الكلكتابات فكرية

صنع في اليمن الحلقة الثالثة

للاتحاديين 

صنع في اليمن 

(3 )

 

في بيتنا مقاومة.
عندما سقطت راية “الثورة الدستورية”في2جمادى الأولى1367 13 مارس 1948، أسرع شاب في مقتبل العمر فالتقطها ورفعها وتحت ظلالها تقدم بها الى ميدان مايزال مفتوحا للنضال من أجل “الدستور” حتى الأن. لقد خلت الساحة من كل رجال الدستور، إما بالموت، أو السجن، أو التشريد، أو التخفي، ولم يبق من يحمل الراية  احد ممن ينظر اليهم فجاء ابن السابعة عشرة من عمره “إبراهيم بن علي الوزير” فحملها وكان حملها ثقيلا.
كان المناخ مرعبا، فأخبار قتل الأباء والأعمام والأخوال وشهداء الثورة الدستورية واعتقال كبار الأسرة وقادة الثورة تتوالى باستمرار، وفي الوقت نفسه صودرت اموالهم وخربت بيوتهم، فعاشوا في فاقة مدقعة وفي شظف العيش بالغ القسوة، وشماتة مرة تتساقط على أذانهم من قبل “النشادين” الشعبيين و “زوامل” العساكر الرسمية والقبلية، ومع ذلك فلم تمنعهم تلك الظروف من استبقاء الشعور بالاعتزاز بالثورة الدستورية إرثاً حقيقياً ومقدسا.
 وفي هذا المناخ  قام “إبراهيم”- بدون خوف من سلطة، ولا رعب من وصع مضاد- بمسؤليته، فالتف حوله أمه “فاطمة بنت ابوراس” و شقيقتاه «أمة الخالق» و«حورية»  واخوته”زيد” وقاسم-أخوهم الصغير محمد- وابن عمه «يحيى» و “عبد الله بن محمد”. وفي لحظة مثيرة في هذا الجو قرر أخي «قاسم» بعمره الثاني عشر ان يؤرخ لسقوط الثورة. ويندد بالنطام المتوكلي.
إذن أم وخمسة إخوة وشقيقتان واثنان أبناء عم، ساقتهم الظروف في مساق واحد من أجل هدف واحد، بالرغم من تفاوت العمر بينهم، واتساع أفق الرؤية عند الكبار، وضيقها عند الصغار. قدر لهم بقيادة اخيهم ومن ذلك البيت الحزين، أن يتولوا قيادة المطالبة بالدستور، والى جانب ذلك  ألقت الأيام على كتف أخي “إبراهيم” مسؤوليتين اثنتين: مسؤولية النضال، ومسؤولية رعاية الأسرة والأطفال، بل أسر الشهداء والمسجونين. 
خرجت المقاومة من البيت إلى الهجرة في نفس الفترة التي نشأت داخله تقريباً، فكان الأخوة «إسماعيل بن أحمد عثمان» و«على بن محمد مفضل»-شقيق العامل- و«احمد بن محمد مفضل» و«أحمد بن محمد عثمان»، من السباقين إلى المقاومة منذ اللحظات الأولى. وانضم الى المقاومة من ساكني “الهجرة” أيضا «أحمد علي مقبل» و«علي بن محمد الوزير» المعروف بالكدف  و«محمد عبد الله» وتعاطف معهم الحاج «محمد فقيه» و «محمد غالب» وغيره من فرع  «بني ماك» الساطنين بـ “الهجرة” وبالإضافة إلى هؤلاء كان “إبراهيم” يتلقط المشايخ الذين يتوافدون على السيف “العباس” فيشرح لهم أخطاءهم في مساعدتهم لهؤلاء الحكام، وكان من هؤلاء  الشيخ “يحيى القاضي” أحد مشايخ بني سحام.
 ثم توسعت فكان الشيخ «حسين قايد سراج» أول مشايخ القبائل الذين انضموا إليهم، وقد تمكن من ضم الشيخ المرحوم «صالح بن سعيد المنصوري» من مشايخ «بني جبر» الشجعان، كما كان لهما دورهما في ضم الشيخ «سلمان المطري» -من كبار مشايخ «بني مطر». 
وفي ساعات من ساعات الهول الكبير، يستنجد المقاوم بالواقع والخيال لقوية عضلات مقاومته، فكانت الشائعات تصب وقودا من الأمل والدفع، وكان الخيال الأمل يبعث المعنويات، فكانت مقاومة الشيخ المرحوم «علي بن محسن باشا» في “العدين” يقوي الأمل،  وعندما أخمدت انبعث الأمل في  حركة الشيخ “علي بن معيلي” في “عبيدة”، وعندما همدت انطلقت شائعة بتمرد في “صعدة”، وما لبث ان تبخرت، وهكذا يظل الأمل يتجدد مع كل تحرك، و بجانب الأشاعات الداخلية كان هناك اشاعات قوية شعبية تتحدث بلغة «الملاحم» بخبر يقين عن عودة “عبد الله بن علي الوزير” على حصانه الأبيض تحيط به «قبائل المشرق» ترفرف عليه رايات النصر، سوف يقتحم «صنعاء» ويطلق سراح بقية الأحرار الأسرى، ويقيم «دولة الدستور والشورى»، و يورد الظالم موارد الهلاك. 
وإلى جانب أهازيج «الملاحم» صدحت المرائي والأحلام- نثرا وشعرا-بالآمال المورقة الخضراء، والخيال المجنح، فحفظت المعنويات من افتراس الإحباط، ومهما يكن فقد كانت تلك الشائعات الملحمية والمرويات الشعرية والأحلام المبشرية هي زاد المهزومين الجرحى، منها ارتوى الحالمون بانتصار الثورة بفيض لا ينتهي من الأمل، منتظرين – في لهف- وصول المنقذ على رأس قوات المشرق على حصانه الأبيض، تخفق فوق جبينه العالي زاهيات البنود 
كنا نعيش إذن هاتين الحالتين: حالة العمل، وحالة الأمل، وكان الأمل يردف ما هو ممكن بغير الممكن، وتعاضد العاملان في مد الصمود بطاقات قوية، ومع الأيام بدأت الأحلام تتضائل وتواجه الواقع المرير. 
أفتتحت المقاومة أعمالها الجادة –حتى قبل أن تكتمل الدوائر الثلاث – بإرسال رسول سري إلى “حجة، للإتصال بزعماء “الثورة الدستورية” لينقل إليهم أخبار المقاومة، ويبشرهم باستمرار العمل، ويتلقى منهم التوجيهات. وقد اختار أخي “إبراهيم” لهذه المهمة رجلا ولا كالرجال، تخطئه العين، وتظهر على سيمائه وحركاته الطيبة المتناهية، والسذاجة المفرطة، ولكن وراء تلك الصورة يكمن ذكاء لماح، وقدرة على المناورة، وإيمان فطري بعدالة «الثورة الدستورية» . كان هذا الرجل هو«علي بن علي الجرادي» من قرية “بيت عطشان”، قَبِلَ أن ينضم إلى تلك المقاومة الصغيرة فيجني غرمها، ويُحرمُ من غنم الحكم المنتصر بطيبة خاطر، وعندما دعاه «إبراهيم» ليذهب متسترا إلى «حجة» خاطر بحياته، وذهب إلى منطقة لا يعرفها، وإلى أناس يجهلونه ويجهلهم، يحف بها الخوف، ويحيط بها الرعب، كما أنه لا يعرف كيف سيتصرف، ولا كيف سيوصل الرسائل إلى معتقلٍ فيه كبار الثورة، وأشد الرجال خصومة للإمام «أحمد»، وإلى واحد من أشهر معاقل الإمام قوة ورقابة، ونجح في ايصال الرسائل وفي الوقت الذي استلم اجوبتهم تلقى وهو مايزال بحجة استشهاد “إمام الدستور” و “زيد الموشكي” فأصابه غم كبير. وبالاضافة الى ذلك دبروا مع النقيب «أمين أبوراس» العمل للهجوم  بـ «قبائل برط» على «حجة» لإنقاذ المعتقلين وعلى رأسهم «الأمير» والمشائخ «محمد بن حسن أبو راس» و«عبد الله بن حسن أبو راس» و«صالح الشايف». ومن ثم تقوم الثورة بالتعاون مع الشيخ «حسين بن ناصر الأحمر» كبير حاشد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى