قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الثالثة)

قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الثالثة)
- بقلم :د. بكيل محمد الكليبي
الثلاثاء 16 يونيو 2026-
تلعب الشخصيات القيادية دوراً في صنع التاريخ من خلال الأدوار التي تقلدته طوال مختلف المراحل والفترات الزمنية، إذ لا يمكن أن يكون هناك تأثير في مجريات الأحداث دون وجود قائد يضع بصمته، في الأحداث السياسية سواء كان ذلك سلباً، أو ايجاباً، ومن تلك شخصية إبراهيم بن علي بن عبدالله الوزير، أحد رواد السياسة والفكر اليمني المعاصر، ممن كان لهم حضور بارز وملموس في التأثير في الواقع السياسي والفكري، منذ منتصف عقد خمسينات القرن الماضي، وهذا جعل منه شخصية سياسية محورية له اسهاماته في مجالات السياسية والفكرية والجانب العلمي، في تاريخ اليمن المعاصر، نظراً لإمكانياته الكبيرة نتيجة حصوله مبكراً، على اطلاع شامل على مختلف الافكار والألوان الثقافية والسياسية التي عاصره، وبعضها استمدها من القراءة في ثنايا أنواع وألوان مختلفة من الصحف والمجلات ذات التوجهات السياسية والفكرية المتعددة التي، كانت تصل لوالده وتقع في مجملها بين يديه، وشكلت له بمثابة النافذة الثقافية والفكرية التي منحته قدرة التعرف على طبيعة الاوضاع، في المنطقة العربية، بما في ذلك التعرف على الدور الجهادي للحاج “أمين الحسيني” في مواجهة قوات الاحتلال البريطاني في فلسطين، ومواجهته المبكرة لمشروع الاستيطان الإسرائيلي الذي كان يتم في فلسطين تحت عباءة الاحتلال البريطاني الذي عمل على غرس اليهود في فلسطين على حساب الحقوق العربية.
لعبة شخصية “علي بن عبدالله الوزير” السياسية دوراً بارزاً في خلق حالة من التأثير الوجداني في نفس الأبن الشاب إبراهيم بن علي الوزير، الذي طالما تأثر بأفكار وأراء والده السياسية، لاسيما نظرته الاصلاحية لمعالجة حالة الجمود السياسي التي عاشتها اليمن في عهد حكم الإمام يحيى بن محمد حميد الدين، ومحاولاته المستمرة من خلال موقعه السياسي كأمير للواء تعز، مع الإمام، لإصلاح النظام السياسي، واقتراح الحلول السياسية التي تعمل على تغيير الظروف الصعبة، وكان دافعه الرئيس التجديد، وهي السمة البارزة في فكر المذهب الزيدي، الذي يتبنى فكرة الشورى في انتخاب الإمام، والخروج على الظلم، وفي خضم ذلك المعترك السياسي، كان إبراهيم بن علي الوزير، على مقربة تامة من والده، وعلى معرفة كبيرة بهذه النصائح السياسية، والمواقف الصريحة لأبيه مع الإمام يحيى، بهدف اصلاح الأوضاع السياسية في البلاد.
والسؤال الملح هل كان لهذا التأثير السياسي دوراً في التكوين السياسي والفكري للشاب الصغير إبراهيم؟ أم أن هناك مؤثرات أخرى، كان لها دورها إلى جانب ما سبق؟ في الحقيقة أن التكوين السياسي والفكري لشخصية إبراهيم بن علي الوزير، لم تكن وليدة اللحظة، أو تأثر لحظي من موقف السياسي أني نتيجة تطورات الأحداث، في الحقيقة أن الشاب إبراهيم حظى بفرصة تعليم مهمة، كان لها أثر إلى جانب ما سبق، حسب رواية أخيه الأصغر “زيد بن علي الوزير” الذي أشار إلى تأثر أخيه إبراهيم بأستاذه العلامة “أحمد بن محمد الوزير” الذي كان يدرس التلاميذ في مسجد “هجرة السر” العديد من أفكار علماء النهضة، ومن ذلك الدعوة إلى التجديد في الأدب، والدعوة إلى الاجتهاد والتحرر من التقليد، وكان هذا الاستاذ متأثراً بأفكار معلمه العلامة “عبدالوهاب الوريث” الذي تأثر هو ايضاً بكبار العلماء المجددين أمثال “جمال الدين الافغاني” ومحمد عبده” فشكل ذلك بالنسبة للتلميذ الشاب إبراهيم بن علي الوزير حالة من الاتصال بين الماضي الثائر وأفكار الحاضر المعاصر الثائر، إلى جانب تشربه للثقافة الإسلامية، واطلاعه على معارف شتى من العلوم الحديثة، التي كانت تزخر بها المكتبة، بما في ذلك الكتب التي تضمنت تفاصيل ومخاض الثورة الفرنسية، وما تضمنته من دعوات للعدالة، والحرية، والمساواة، وخلقت كل هذه المعارف لديه حاله من الاحساس والمشاعر التي تفاعلت مع أحداث الثورة، لاسيما اسقاط الثوار الفرنسيين لسجن الباستيل، الذي حوى مأسي الفرنسيين، وتشكلت لدية حالة من الاعجاب بشجاعة الثوار، وحتى وهم معلقون على خشب المشانق، كما تأثر بقصص “إسكندر دوماس الكبير” وغيره وكل ذلك الخليط قاد إلى تكوين شخصية إبراهيم بن علي الوزير العلمية والفكرية والثقافية، وتلك كانت أهم الروافد التي فتحت ذهنيته، لتكون معه حاضرة في أول مخاض عايشه، عقب سقوط الثورة الدستورية. فكان كل ذلك حسب رأي أخيه “زيد بن علي الوزير” كافي لصقل موهبة وافكار إبراهيم.
شكل فشل ثورة ١٧ فبراير عام ١٩٤٨م، بالنسبة لإبراهيم بن علي الوزير، البداية الأولى لظهور شخصيته، وتبنيه لمبدأ محاربة ومقارعة الظلم، وهذا المبدأ جزء من الارث الذي حمله على كاهله كإرث روحي له امتداداً طبيعياً لمدرسة (آل البيت)، عليهم السلام، خرج منها إبراهيم ودفع ثمن ذلك الدخول في غياهب السجون، وجعلته يعيش، كشاب عمره 17 عاماً ظروف مأساوية قاسية، نتيجة قتامة المشهد السياسي الذي خيم على البلاد، بعد فشل الثورة، وزيادة حالة القمع السياسي، التي قادها الإمام أحمد، بحجة الانتقام لوالده، ومنح نفسه اليد الطولى في قمع أي صوت معارض مستغلاً ضعف المعارضة التي قمعت بشكل عنيف، لتثبيت اركان حكمه على نهر من الدماء دون مراعاة لادني معايير الإنسانية، في المقابل كان لهذا المشهد القاتم دوراً في تفتح أذهان ومدارك الشاب إبراهيم بن علي الوزير، لاسيما أن السجن شكل محطة مهمة وبداية حقيقية لدخوله معترك المعارضة السياسية بهدف مقاومة بطش النظام السياسي المنتصر ضد أبناء الشعب، والتعرف في السجن على نخبة من العلماء والادباء والمفكرين الذين شاءت الاقدار أن يجتمع معهم ذلك الشاب على بساط المعاناة التي جمعتهم، وشكلت لديه منعطف جديد غير مسار حياته إلى غير رجعة، ورغم المعاناة في جنبات السجن طوال فترة الاحتجاز التعسفي، إلا أن السجن مثل بالنسبة له حلقة جديدة في رحاب التعليم وتشرب الثقافة والفكر على يد ثلة من القادة والمفكرين والمثقفين الذين جمعتهم معه معاناة السجون ليشق من خلالها رحلته الجديدة بعيداً عن الظروف والحياة التي عاشها قبيل تغييبه في السجن، وخلقت الظروف منه شخصية تمتلك كاريزما (قيادة)، وجعلته من بين أبرز الشخصيات السياسية المتنورة على مستوى اليمن، لاسيما بعد التحاقه بحركة المعارضة في مصر، بعد الخروج من سجن حجة، ليشكل انضمامه اضافة سياسية نوعية لها، إذ كان له جهود سياسية واضحة ضمن حركة المعارضة، من خلال طرحه السياسي الأكثر جراءة وفي اقتراح العديد من الحلول السياسية الواقعية التي تعالج جمود الأوضاع السياسية، وتعمل على التغيير بعيداً عن الصراع على السلطة، ويرجع الاتزان السياسي في الطرح الذي تبناه الثائر إبراهيم بن علي الوزير، إلى امتلاكه بعد نظر سياسي، وامتلاكه أرث عميق من الوعي والنضج نتيجة جمعه بين العلم والثقافة، والسياسة والفكر، يتضح ذلك بصورة أكبر أنه كان على درجة كبيرة من العلم، وله فيه باع لا يمكن اغفاله في تأليف عدد من الكتب العلمية التي طرح من خلالها منهجه وفكرة ورؤيته السياسية، فكان من الصعوبة بمكان وجود شخصية سياسية معارضة على مستوى عالي من الثقافة، والفكر الناضج والمستنير، والفهم العميق لطبيعة المشكلة، وامتلاكه للعديد من القدرات لوضع المقترحات والتصورات اللازمة للمعالجة الأوضاع السياسية في البلاد وهذا جعل منه السياسي اليمني المعارض، الذي استطاع وضع تصور دقيق لمعالجة الأوضاع عقب نجاح ثورة ٢٦ سبتمبر عام ١٩٦٢م، لمنع انزلاق الثورة نحو مسارات سياسية تقود إلى تدخل خارجي من شأنه أن يؤثر على القرار السياسي الثوري بعيداً عن الأهداف المرجوة.
- د. بكيل الكليبي- رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا:قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الثانية)



