كتابات فكرية

من صراع الهويات إلى أفق الإنسانية: الدولة الوطنية كحلّ جامع

من صراع الهويات إلى أفق الإنسانية: الدولة الوطنية كحلّ جامع

  • حسن الدولة

الاثنين 27 أبريل 2026-

من يراقب الأحداث الكبرى التي تكاد أن تعصف بمنطقتنا اليوم، لا يخفى عليه اتساع الهوة بين الإسلام بصفته فكراً أيديولوجياً متحجراً، وبين الفكر العربي القومي أو الحداثي. نحن العرب، يبدو أننا عالقون بين فريقين، كلاهما، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، بعيد عن الصواب في تقديره للأمور.

فالفريق الأول يرى نفسه امتداداً لفكر إسلامي يشعر أنه محاصر من كل قوى الأرض، ويتحمل وحده مسؤولية “حماية” هذا الدين. لكن هذه الحماية تستند إلى موروث ديني مشوّه، تراكمت عليه عبر القرون طبقات من الأكاذيب والأخطاء والشوائب، حتى أصبح حجاباً كثيفاً سدّ ينابيعه النقية وجعل محتواه كدراً. لقد ابتعدنا بذلك عن “الإسلام القرآني” الذي يَحكم المرويات لا أن يكون محكوماً بها. وكان للسياسة دورها الأكبر في تأصيل هذا “المدنّس” وتقديسه، ففقهاء السلاطين عبر التاريخ سخّروا الدين لخدمة الحاكم على حساب الرسالة المحمدية التي جاءت لتوحيد البشرية وإخراج الناس من عبادة الأفراد إلى عبادة رب الأفراد.

بل إن هذا التوظيف السياسي للدين لم يكن بريئاً، بل جاء – في كثير من الأحيان – لحماية السلطة نفسها من المثقف المتمرّد، ومن كل صوت تجديدي يسعى لإعادة الناس إلى صفاء الفطرة. وهنا تحوّل الدين من رسالة تحرر إلى أداة ضبط، ومن مجال إيمان إلى ساحة صراع.

لكن هذه الفئة من الفقهاء جعلت همّها حماية أنفسهم ومناصبهم من أي مثقف متمرّد، أو أي مُجَدِّد يحاول إعادة الناس إلى جادة الصواب. فيتصدّون له بنفس السلاح الذي استخدمه سدنة الأديان عبر التاريخ في وجه الأحرار والرسل: سلاح التكفير واستباحة الدم، بحجة أن من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة يُستتاب أو يُقتل. وقد حذّر الفيلسوف الفرنسي فولتير من هذه الآلية بقوله: “من يستطيع أن يجعلك تصدق أشياء سخيفة، يستطيع أن يجعلك ترتكب فظائع”.

أما الفريق الآخر، فهو المثقف العروبي القومي الوحدوي، الذي لم يجد سبيلاً لإعادة النسيج المجتمعي الممزق بفعل النزاعات الدينية والمذهبية سوى الإطار القومي. فهو يرى في ذلك الموروث الديني عقيماً، يعيق تفتح فكره ووجدانه، ويضع قيوداً تحول دون انطلاقه نحو الحياة والحضارة، بل وقد يراه أحياناً مسيئاً لكرامته كإنسان، فينقلب عليه جملةً وتفصيلاً.

كلا الفريقين خاطئان، ليس بسبب اختلافهما الفكري فحسب، فالاختلاف في الرؤية والرؤية المضادة يبقى في الغالب ظاهرة صحية وحضارية ما لم تتجاوز حدودها إلى فعل مضاد انتقامي. وكما يشير جون ستيوارت ميل، فإن تنوّع الآراء شرط للوصول إلى الحقيقة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى قطيعة.

والمعضلة الأساسية تكمن في أمرين: أولهما التطرف من كلا الجانبين، والذي يأتي غالباً كردة فعل مبالغ فيها من أحد الفريقين على الآخر، وثانيهما تطور الاختلاف من مجرد تنوع في الرؤى إلى خلاف حاد، ثم إلى صراع انتقامي قد يصل إلى استباحة الدماء. وقد حذّر فريدريك نيتشه من هذه الدوامة بقوله: “من يحارب الوحوش عليه أن يتحول إلى وحش”.

نحن إذن أمام منعطف خطير يهدد التماسك المجتمعي في الأقطار العربية والإسلامية معاً، بل ويهدد فكرة المجتمع ذاتها. والأخطر من ذلك هو صعوبة إيجاد حلول حقيقية لهذا الاحتقان الفكري المتفاقم، في ظل بيئة إعلامية ضعيفة ومؤسسات عاجزة عن إدارة الاختلاف.

إننا نواجه فكراً حديثاً يعاني من انفصام حاد في هويته العقائدية، نتيجة هذا الغثاء الذي تحوّل إلى كارثة ترتدي جلباب الدين؛ حتى بات من النادر أن نجد أزمة في مجتمعاتنا لا يقف خلفها إما تطرف ديني أو رد فعل متطرف مضاد له. وكما يعبّر مالك بن نبي: “المشكلة ليست في الأفكار، بل في قابلية المجتمع لتلقيها بشكل منحرف”.

هذه الأزمات عصفت بالمثقف العربي الشاب، فدفعته إلى أحد طرفين حادّين: إما تطرف ديني يبرر العنف، أو تطرف مضاد يقطع صلته بكل جذوره الروحية، فلا يعود يؤمن إلا بما يمليه العقل المجرد.

والسؤال الأهم: كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟

يرى بعض المثقفين أن الحل يكمن في إعادة صياغة مفهوم الانتماء، بحيث لا يكون الدين هو الرابط الوحيد بين الناس، بل تُفعّل الهوية الوطنية كإطار جامع يتسع لكل الانتماءات. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، يظل ناقصاً إذا لم يُدعّم بمشروع حضاري شامل، خاصة وأن الأزمات الفكرية اليوم عابرة للحدود – كما يظهر في نماذج مثل “داعش”.

كما أن الاكتفاء بالمواجهة الفكرية، أو الاكتفاء بالدعوة إلى تنقية التراث، يظل محدود الأثر في مجتمعات لا تزال تضع قيوداً صارمة على الاجتهاد. وهنا تبرز أهمية ما طرحه محمد عابد الجابري ومحمد أركون حول ضرورة إخضاع التراث لنقد عقلاني عميق.

من هنا، يبرز الحل الأكثر واقعية في بناء دولة مدنية حديثة، تقوم على المواطنة المتساوية، وتحترم كل المذاهب والعقائد والهويات، عبر تحييدها عن الصراع السياسي، وفصل رجال الدين عن مؤسسات الحكم، بحيث يصبح الدين مجالاً للإيمان، لا أداة للهيمنة.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن الدولة المدنية لا تعني إقصاء الدين، بل تنظيم حضوره بما يمنع تحوّله إلى وسيلة إقصاء أو صراع. ففرض رؤية واحدة على مجتمع متنوع هو شكل من أشكال الظلم، وكما قال ابن خلدون: “الظلم مؤذن بخراب العمران”.

ومهما تعددت الانتماءات، يبقى الضمير الإنساني واحداً، وتبقى الإنسانية هي الإطار الأوسع الذي يوحّد البشر جميعاً. فالإنسانية هي الإطار الموحد للبشرية، بينما الهوية الوطنية هي الإطار الجامع لكل الانتماءات داخل الوطن الواحد، تنظّمها وتمنع تصادمها.

وهذا ما أشار إليه يوهان فولفغانغ فون غوته، كما يؤكد إيمانويل كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائماً كغاية لا كوسيلة. وعلى المستوى السياسي، يقدّم كارل بوبر نموذج “المجتمع المفتوح” كضمانة للتعددية ومنع احتكار الحقيقة.

وعلى المستوى القيمي، يظل قول الله تعالى: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” أساساً لفلسفة التعايش، فلا يجوز لمذهب أن يُلغي غيره، ولا أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

فالهوية الوطنية هي المظلة الجامعة، والدولة المدنية هي الحامية من بغي بعضنا على بعض، والإنسانية هي الأفق الأوسع الذي يضم الجميع. وقد لخّص شيشرون هذه الفكرة بقوله: “الوطن ليس الأرض التي وُلدت فيها، بل القوانين التي تجعلك حراً”.

اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. هل المختلون عقلياً يحكمون العالم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى