اليمن بين معركة السيادة وإسناد غزة

اليمن بين معركة السيادة وإسناد غزة
اليمن بين معركة السيادة وإسناد غزة: قراءة في خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي وتحولات الصراع الإقليمي
بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف
الخميس 16 يوليو 2026-
لم يعد الخطاب السياسي في اليمن منذ اندلاع الحرب يقتصر على معالجة الشأن الداخلي، بل أصبح جزءًا من خطاب إقليمي أوسع يتناول موازين القوى، ومستقبل النظام الإقليمي، وحدود النفوذ الدولي في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، جاءت كلمة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حول آخر التطورات لتقدم رؤية سياسية متكاملة تربط بين الصراع في اليمن، والحرب في غزة، والتنافس الجيوسياسي في المنطقة.
فالخطاب لم يتعامل مع المساندة اليمنية لفلسطين بوصفها موقفًا سياسيًا ظرفيًا، وإنما قدمها باعتبارها امتدادًا لما وصفه بـ”الهوية الإيمانية” و”النهج التحرري”، اللذين يرى أنهما يشكلان الأساس الفكري والسياسي للموقف اليمني تجاه القضية الفلسطينية.
أولاً: من الصراع المحلي إلى الإطار الجيوسياسي
أبرز ما يلفت الانتباه في الخطاب هو انتقاله من معالجة الأزمة اليمنية بوصفها نزاعًا داخليًا إلى تقديمها ضمن إطار صراع إقليمي ودولي أشمل.
فوفق الرؤية التي عرضها السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، فإن الحرب على اليمن، والعدوان الإسرائيلي على غزة، والتوترات مع إيران ولبنان، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في مشروع استراتيجي واحد يستهدف إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن استمرار الهيمنة الغربية والتفوق الإسرائيلي.
وهذه القراءة تتقاطع مع عدد من الدراسات الجيوسياسية التي تشير إلى تصاعد أهمية البحر الأحمر وباب المندب في حسابات الأمن الدولي وسلاسل التجارة العالمية، خاصة بعد الحرب في غزة وتداعياتها على الملاحة الدولية.
ثانياً: اليمن ومفهوم “وحدة الساحات”
ربط الخطاب بصورة واضحة بين الموقف اليمني وبين ما يعرف في الأدبيات السياسية والإعلامية بمحور المقاومة، إذ اعتبر أن دعم غزة ليس سياسة مؤقتة، وإنما التزام “مبدئي وإيماني وإنساني وأخلاقي”.
ومن هذا المنطلق، جرى تقديم العمليات العسكرية اليمنية في البحر الأحمر واستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل باعتبارها جزءًا من معادلة إسناد غزة، وليس مجرد رد فعل مرتبط بالساحة اليمنية وحدها.
وقد أدى هذا التطور إلى انتقال اليمن من كونه ملفًا أمنيًا داخليًا إلى أحد الفاعلين المؤثرين في معادلات الأمن البحري الإقليمي، وهو تحول أقرّت به تقارير ودراسات دولية تناولت تأثير الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر.
ثالثاً: السيادة الوطنية في مواجهة الوصاية الخارجية
أعاد الخطاب التأكيد على مفهوم السيادة بوصفه القضية المركزية في الصراع اليمني، معتبراً أن الحصار، والسيطرة على الموانئ والمطارات، ومنع الاستفادة من الموارد النفطية والغازية، تمثل أشكالًا من تقييد القرار الوطني.
وفي هذا الإطار، قدّم السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي الصراع باعتباره مواجهة بين مشروعين متقابلين:
– مشروع الاستقلال والسيادة الوطنية.
– ومشروع الوصاية والتبعية للقوى الخارجية.
ويعد مفهوم السيادة أحد المفاهيم الأساسية في القانون الدولي، إذ يرتبط بحق الدولة في إدارة مواردها وإقليمها وقراراتها دون تدخل خارجي، مع بقاء تقييم مدى انطباق هذا المفهوم على الوقائع محل نقاش سياسي وقانوني بين الأطراف المختلفة.
رابعاً: الحرب الهجينة وتعدد أدوات الصراع
لم يقتصر الخطاب على البعد العسكري، بل تناول أدوات أخرى للصراع، مثل الحصار الاقتصادي، والحرب الإعلامية، والضغوط السياسية، ومحاولات إثارة الانقسامات الداخلية.
ويتوافق هذا الطرح مع مفهوم الحروب الهجينة (Hybrid Warfare)، الذي يشير إلى استخدام مزيج من الوسائل العسكرية والاقتصادية والإعلامية والسيبرانية والنفسية لتحقيق أهداف استراتيجية دون الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية وحدها.
ومن هذا المنظور، قدم الخطاب المقاطعة الاقتصادية، والتحشيد الشعبي، والتمسك بالهوية الوطنية، بوصفها أدوات مواجهة موازية للأدوات العسكرية.
خامساً: قراءة نقدية للخطاب
من الناحية السياسية، يعكس الخطاب اتجاهاً واضحاً نحو توسيع تعريف الأمن القومي اليمني، بحيث لم يعد مقتصراً على حماية الحدود، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتطورات في فلسطين ولبنان وإيران والبحر الأحمر.
كما أن عدداً من الحقائق التي وردت في الخطاب تجاه دول أو أطراف إقليمية توضح الحقيقة الثابتة لمواقف تلك الدول و الأطراف و تبين السبب الحقيقي الذي يدفعها ل الرضوخ ل السياسات الأمريكية و الغربية و التي لا تصب في مصلحة تلك الدول و الأطراف او المنطقة.
سادساً: اليمن بعد “طوفان الأقصى”
أظهرت تطورات الحرب في غزة أن اليمن أصبح لاعبًا حاضرًا في معادلات الإقليم، سواء من خلال موقفه السياسي أو عملياته العسكرية المعلنة في البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، أدت هذه التطورات إلى تصاعد الاهتمام الدولي باليمن، باعتباره جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية التي تشمل أمن الملاحة والطاقة والتوازنات العسكرية في الشرق الأوسط.
خاتمة
تكشف كلمة السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي عن تطور لافت في الخطاب السياسي اليمني، إذ لم تعد الحرب تُقدَّم باعتبارها نزاعًا داخليًا فحسب، بل باعتبارها جزءًا من صراع إقليمي ودولي حول السيادة، وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لهذا الطرح، فإن الخطاب يمثل محاولة اعادة بناء الرواية السياسية للصراع من منظور يربط بين وحدة اليمن، واستقلال قراره، وإسناد القضية الفلسطينية، في إطار رؤية تعتبر أن هذه الملفات مترابطة وليست منفصلة.
وفي ظل استمرار التحولات في الشرق الأوسط، سيظل اليمن أحد أهم ساحات التفاعل الجيوسياسي، ليس فقط بسبب موقعه الاستراتيجي، وإنما أيضاً بسبب تأثيره المتزايد في معادلات الأمن الإقليمي والبحري.



