اخبار محليةكتابات فكرية

عباس بن علي الوزير … المقاوم السجين ورسالة المواطنة المتساوية

عباس بن علي الوزير … المقاوم السجين ورسالة المواطنة المتساوية

  • بقلم/ زياد صالح النهمي

 الاحد 19 يوليو 2026-

في ميزان التاريخ، لا تصنع السلطةُ الرجالَ، ولا تَهَبُهم الخلود، إنما يصنعهم الموقفُ الجليلُ حين يحتدم الخَطْب، وترسّخهم الأفعالُ والمواقف الصادقة، ثم يُمحّصهم الزمنُ فيثبت الأصيلُ ويتهاوى الزائف، فكم من قاماتٍ ظلمتها المدوّناتُ رغم عظمة مواقفها، وكم من أسماءٍ طواها النسيانُ وهي أولى بالبقاء؛ غير أنّ ذاكرة الشعوب لا تُبايع إلا من أودع في الأرض أثرًا، وغرس في القلوب مكانة.

وعلى هذا المعيار تُقوَّم سيرةُ “المواطن” عباس بن علي الوزير؛ الذي اختار لنفسه هذه الصفة رغم شرف نسبه، ومجد أسرته في العلم والجهاد والنضال، لكنه أبى إلا أن يكون مجدُه ذاتيًّا من موقف أخلاقي راسخ وفكر وطني عميق جعل من الإنسان قضيته الأولى، فلم يلتمس رفعةً من سلطة، ولم يبتع حضورًا بمنصب، بل كان فعله هو الذي حفر اسمَه في سِفر المناضلين اليمنيين.

أفنى عمرَه في سبيل تحقيق العدالة الإنسانية والمواطنة المتساوية، والتحرّر من كل وصاية، والاستقلال الذي لا يُمنَح ولا يُستعار، مضى هادئًا كالساقية، عميقًا كالجذر، بلا ضجيجٍ يُسوّقُ حضورَه، ولا مقابلٍ يُكافئُ بذلَه، فصار فعلُه هو لسانَه، وتضحياته هي مواقفه وصار الناسُ هم شهودَه.

عاش جزء من حياته في جبال بني ضبيان الموحشة بمديرية خولان محافظة صنعاء، وذلك ليهدم جدار الجهل الذي كانت تعيشه القبيلة، وليبني جدار العلم والحرية والمواطنة المتساوية في تلك الجبال الوعرة. 

عاش العباس حياته ناكراً لنفسه مضحيا بروحه في سبيل قضيته العادلة وهي “المواطنة المتساوية” لذلك كان يحب مناداته باسم المواطن عباس بن علي الوزير. 

عاش العباس رغم صغر سنه في زهدِ الكبار وبصيرةِ العارفين من سجنِ القاهرة إلى حقولِ الناس.

رغم كونه أكبر إخوته سنًّا وأرفعهم مقامًا، كان أزهدَهم في بريق الجاه وأبعدَهم عن شهوة المناصب، فجمع في شخصه ما ظاهرُه التناقض: أناقةَ العارفين في المظهر، وخشونةَ المسار في الدرب، والرأفةَ التي تلين للضعفاء، والشدّةَ التي تتصلب في وجه المستعلين.

تشرّب منذ نشأته إصلاحاتِ والده القائمة على إحياء الشورى ونبذ الوراثة، فكانت تلك بذرته الأولى، ثم قيّض له أن يلتقي في دار الصيّاد بشيخي الوطنية الشهيدين أحمد المطاع وعبد الوهاب نعمان، فامتزج في وعيه الخطُّ الديني الإصلاحي بالخط الوطني دون تنافرٍ أو تعارض، واكتمل بهما جناحا رؤيته.

غير أن السّمت وحده لا يصنع القائد، ولا التكوينُ وحده يبلغ الغاية؛ إذ ثمة مقومات أخرى ينبغي توفرها، وهذا ما لا ينقص المُتَحَدَّث عنه؛ إذ كان الصبرُ سجيّةً فيه منذ طفولته، حين أُودع في “سجن القاهرة” في حجّة مع والده وإخوته إثر فشل الثورة الدستورية عام 1948م، كتم ألمَه غلامًا كيلا يكدّر خاطر أهله، ومن رحم تلك المحنة، ومن وهج الحوارات في مجالس الفكر، أدرك الحقيقة المرّة: أن النظريات الكبرى، دينيةً كانت أم وطنية، ظلّت حبيسةَ النخبة تحلّق في الأبراج العالية ولا تلامس وعيَ الجماهير المسحوقة.

لذلك عاف العاصمةَ وبريقَها، ويمّم وجهه شطر القرى النائية والجبال الصمّاء، يخالط البسطاء والرعيان، يصغي إليهم ويحاورهم، قرّر أن ينزل إلى القاعدة الشعبية، لا واعظًا يلقي الخطب من علٍ، بل حارثًا “يستنبت وعيًا ويورقُ فكرًا” في أرضٍ قاحلة، مؤمنًا أن زهدَ الكبار لا يكتمل إلا إذا صار جسرًا تعبر عليه المعرفة إلى قلوب الناس.

وكان هذا هو مفترقَ الطريق بينه وبين شقيقه إبراهيم: خطّان متلازمان لا متنافران، أولويةُ عباس “وطنٌ يتكيّف مع الإسلام الصحيح”، وأولويةُ إبراهيم “إسلامٌ يكيّف الوطن”، فكان عباس رجلَ دولةٍ مرنًا، يتعامل مع التقلّبات بيدٍ تحسن التوظيف، لا يشترط في حلفائه تطابقَ المعتقد، بل الصدقَ والثباتَ على القضية، أما أخوه إبراهيم، فزعامةٌ شعبيةٌ صلبةٌ تتحرك في إطار المعتقد.

الإيمانُ بالقضية كان عند عباس هو الجامعَ المشترك، يمينًا أو يساراً، شيوعيًّا أو رأسماليًّا، ما دام الوجهُ إلى الشاطئ الموعود واحدًا، والقلبُ على الوطن ثابتًا.

خاتمة: طرازٌ لا يتكرر… وسؤالٌ معلّق

ذلك هو عباس بن علي الوزير: طرازٌ فريدٌ جمع بين صفاء الإصلاح الديني وعمق الرؤية الوطنية، بين رهافة الروح وصلابة الموقف، اعتبر المواطنةَ المتساوية رسالةً تُعاش ومسؤوليةً تُبذل، قبل أن تكون لقبًا أو امتيازًا. فكان مواطنًا بحجم وطن، وزاهدًا بحجم رسالة.

غير أن العبرة لا تقف عند حدود الترحّم على رجلٍ مضى، بل تمتد إلى مساءلة حاضرٍ يئن؛ فما أشبه الليلةَ بالبارحة: لا تزال المواطنةُ المتساوية حلمًا مؤجلًا، تُذبح على مذبح الولاءات الضيّقة وتُختزل في شعاراتٍ جوفاء، ولا تزال النظرياتُ التي آمن بها عباس – إصلاحٌ دينيٌّ ينزع القداسة عن الظلم، ورؤيةٌ وطنيةٌ ترفض الوصاية – حبيسةَ الأبراج العالية، تتعثّر في طريقها إلى وعي البسطاء الذين أرهقهم الانتظار.

لقد مضى عباس بن علي الوزير تاركًا لنا سؤالاً معلّقًا في سماء اليمن: من يجرؤ اليوم أن ينزل من علياء التنظير إلى تراب الحقل، ليستنبت وعيًا ويستورق فكرًا؟ من يملك شجاعةَ “رجل الدولة في ثوب فلاح” فيتوضأ بالصبر، ويحمل الفكرة إلى الناس لا كخطبةٍ من علٍ، بل كسنبلةٍ تُقسم بين الجياع؟

المصدر: تحقيقًا للأمانة العلمية:

اعتُمِد في كتابة هذا المقال على شهادة شقيقه المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ زيد بن علي الوزير، المنشورة تحت عنوان “المقاوم السجين”، ضمن سلسلته “صنع في اليمن”، وقد التزم الكاتب بما ورد في الشهادة من وقائع وصفات ومواقف دون زيادة أو تأويل، نقلًا أمينًا عن مصدره الأول، وفاءً لحق الرجل وتاريخه.

ومن خلال قراءتي لما كتبه الأستاذ زيد حفظه الله تمنيت لو أجد المزيد من القراءات عن هذه الشخصية الاستثنائية التي أنكرت نفسها من أجل قضية وطنية سامية وهي “المواطنة المتساوية”.

  • زياد صالح النهمي – رئيس فرع اتحاد القوى الشعبية اليمنية بجهران

اقرأ أيضا:المواطن ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى