كتابات فكرية

القرشية: أول ثلمة في نظام الشورى وجذر النزعة السلالية

القرشية: أول ثلمة في نظام الشورى وجذر النزعة السلالية

حسن الدولة

الجمعة ذ9 يونيو 2026-

الإهداء إلى:

 الصديق الذي اتشارك وإياه هموم الوطن الأستاذ حسن عبدالقادر بن محمد، ابن الشهيد الذي دفع أبوه ثمن موقفه يوم كانت الحرية جريمة، والكرامة تمردًا، والمواطنة حلمًا مؤجلا.

إلى المربي الذي حمل رسالة الوعي في زمن العصبيات، وظل منحازًا للإنسان حيثما كان، رافضًا كل ادعاءٍ بالاصطفاء، وكل محاولةٍ لإقامة الحواجز بين البشر باسم الدم أو السلالة أو الموروث المقدس.

إلى المثقف العضوي الموسوعي، والمناضل الحر، الذي أدرك أن الاستبداد وإن تعددت أسماؤه، فإن جذره واحد، وأن الخطاب السلالي – عدنانيًا كان أم قحطانيًا – ليس سوى وجهين لمرآة واحدة تعكس وهم التفوق وادعاء الامتياز.

إلى من آمن أن الأوطان لا تُبنى بالأنساب، بل بالكفاءة والعدل، وأن الإنسان لا يسمو بما ورث، بل بما يصنع.

أهدي هذا المقال؛ وفاءً لموقفك، وتقديرًا لمسيرتك، وانحيازًا مشتركًا لقيم الحرية والمساواة، في مواجهة كل مشروعٍ يريد أن يعيد التاريخ إلى سجون النسب، أو يختزل الإنسان في شجرة عائلة.

فلك التقدير، ولروح الشهيد المجد، ولأصحاب الضمائر الحرة سلامٌ لا ينقطع.

————-

حين يهيمن الجهل على العقول، تتحول الأنساب إلى أدوات للتمييز، ويُتوهم أن بعض الناس خُلقوا من جوهر مختلف عن بقية البشر. هذه هي البذرة الأولى لكل عنصرية: أن يعتقد إنسان أو جماعة أنهم مصطفون بذواتهم، لا بأعمالهم.

جاء الإسلام ليهدم هذا التصور من أساسه. فقد نسف القرآن كل امتياز قائم على الدم أو النسب أو القبيلة، وأقام معيارًا وحيدًا للتفاضل:

{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

بهذا المبدأ سقطت امتيازات قريش، وسقطت دعاوى العصبية القبلية، وأصبح بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي في مقام واحد مع سادة قريش وأشرافها. بل إن سلمان الفارسي ارتفع حتى قال فيه الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “سلمان منا أهل البيت”، في دلالة صريحة على أن الانتماء الحقيقي هو انتماء الإيمان والعمل لا الدم والنسب.

لقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يرفض أي محاولة لتقديس ذاته خارج إطار الرسالة. قال الله على لسانه:

{قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي}.

وقال أيضًا:

{وما على الرسول إلا البلاغ}.

وظيفته الدينية كانت البلاغ عن الله، لا تأسيس طبقة مقدسة أو سلالة حاكمة تحتكر الدين والسياسة. لم يكن يميز نفسه في العطاء، ولم يجعل لأهله امتيازًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل عاش كواحد من الناس؛ يأكل ويمشي في الأسواق، حتى إن قريشًا استنكرت ذلك وقالت:

{ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}.

غير أن الإشكال هنا ليس في قريش كقبيلة، ولا في آل البيت كنسب، فهذه أنساب تاريخية لا تضر ولا تنفع بذاتها. الإشكال يبدأ حين تتحول الأنساب إلى مصدر للسلطة السياسية، وإلى أساس للامتياز والاصطفاء، وإلى أداة تمنح جماعة حقًا فوق بقية الأمة. هنا يتحول النسب من رابطة اجتماعية طبيعية إلى أيديولوجيا حكم، ومن انتماء تاريخي إلى مشروع هيمنة سياسية.

من هنا، فإن أخطر انحراف سياسي في التاريخ الإسلامي بدأ حين دخلت العصبية القرشية إلى نظام الحكم تحت غطاء ديني، عبر الحديث المشهور: “الأئمة من قريش” أو “إن هذا الأمر في قريش”.

هذا الحديث بغض النظر عن الجدل حول دلالته التاريخية والسياسية كان أول ثلمة أصابت نظام الشورى في مقتل؛ لأنه نقل الحكم من كونه حقًا عامًا للأمة إلى دائرة نسبية ضيقة. ومن هنا بدأ الانتقال من مبدأ الشورى المفتوح إلى فكرة الامتياز السلالي.

القرآن لم ينص على حق إلهي لقريش في الحكم، ولا حق لبني هاشم، ولا حق لسلالة بعينها. ولو كان الحكم حقًا إلهيًا وراثيًا لورد فيه نص قطعي واضح، كما وردت نصوص الصلاة والزكاة والصيام. لكن القرآن ترك الشأن السياسي للأمة ضمن قاعدة عامة:

{وأمرهم شورى بينهم}.

وهنا تظهر مفارقة كبرى في التاريخ الإسلامي: مكمن قوة الإسلام كان دائمًا في رسالته العظيمة المتمثلة في القرآن الكريم؛ كتاب الهداية والقيم والعدل والحرية والمسؤولية الأخلاقية. لكن نقطة الضعف التاريخية الكبرى تمثلت في غياب تصور تفصيلي واضح لنظام الحكم وآليات انتقال السلطة.

ولهذا نجد عشرات بل مئات المؤلفات التي تناولت أدق تفاصيل العبادات، حتى في إمامة الصلاة وشروطها وسننها، بينما لا نجد في التراث السياسي الإسلامي المبكر تنظيرًا مؤسسيًا واضحًا لنظام الحكم، ولا تصورا متكاملا يحدد العلاقة بين الأمة والسلطة، أو آليات انتقال الحكم وضبطه ومحاسبته.

ولهذا نشأ فراغ سياسي كبير ملأه التاريخ بالغلبة لا بالنص، وبالواقع لا بالمبدأ.

ثم جاءت مؤلفات مثل كتاب الأحكام السلطانية لـ أبو الحسن الماوردي، وكتاب الشاهنامة لـ أبو القاسم الفردوسي، لتسهم — كل بطريقته — في ترسيخ شرعنة السلطة القائمة أكثر من تأسيس نظرية سياسية شوروية حقيقية. ومع مرور الزمن، غلب فقه الطاعة والاستقرار على فقه الحرية والمحاسبة، حتى صار كثير من الفقه السياسي يدور حول شرعنة الحاكم المتغلب ووجوب الصبر على جور السلطان.

وإذا نظرنا إلى التاريخ السياسي بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجدنا اضطرابًا واضحًا في آليات انتقال السلطة، مما يؤكد غياب أي نص إلهي حاسم في هذا الباب.

في السقيفة، تم اختيار أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ظرف استثنائي متوتر، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه وصف تلك البيعة بقوله الشهير:

“إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها.”

وهذا الوصف من عمر رضي الله عنه وحده يكشف أن ما جرى لم يكن نموذجًا شورويًا مكتملًا، بل تسوية سياسية عاجلة فرضتها لحظة الفراغ.

ثم إن أبا بكر رضي الله عنه نفسه لم يترك الأمر للشورى العامة بعده، بل أوصى لعمر رضي الله عنه مباشرة.

ثم عمر رضي الله عنه لم يجعلها شورى عامة كذلك، بل حصرها في ستة أشخاص، وجعل الحسم النهائي بيد عبد الرحمن بن عوف عمليًا.

ثم وصل الحكم إلى عثمان، وفي أواخر عهده حدث تحول خطير حين توسع نفوذ بني أمية، وعادت العصبية إلى مركز القرار، وظهرت المحاباة السياسية بصورة واضحة، حتى انتهى الأمر إلى اضطراب كبير مهّد لصعود معاوية.

مع معاوية انتهى عمليًا عهد الشورى، وبدأ عهد الملك العضوض. تحولت الخلافة إلى ملك وراثي، وتحول الحكم من اختيار الأمة إلى ميراث سياسي.

ومن هنا بدأ التأسيس الحقيقي للنزعة السلالية في السياسة الإسلامية.

لقد احتاجت الدولة الأموية، ثم العباسية، ثم لاحقًا المشاريع السلالية المختلفة، إلى غطاء ديني يبرر الامتياز السياسي، فجرى تضخيم المرويات التي تمنح قريش خصوصية سياسية، حتى ترسخ في الوعي الإسلامي أن الحكم حق قرشي.

ثم تطور الأمر لاحقًا إلى دعاوى أشد خطورة.

فقال الأمويون بأحقيتهم.

وقال العباسيون بأحقيتهم.

ثم ظهرت النظرية العلوية التي زعمت وجود نص إلهي على ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

وهكذا دخل المسلمون في قرون طويلة من الصراع السياسي المغلف بالدين.

ولو تأملنا المسألة بإنصاف لوجدنا أن أصل هذه الانقسامات يعود إلى فكرة واحدة:

أن النسب يمنح حقًا سياسيًا فوق الناس.

وهذه الفكرة تناقض جوهر الإسلام.

الإمام علي عليه السلام نفسه – الذي استندت إليه كثير من المشاريع السلالية – لم يجعل النسب معيارًا للفضل، بل كان معيارُه الحق والعدل والتقوى.

فالقرب من الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليس قرب لحم ودم، بل قرب هدي وسلوك.

المسلم الصالح الذي يتبع هدي الله أقرب إلى رسول الله من رجل ينتسب إليه نسبًا لكنه بعيد عن قيم العدل والرحمة والحق.

وفي واقعنا اليمني، فإن إحياء النزعات السلالية اليوم – تحت أي لافتة كانت – يمثل خطرا بالغا على النسيج الوطني والاجتماعي.

لقد قامت ثورة 26 سبتمبر ضد الحكم السلالي الإمامي، وضد فكرة الاصطفاء السياسي، وضد احتكار السلطة باسم النسب.

وكان جوهر الثورة واضحًا:

لا قداسة لسلالة.

لا حق إلهي في الحكم.

لا تمييز بين يمني ويمني إلا بالكفاءة والعدالة.

لكن المؤسف أن هذه النعرات عادت في السنوات الأخيرة عبر خطاب سياسي يعيد إنتاج الامتياز السلالي بصيغ جديدة.

وهذا لا يسيء فقط إلى اليمن، بل إلى الإسلام نفسه.

لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية النسب والقبيلة والسلالة.

الله أعدل من أن يخلق الناس متفاوتين في القيمة الإنسانية بسبب الولادة.

كلنا خرجنا من بطون أمهاتنا سواسية.

وكل امتياز يصنعه المجتمع خارج معيار التقوى والعدل هو امتياز زائف.

ولهذا نقول بوضوح:

إن النزعة القرشية كانت أول ثلمة أصابت نظام الحكم الشوروي، ومنها تسللت لاحقًا كل دعاوى الاصطفاء والتمييز السلالي.

وما لم تستعد الأمة وعيها بهذه الحقيقة، فستظل تدفع ثمن الخلط بين الدين والامتياز الوراثي.

اقرأ أيضا للكاتب: من صراع الهويات إلى أفق الإنسانية: الدولة الوطنية كحلّ جامع

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى