كتابات فكرية

وداعا حاتم أبو حاتم

وداعا حاتم أبو حاتم

السبت 16 مايو 2026-  

 بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾

وقال عز من قائل: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾   صدق الله العظيم

تلقيت يومنا هذا نبأ وفاة المناضل اللواء حاتم علي هادي أبو حاتم الذي وافته المنية عن عمر الثامنة والسبعين عامًا قضى معظمه في خدمة الوطن…

لقد نحر الحزن كلماتي، وجمدها في حنجرتي، وأفقدني ملكة الكتابة وأعجزني عن صياغة هذه المرثاة، فقلمي تجمد عن شجي نواحه، وجفني نضب عن مدرار دموعه، وكلماتي كُفِّنت في كلمة تنوح، وحرف يحترق، وتعبير يبكي، وبيان يشهق، وألفاظ تهطل شجىً وحزنًا. صمت الحرف وانتحر، غاض الدمع واختنق، مات الكلام واحترق…

وما الموت إلا سارق دق شخصه

يصول بلا كف ويسعى بلا رجل

تعرفت إلى الفقيد عن قرب في منتدى الأربعاء في منزل الأستاذ عبدالحميد الحدي قبيل تحقق وحدة الـ22 من مايو 1990م المباركة بسنتين تقريبًا، تلك الوحدة التي ستحل ذكراها السادسة والثلاثون الأسبوع القادم، وتعمقت صداقتنا أكثر فأكثر في منتدى صديقنا المشترك المناضل المستشار عبدالمجيد ياسين حيث نلتقي كل يوم جمعة حتى قبيل مرضه الأخير.

ولقد شرفني الفقيد بالاطلاع على مسودة مذكراته، وهي عبارة عن مقابلات صحفية أجرتها منصة خيوط مع المناضل اللواء حاتم أبو حاتم، حلقةً حلقة، وكنت أقرأها بشغف متزايد. لم أكن أعرف الكثير عن مراحل النضال التي خاضها، فوجدت من خلال تلك الحلقات التي سلمني الفقيد مسودتها، أن تلك المراحل تكاد تغطي كل سنوات حياته منذ ريعان شبابه حين شارك المناضل السبتمبري عبدالكريم عباس المنصور – الذي تولى فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962م – إخضاع لواء صعدة بعد الثورة مباشرة، إذ كان الفقيد من أوائل الشباب الذين انخرطوا في الحرس الوطني، وكان من أولئك الرجال الذين دافعوا عن الثورة والجمهورية. ولم أعرف تلك المراحل إلا من خلال حلقات مذكراته المذكورة آنفًا، وذلك لأن الفقيد كان من أولئك الذين يفضلون الصمت على الحديث عن أنفسهم، ويتركون الأفعال تتكلم عنهم.

لم يحدثنا يومًا عن مواقفه النضالية، ولا عن محطات عمره القاسية والمضيئة، حتى قيّض الله منصة خيوط، التي وفقت في صياغة أسئلة عميقة وبسيطة في آنٍ واحد، أسئلة بدت كأنها مفاتيح لذاكرة ظلت مغلقة طويلًا. جاءت إجاباته وكأنها يد فنان ترسم لوحة فسيفسائية؛ كل حلقة كانت تكمل ما قبلها، وكل تفصيل يضع حجرًا جديدًا في تلك اللوحة، دون ادعاء أو تزييف، تاركًا تقييم المواقف والاختيارات للقارئ.

كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أقرأ، خاصة عندما بدأت الأسئلة من أبسط نقطة: تاريخ ومكان الميلاد. كان الجواب أشبه بترجمة متكاملة لشخصية الفقيد، ترجمة كنت في أمس الحاجة إليها. أخذنا السرد إلى النشأة الأولى، إلى حياة الرعي والفلاحة، إلى القرية، وإلى سيرة والده، الذي عرفت لأول مرة أنه كان فارسًا يمتطي الخيل بمهارة، وكان الوحيد في قريته الذي يمتلك بندقية “زكي كرم”. كما أن والده كان من المقربين لسيف الإسلام العباس بن الإمام يحيى، الذي قُتل على يد أخيه الإمام أحمد لمشاركته مع أخيه عبدالله في انقلاب 1955م.

ولقد امتد سرد الفقيد لمحطات حياته ابتداءً من الطفولة ثم التحاقه بمدرسة الإصلاح وسكنه في حارة الجلاء، ثم تتابعت المحطات التي كنت أجهل الكثير من تفاصيلها، حيث واصل الصحفي النبش في ذاكرة الفقيد، نبشًا وطنيًا نزيهًا، حفّز ابنته “حنان” لجمع هذه الحلقات، والحرص على ترتيبها وطباعتها، إيمانًا منها بأهمية توثيق تجربة جيل كامل.

ذلك الجيل الذي شارك في أولى المظاهرات ضد النظام الملكي البائد، وحمل السلاح دفاعًا عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة عام 1962م، والتحق بالحرس الوطني كما أسلفنا، فلم تكن تلك الحلقات مجرد سيرة شخص، بل سيرة أمة في حياة مناضل.

ولم تتوقف مسيرة الفقيد عند حدود الوطن، بل امتدت إلى تحصيل العلم والتفوق؛ حيث درس في الاتحاد السوفيتي وكان من المتفوقين، وكان أول طالب يمني يكتب عن بلده في صحيفة البرافدا، وقد توسعت رؤيته القومية والإنسانية، وكان حاضرًا في القضايا الكبرى لأمته. شارك في حركة 15 أكتوبر 1978م انتقامًا للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، إيمانًا منه بمشروع الدولة الوطنية العادلة.

كما كان له نشاط قومي واسع؛ إذ عمل رئيسًا للجنة اليمنية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، وعضوًا في المؤتمر القومي العربي، وعضوًا في المؤتمر القومي الإسلامي، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر العربي للقوى الشعبية – بغداد، وعضو ملتقى الحوار الثوري الديمقراطي – ليبيا، وعضو اللجنة القومية العربية لمقاومة التطبيع.

وكان من المؤسسين وعضو مجلس أمناء مؤسسة القدس العالمية، وعضوًا في اللجنة اليمنية لمناصرة القضية الفلسطينية، وعضوًا نشطًا في الهيئة الإدارية لمؤسسة القدس. ولم تغب عنه القضايا الإنسانية العالمية، فكان عضوًا في لجنة المناصفة للألبان في البوسنة والهرسك، وعضوًا في الحملة اليمنية لفك الحصار عن العراق، وعضوًا في الحملة اليمنية لفك الحصار عن فلسطين، وعضوًا في لجنة التضامن مع السودان حين قصفت الولايات المتحدة مصنع الأدوية هناك.

ولقد قدم في تلك الحلقات شهادته على العصر بنزاهة وصدق، ووفاءً لجيل آمن بأن النضال مسؤولية، وبأن الوطن أكبر من الأفراد، وبأن القضايا العادلة لا تموت ما دام هناك من يحملها في قلبه، ويدافع عنها بصمت وشرف.

هذه الصفحات هي محاولة لنبش الذاكرة… لا بحثًا عن الماضي فقط، بل حفاظًا على المعنى، وصونًا لسيرة الرجال الذين صنعوا بصدقهم وتضحياتهم صفحات مضيئة في تاريخ اليمن الحديث، وظلوا أوفياء لمبادئهم حتى آخر لحظات أعمارهم. لقد كان الفقيد مثالًا للمناضل الصادق، الذي لم تغره المناصب، ولم تغيّره تقلبات السياسة، بل بقي ثابتًا على مواقفه، منحازًا لوطنه وأمته وقضاياها العادلة.

وبرحيله خسر الوطن واحدًا من رجاله الأوفياء الذين عاشوا للفكرة والمبدأ، وظلوا يحملون همّ الناس والوطن في قلوبهم، مؤمنين بأن الكلمة موقف، وأن النضال شرف ومسؤولية. وسيظل اسم اللواء حاتم أبو حاتم حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، بما اتصف به من تواضع ونبل وصدق وإخلاص.

وإذ أكتب هذه السطور ومقلتاي تترقرقان بالدموع، أتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة لأسرة الفقيد، وأخص زوجته وابنته “حنان” وولديه معمر وعلي وأولادهم، وشقيقه المهندس ناجي علي هادي أبو حاتم، وكافة أسرة الفقيد ومحبيه ورفاق دربه، سائلًا المولى عز وجل أن يعظم أجرهم، ويجبر مصابهم، ويلهم قلوبهم الصبر والسلوان، وأن ينزل على الفقيد شآبيب رحمته، ويكرم نزله، ويوسع مدخله، ويسكنه الفردوس الأعلى جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يجعلنا وأهله وذويه من المبشرين الذين: ﴿إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

رحم الله المناضل اللواء حاتم علي هادي أبو حاتم رحمة واسعة، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وجعل سيرته العطرة وذكراه الطيبة باقية في وجدان الأجيال القادمة.

الأسيف / حسن حمود عبدالله الدولة

اقرأ أيضا:اتحاد القوى الشعبية يعزي في وفاة القيادي الناصري المناضل الشيخ حاتم أبو حاتم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى