادئه لا يتغير عاملاً من أجلها لا يتوقف مترفعا يجزی عن الإساءة الإحسان ، لم يضعف يوماً ولم يهن . ولم يساوم مرة ولم يفرط ، ولم يتخل قط عن مبدأ أو تأخر عن واجب أو أحجم عن تضحية لقد مضی أبدا علی طريق الولاء الحميم لمبادئه والجهاد المستمر من أجل انتصارها تحقيقا لكرامة الإنسان وحقوقه غير ناظر إلی مصلحة، إلا مصلحة الأمة ولا متحيز لجهة إلا جهة الشعب ولا طالب لمكسب إلا حرية الإنسان – كل إنسان – وكرامته وحقوقه التي لا تتحقق إلا بالشورى في الأمر والعدل في المال والخير في الأرض!   

  ولقد بهرت تلك الصفات ، وتلك المواقف الكثير من أعلام عصره من مختلف الاتجاهات من مفكرين وكتاب وصحفيين وأدباء ، فقالوا عنه وفيه الكثير الطيب من القول ، والمجرد الصادق من الشهادة على فكر منير وعلم جم وعمل مستقيم وصفات أخلاقية نادرة المثال وجهاد لم يتوقف من أجل الحق والحرية والعدل والمساواة والخير ، وقد تضمن الكثير منها كتاب ” محاولة اغتيال” الموجود في المكتبات . ونكتفي منها في هذه العجالة بما قاله عنه المفكر الراحل خالد محمد خالد فيما قال :”أحفظوا هذا الاسم جيدا ؛ فهو قصيدة عربية لو كان للكعبة اليوم معلقات لأخذت مكانها في الصدارة منها “…” لقد كرس حياته للدعوة إلى عز الإسلام ، ومجد العروبة ، وجلال الحرية وحقوق الإنسان “.تلك كانت – علی الإجمال – أبرز صفاته وأبهى تجليات سجاياه علی تقلب الظروف وتغير الأحوال وتغير مواقف الكثيرين مع تلك الظروف والأحوال. .ولئن الحديث المقترح هو عن محطات فكرية من فكره ؛ فإني هنا أتجاوز ما تعيا عن أدائه كل لغات الأرض من أثر الفجيعة فيه علی المستوی الشخصي حتى ترقأ الدمعة وتخف اللوعة وتتعايش الأحزان اللافحة مع الزمن .. وما احسب الدمع أن يرقأ ولا الشعور بالفجيعة بكل أحزانها الهائلة أن يتصالح فيها الصبر مع الزمن .. وإنما هو التسليم بقضاء الله ومشيئته.

أسباب نضجه الفكري والسياسي المبكر

وهناك الكثير من يتساءل كيف وصل الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير إلى كل هذا النضج الثقافي  والفكري والسياسي منذ وقت مبكر من عمره، حول هذا التألق الفكري والسياسي  يتحدث الدكتور المرحوم أحمد صالح النهمي أمين عام حزب اتحاد القوى الشعبية اليمنية السابق ، في ورقة عمل قدمها في أمسية رمضانية بمناسبة الذكرى الرابعة لوفاة فقيد الأمة المفكر الكبير إبراهيم بن علي الوزير  قائلا: بأن الإجابة الوافية على هذا السؤال تقتضي البسط في الطرح والتوسع في التناول والعرض والاستشهاد مما لا يسمح به المقام،مكتفيا بالإشارة إلى بعض الملامح التي استنتجتها القراءة المستوعبة للموروث الفكري للأستاذ إبراهيم بن علي الوزير، وما يمتاز به من خصائص قلما نجد من يشاركه فيها من المفكرين، وهي على النحو الآتي:

أولاً: إن إبراهيم الوزير شخصية فكرية وسياسية، لم تتخلق في مدارج العلم والثقافة وسلالم الفكر والمعرفة فحسب، بل تخلقت من رحم المآسي العظيمة، والنكبات الأليمة، فقد أمدته مكتبة والده الأمير علي الوزير بزاد معرفي وفكري متنوع، فجمع في ثقافته بين القديم الذي أطل من خلاله على الفكر الثوري في الإسلام ممثلا في ثورات آل البيت، وبين الثقافة الحديثة التي عرف من خلالها جهود مفكري النهضة الإسلامية الإصلاحية التي قام بها موقظ الشرق “جمال الدين الأفغاني” وتلميذه “محمد عبده”، فطالع مؤلفات زعماء الإصلاح من مثل الإمام “محمد عبده” و “عبد الرحمن الكواكبي” و “محمد فريد وجدي” و “رشيد رضا” و”طنطاوي جوهري” وغيرهم. وتأثر بوجه خاص بكتاب مصارع الاستبداد. وإلى جانب الثقافة الإسلامية القديمة والحديثة تأثر بالقصص عن “الثورة الفرنسية” بوجه الخصوص، وعن ما كتب عنها وهي تتحدث عن ثورتها الكبرى، ودعوتها إلى الحرية والمساواة والعدل، فكان يتفاعل مع الثوار وهم يدكون أسوار “الباستيل” الرهيب، ويعجب بشجاعتهم وهم معلقون على أعواد المشانق، وكان لقصص “إسكندر دوماس الكبير” وغيره أثر واضح.

وكما تنوعت روافده الفكرية فقد تنوعت المآسي الأليمة والنكبات العظيمة التي شهد وقائعها وعانى ويلاتها وذاق مرارتها، على يد الطغيان في مقتبل شبابه، فقد شهد بعد فشل الثورة الدستورية 1948م، مصارع الأهل (الأب، الأخوة، الأعمام، الأخوال ورفاقهم..) بسيف الطغيان، وواجه بعد حياة العز والإمارة والعيش الكريم حياة التشرد والحصار، والسجن والشتات والاغتراب بعزيمة لا يمتلكها إلا أولوا العزم من الرجال المؤيدين بمدد من الله تعالى ومن إيمانهم بعدالة القضية التي يحملونها وعظمة الغاية التي يسعون إلى تحقيقها، فشكلت هذه النكبات التي عرفها وذاق مرارتها ظلما وتنكيلا وسجنا وحصارا واغترابا وشتاتا مددا اكتسب منها تألقه الفكري، ووقودا أسهمت في ثبات مواقفه السياسية التي ظلت تقارع طغيان الظلم وتقاوم جبروت الاستبداد منذ أنشأ عصبة الحق والعدالة أول تنظيم سياسي بعد سقوط الثورة الدستورية حتى أصبح أهم زعيم سياسي يمني معارض تخشاه الأنظمة المتعاقبة وإلى أن لقي ربه .فجمعت شخصيته بذلك بين المعرفة النظرية للطغيان ومظاهر الظلم والاستبداد والثورة والإصلاح وبين المعرفة التطبيقية العملية لهذه المظاهر.

ثانياً: يجمع إبراهيم بن علي الوزير في مشروعه الفكري الحضاري بين الأصالة والمعاصرة، والقديم والجديد، دون أن يقع في مهاوي الاستلاب للتراث أو مزالق الاغتراب في ثقافة الآخر الغربي، فهو ينطلق في كتاباته من خبرة واسعة في استقراء نصوص القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية، وفقه أبعادها المختلفة، وأسرارها المكتنزة، واستثمارها في معالجة كثير من مشكلات الأمة والإنسانية في العصر الحاضر، وهو يستحضر تجربة الحكم في التاريخ الإسلامي بجانبيه الشوروي العادل الملتزم بتوجيهات الوحي، والاستبدادي الجائر المنحرف عن منهج الله مستلهما منهما الدروس والتجارب، وهو في الوقت نفسه ينطلق من معرفة كبيرة بثقافة العصر وتجارب الأمم، وأسرار نهضتها، وإيجابياتها وسلبياتها، فأفاد من استقراء ثقافة الموروث، كما أفاد من استقراء ثقافة الحداثة الغربية في طروحاته الفكرية، وحذر من دعاة العودة إلى الماضي، المتشبثين بقشوره من دون تمحيص ولا نقد, كما حذر في الوقت نفسه من دعاة التغريب والتحديث الزائف الذين اكتفوا من الحضارة الغربية بمظاهرها دون الغوص في الأسس والجواهر، وهو ما أدى إلى التلفيق والفوضى، والبعد عن نقطة الارتكاز الأساس لواقع الأمة مما عرقل السير في طريق النهوض.

يقول إبراهيم الوزير “الواقع إننا فريقان: فريق مريض بالشكل والقشور جعلوا دينهم مثل أصحاب البقرة من بني إسرائيل، وفريق مريض بمظاهر التحديث وطقوسه وليس بالأسس والجواهر، هذا الفريق لم يعتبر بتجربة اليابان أو كوريا، بل اكتفى بنقل ملابس الغرب وهندسته العمرانية”.

ثالثاً: إن الممارسة السياسية عند إبراهيم الوزير انسجمت عمليا مع تنظيره الفكري، فجاءت مواقفه وأفعاله العملية متطابقة مع أفكاره وأقواله النظرية، وهذه من الخصوصيات التي لا يكاد يحققها في حياته إلا الذين صبروا ولا يصل إليها إلا ذو حظ عظيم، فكم رأينا من العلماء والمفكرين والمثقفين الذين تساقطوا أمام مغريات المناصب، وأصبحوا خدما للمستبدين يبررون أخطاءهم ويوارون سوءاتهم.

إننا أمام مفكر من طراز فريد، نظر للشورى والعدل والحرية، ثم طبق تنظيره على الصعيد العملي التطبيقي، فرفض المناصب المغرية التي عرضت عليه (بالتعيين) بما في ذلك منصب رئاسة الجمهورية، لأنها بالتعيين وليس بمبدأ الشورى، كما رفض أنصاف الحلول المتمثلة في استبدال النظام الفردي الأمامي بأنظمة فردية ذات طلاء جمهوري، وظل حتى آخر حياته مقاوما لانحراف هذه الأنظمة، كاشفا عوراتها، محذرا من خطورة انحرافها على كيان الإنسان والمجتمع في كتبه ومؤلفاته ومحاضراته داعيا إلى إقامة دولة الشورى في الأمر التي تقف في وجه الاستبداد والطغيان وتحول دون المنهج الفرعوني “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.

رابعاً: تمتاز أطروحات إبراهيم الوزير بالتحرر من كل أشكال التعصب الديني المذهبي والتحيز الجغرافي والقومي، فهو ينطلق في أفكاره من رحاب الإسلام وفضاءاته الإنسانية، ملتزما بتوظيف الإجراءات المنهجية في البحث، والدقة الموضوعية في العرض، والبعد عن هوى الأحكام المسبقة في التحليل والاستنتاج، فينتصر للحقيقة التي تدعمها البراهين وتؤكدها الأدلة، ويراها أحق بالإتباع من سواها، فالحق أحق أن يتبع، يقول الدكتور عبد العزيز المقالح عن المنهجية الموضوعية في طروحات الأستاذ إبراهيم الوزير “أعترف أنني توقفت بإعجاب تجاه هذا الجهد الفكري المنهجي الملتزم، وأدركت أثناء متابعتي أنني حقاً إزاء مفكر من الوزن الرفيع، وأنه أبعد ما يكون عن التعصب والميل مع الهوى. وقد نجح في تحليلاته ومناقشة القضايا المحلية والعربية والإسلامية والإنسانية باقتدار وتمكُن”

خامساً: تميزت طروحات إبراهيم الوزير باستقراء السنن الكونية في قراءة مقومات النهضة الحضارية وأسباب انهيارها في البحث عن مخرج للإصلاح والتغيير لواقعنا الحضاري، وذلك لإخراجه من وطأة الهزيمة الحضارية التي مُني بها المسلم المعاصر، فالنهضة الحضارية لا تختص بها أمة أو شعب أو عرق أو مذهب، بل يحكمها قانون الصلاحية العامة المبنية على العطاء والنفع والصلاح والعدل فإذا توفرت لشعب أو أمة توفرت لها أسباب الريادة والقيادة في العالم وإذا كانت هذه الأمة عالة على الأمم الأخرى تستهلك ولا تنتج، وتهلك ولا تعطي، وتتولى عن بذل النفس والمال والعقل فعندها يطردها قانون الصلاحية العامة إلى الصفوف الخلفية، يقول إبراهيم الوزير:

“إن الحضارة كانت وما زالت عطاء لا يحتكره شعب أو عرق أو مذهب، أو أمة، فالسنن صارمة غلابة، وحكمة الله من استخلاف الإنسان في الأرض لم تخصص ولم تبعض ولم تجزئ، بل كانت عامة شاملة مطلقة على مدى الزمان والمكان، فالناس جميعا عبيده وعياله”وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله” كما يقول الرحمة المهداة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وسنته فيهم “ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا” النساء:123.

كل الأمر إذن وقف على هذا النفع والعطاء بكل أنواعه”وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله”، على أساسه يداول الله الأمر بين الناس “أن الأرض يرثها عبادي الصالحون” الأنبياء:105

وهو يقرر بذلك أن الأمة العربية استبانت طريق النهضة الحضارية منذ أن أخرجهم رسول الله “الرحمة المهداة” من الظلمات إلى النور، وحققت نصيبا من هذه النهضة خلال فترة الراشدين، لكنها سرعان ما فرطت بقيم الإسلام وتعاليمه وانحرفت عن قانون الصلاحية العامة، فكان الانحراف عن الشورى إخلالا بالعدل السياسي، ومدخلا للانحرافات الأخرى التي شملت الحياة وألقت بظلالها على الفرد والمجتمع يقول إبراهيم الوزير “وللأسف فقد كان هذا الإخلال بالعدل السياسي مبكرا في تاريخنا وحياة أمتنا، حين تحولنا من الشورى إلى الوراثة (طاغوت الفرد) منهج الكسروية والقيصرية، منهج فرعون “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” ثم ألبسناها كفرا ونفاقا وخداعا صورة تتفق مع الرضا والاختيار والبيعة، والله لا يخدع “يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون” البقرة:9.وعندما دب الخلل في العدل السياسي، والعدل الاجتماعي وتتابعت الاختلالات، كان لا بد لسنن الله من أن تعمل غير آبهة بنفاق المنافقين وخداع المخادعين، وكان لا بد للأمم التي أخذت في العطاء أن يشملها قانون الصلاحية العامة وأن يتقدم بها علينا ويدفعنا إلى الصفوف الخلفية، تلك هي سنة الله “فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا”فاطر”43

سادساً: النظرة الشاملة في تشخيص مقومات النهضة الحضارية:

يقرر إبراهيم الوزير أن حسم هذه المشاكل ووضع الحلول لها يقتضي الدراسة العميقة والفهم المتفتح للدروس النبوية التي بنت هذه الأمة وأحيتها”لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وهو يحدد مقومات النهضة الحضارية على النحو الآتي:

أولاً: بناء الإنسان والاهتمام بتوعيته التوعية الشاملة:

يشكل بناء الإنسان المحور الأساسي في مقومات النهضة الحضارية عند إبراهيم الوزير، فهو ” الأساس الصلب لوحدة الجماعة.

ثانياً: تفعيل المنهج الواضح (القرآن الكريم):

إن عملية تربية الفرد وبنائه لا بد أن تقوم على منهج واضح ومحدد، وهذا المنهج بالنسبة لأمة الإسلام هو القرآن الكريم الذي يشكل عند الوزير أهم مقومات البناء الحضاري للمجتمع الإسلامي وللبشرية كلها.

 وبهذه النظرة الشاملة تستطيع الأمة أن تستأنف مسيرتها، انطلاقا من هذا البناء الفردي والجماعي والمؤسساتي على هدى البناء الأول الذي شيده رسول الله، وأمام كل هذا لا بد من التأكيد على الآتي:

إن المجتمع يجب أن يدار عن طريق الشورى اختيارا لحاكميه ومراقبة عليهم. فالعدل السياسي يعني تجسيد مبدأ الشورى في الأمر، فقد جعل الله مسألة التشاور من صفات المؤمنين الأساسية التي تلي الإيمان والاستجابة لله سبحانه وتعالى وقرنها بالصلاة فقال سبحانه وتعالى”والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم” الشورى:38

ويؤكد الوزير أن الإمام عليا بن أبي طالب يمثل أعلى مرحلة من مراحل الشورى، بقوله: ليس لي أمر دونكم، بينما حكي عن معاوية ترداد قول أنو شروان”إن كل ما أمكن الملك أن ينفرد به دون خاصته وعامته فمن أخلاقه ألا يشارك فيه أحدا”

وإنه لا بد من قواعد للتصرف في المال بما يكفل الكرامة الإنسانية وما يسميه بحقوقه السبعة، حق الإنسان في “بيت يؤويه، وطعام يكفيه، وعلم ينتفع به، وعلاج إذا مرض، وزواج تقام به أسره، والحق في العمل الكريم، ووسيلة نقل”

المراجع

ورقة الدكتور احمد النهمي في الذكرى الرابعة للفقيد

كلمة الأستاذ القاسم في مركز الحوار العربي بواشنطن

اقرأ أيضا:قاسم بن علي الوزير يكتب عن بعض محطات شقيقه المفكر الإسلامي إبراهيم الوزير”الشورى في الأمر العدل في المال الخير في الأرض”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى