كتابات فكرية

قبيل يوم واحد من الذكرى الـ 110للثورة العربية الكبرى في الحجاز توافق تركي سعودي على إحياء سكة حديد الحجاز

قبيل يوم واحد من الذكرى الـ 110للثورة العربية الكبرى في الحجاز توافق تركي سعودي على إحياء سكة حديد الحجاز

بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

الجمعة 12 يونيو 2026-

    بين القصد والمصادفة تمر بنا اليوم أحداث متوالية لها دلالات لا يمكن المرور عليها فقبل يومين توفقت تركيا والمملكة العربية السعودية على إعادة احياء خط سكة حديد الحجاز، الذي بنته الدولة العثمانية طوال مدة ثمان سنوات، وكان من أهم المشاريع الحيوية التي افتتحها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908م، قبل خلعه بشهور لربط مركز الدولة العثمانية بالأطراف. ثم بعد يومين من توقيع التفاهم على احياء سكة حديد الحجاز، تحل بنا ذكرى 10 حزيران (يونيو)، عام 1916م، أو ما عرف بالثورة العربية الكبرى التي أعلنها شريف مكة المكرمة، الشريف “حسين بن علي” بعد التفاهم مع بريطانيا فيما عرف بمراسلات الشريف حسين مع المندوب السامي البريطاني في مصر “السير هنري مكماهون” وعرفت فيما بعد بمراسلات “حسين مكماهون” عام 1915م، وحصل بموجب المراسلات الشريف حسين على وعود من بريطانيا ليكون ملك العرب أن استجاب للتحالف معها في مواجهة الدولة العثمانية، فسال لعاب الشريف حسين على مثل تلك الوعود الكاذبة، ولم يكن أمامه إلا إعلان الحرب على الدولة العثمانية، بأطلاق الرصاص من مسدسه من نافذة أقامته في مكة المكرمة، والقول: ” قاتلوا الاتراك الكفار القتلة” فكانت الشرارة الأولى لاجتثاث العثمانيين من الحجاز، في 10 يونيو عام 1916م، فتمكن من السيطرة على مكة المكرمة، وظلت المدينة المنورة محاصرة، حتى انتهاء الحرب، بعد أن أمتنع القائد العثماني “فخر الدين باشا” الذي ظل صامداً فيها حتى نهاية الحرب واستسلام الدولة العثمانية للحلفاء عام 1918م.

   وفي خضم الاحداث التي عاشتها الحجاز خلال سنوات الحرب التي دارت بين العثمانيين، والشريف حسين بمساعدة بريطانيا، في ولاية الحجاز، كانت سكة حديد الحجاز العثمانية حاضرة في ثنايا الحرب، وبما أن بريطانيا كانت مشاركة للقوات الحجازية في حربها على العثمانيين أقترح العقيد البريطاني “لورنس” على الحجازيين منع العثمانيين من الاستفادة من خط سكة حديد الحجاز التي تربط المدينة المنورة ببلاد الشام، ومنع أرسالها للتعزيزات العسكرية لدعم القوة العسكرية العثمانية المرابطة في المدينة المنورة، فتم وضع العديد من المتفجرات على طول امتداد خطوط السكة الحديدية التي تربط المدينة المنورة ببلاد الشام وتفجيرها دفعة واحدة، وانهاء أي اتصال بين الحجاز والشام وإلى غير رجعة، وظلت الجهود المرتبطة بهذا المشروع معلقة بالمتفجرات البريطانية التي وضعها العقيد “لورانس” حتى يوم 9 يونيو 2026م، وهو اليوم الذي وقع في العاصمة السعودية الرياض، وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي المهندس “صالح بن ناصر الجاسر” ووزير النقل والبنية التحتية التركي “عبد القادر أورال أوغلو” اتفاقية تفاهم على إعادة احياء مشروع خط قطار الحجاز، بعد مرور مائة وتسع سنوات من تفجير بريطانيا للمشروع خلال الحرب العالمية الأولى.

   والسؤال الملح هل تم اختيار يوم 9 يونيو 2026م، بعناية من قبل الاتراك والسعوديين ليكون بمثابة إعلان انتهاء الخدعة البريطانية في المنطقة التي بدأت حكايتها تنسج منذ 10 حزيران (يونيو) عام 1916م، إلى اليوم، فكان التوقيع على التفاهم وإعادة الربط لمشروع خط سكة حديد الحجاز الجديد القديم إلغاء لمشروع التبعية والتقسيم الذي فرضته بريطانيا على المنطقة العربية بالتعاون مع فرنسا فيما يعرف باتفاقية سايكس بيكو، التي قادت إلى تقسيم المشرق العربي بينهما على حساب الحقوق العربية بعد الاستقلال من الدولة العثمانية، وهل إعادة بعث الحياة في هذا المشروع الحيوي يعد أول ثمرة حقيقية وجادة لما أعلنه المندوب الأمريكي في سوريا “توم باراك” بقوله يوم 25 مايو 2025م:” قبل قرن، فرض الغرب خرائط وانتدابات وحدود بالقلم وحكم اجنبي سايكس بيكو قسمت سوريا والمنطقة الأوسع لمكاسب إمبريالية وليس للسلام ذلك الخطأ أجيالاً لن نكرره” ومن منطلق هذا الحديث أجد أن التفاهم السعودي التركي لإعادة احياء خط سكة حديد الحجاز، ليس بعيد عن وجود ضوء أخضر أمريكي لتوسيع نفوذها بشكل أكبر، على حساب المصالح الأوروبية في المنطقة، والدافع الرئيسي وراء هذه الموافقة الأمريكية، يعود بالدرجة الأساسية إلى وجود رغبة كبيرة لديها لتأديب الأوروبيين الذين تخاذلوا حسب اعتقاد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في دعم الخطة الأمريكية تجاه إيران، إذ وجدت الولايات الأمريكية نفسها غارقة في قضايا الشرق الأوسط، بعيداً عن حلفائها التقليديين في أوروبا، وما إعادة احياء خط سكة حديد الحجاز، إلا واحد من المشاريع الحيوية التي حاولت من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية تغيير المصالح السياسية في الشرق الأوسط، بعيداً عن التقاسم مع حلفائها الأوروبيين، كما كان في السابق القريب.

   أن دلالة التوقيع والتفاهم التركي، السعودي يوم 9 يونيو ليس مصادفة، لاسيما أن الاتراك لا يتركون شيء للصدفة، فكل توجهاتهم وتحركاتهم دقيقة ومدروسة، في اقتناص الفرص واستغلال التناقضات، بين الدول الكبرى، والبناء عليها دون تفويت الدلالات والمناسبات التاريخية الدقيقة التي لها في وجدان الاتراك اثر كبير، فتوقيع اتفاقية تمنح تركيا ودول المنطقة العودة إلى الحلقة المفقودة التي ضاع فيها العرب والأتراك ـ بوعي أو بدون وعي ـ أمر في غاية الأهمية، فكان من الطبيعي أن يختار الاتراك التوقيت المناسب لتوقيع الاتفاقية، لتكون قبل يوم واحد من الذكرى (ال110) التي حرمت الاتراك من الاستمرار في الاشراف على الحرمين الشريفين يوم 10 حزيران عام 1916م، وطالما تغنت الدولة العثمانية بشرعيتها ومشروعيتها الإسلامية التي استمدتها من اشرافها على الحرمين الشريفين، أما بالنسبة للاعتبارات السياسية والاقتصادية فالمشروع يمثل نقلة نوعية ليس للأتراك وحسب، بل لجميع دول المنطقة التي ستستفيد من المشروع في انعاش حركة النقل الداخلي والاقليمي، وانعاش التجارة البينية، والاستفادة من الخط في عملية الدعم اللوجستي اثناء تصاعد التوترات وارتفاع المخاطر المرتبطة بعملية النقل البحري، الموجودة في الممرات المائية في الإقليم وغيره من المخاطر البحرية.     

  • د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام بجامعة ذمار

اقرأ أيضا:أما آن لهذا الليل الطويل أن ينجلي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى