الكلكتابات فكرية

“أقلمة” الأزمة الخليجية

تلوح في الأفق بوادر انتقال الأزمة بين “الرباعي العربي” وقطر من إطارها الخليجي إلى الإطار الإقليمي الأوسع … وتفضي سياسة “من ليس معنا فهو ضدنا” التي تتبناها أطراف في هذا الرباعي على وجه التحديد، إلى “حشر” دولٍ عربية وإقليمية، في أضيق الزوايا، بعد أن طُلب إليها، تصريحاً وتلميحاً، مغادرة “المربع الرمادي” والانضمام إلى الجهود الرامية إلى عزل الدوحة وشيطنتها.

ثلاث دول عربية وإقليمية، ارتأت أن تأخذ موقفاً غير منحاز في هذا الصراع، وآثرت التموضع في موقع الوسيط النزيه بين “الأهل والأشقاء”، بدل الانضمام إلى حرب التطويق والحصار التي يشنها رباعي “الرياض، أبو ظبي، المنامة والقاهرة” على الدوحة … اثنتان من الدول الثلاث (المغرب وتركيا) بعثت بطائرات محملة بالمواد الغذائية للدوحة، بذريعة “الإخوة القومية والإنسانية” المجردة من أي غرض أو مغزى سياسي … السودان، لم يكن في وضع من يرسل المساعدات، لكنه اكتفى بالتعبير عن نوايا طيبة حيال الطرفين، ومناشدات لرأب الصدع.

ثمة ما يشي بأن الدول الثلاث، تواجه إشكالية في علاقاتها مع الرباعي العربي، على الرغم من الأواصر الوطيدة التي تربطها بها … تركيا بزعامة أردوغان، أكثر من الدولتين الأخريين، لم تخف انحيازها للدوحة، وإن شددت مراراً وتكراراً على أنها لا تستعدي الرياض على وجه التحديد (تركيا غير مهتمة بإرضاء مصر والإمارات) … وإلى جانب مساعي الوساطة التي قام بها وزير خارجيتها، سرّعت القيادة التركية في تمرير اتفاقية الدفاع المشترك مع الدوحة، لتتمكن من إرسال قوات إلى القاعدة العسكرية المتفق على إقامتها هناك، ولكي تحافظ على شعرة معاوية مع السعودية، عرضت إقامة تركية عسكرية على أرضها، الأمر الذي زاد من حنق الرياض وغضبها، بدل أن يبعث الطمأنينة لديها.

فشل الوساطة التركية، والرد السعودي الصارم على عرض القاعدة العسكرية، دفع بأنقرة إلى تظهير مواقف أكثر عدائية حيال الرياض، عبّر عنها المستشار في الرئاسة التركية، إييت كوركماز، بقوله إن “دولاً ضخمة وكبيرة تسير خلف قبيلة واحدة، وهذا أمر لا يقبله المنطق الإنساني”، وأن يلمّح إلى أن “الربيع العربي يمكن أن يظهر قريبا في دول جديدة” ….وقبلها كان الرئيس التركي يكشف بلغة لا تخلو من الوعيد عن معرفته بالدول التي فرحت بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في بلاده العام الفائت، في إشارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة… تركيا تتجه لمغادرة دور الوسيط إلى دور “الطرف”.

الأزمة مع المغرب، أقل صخباً، وتكاد تقتصر على بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بعد نشر تقارير على فضائيات خليجية، تتحدث عن “الصحراء الغربية” بدلاً عن “الصحراء المغربية” كما هو حال الموقف الخليجي (السعودي – الإماراتي التقليدي بخاصة)، فيما خرائط تعرض للمغرب تلون في الصحراء بلون مختلف عن بقية الأراضي المغربية في إشارة لكونها مناطق متنازع عليها، فيما لا تتردد تقارير خليجية عن وصف المغرب بقوة الاحتلال والبوليساريو بوصفها حكومة الصحراء.

هي رسالة كما تقول أوساط مغربية، يراد بها تذكير المغرب بالدعم الخليجي لموقف الرباط في صراعها مع الجزائر على قضية الصحراء، وما يمليه ذلك على المغرب، وفي إطار “رد الجميل”، من مواقف تدعم أبو ظبي والرياض في الصراع الدائر ضد قطر، والذي تحول إلى نقطة مركزية في السياسة والتفكير والدبلوماسية والاقتصاد والتجارة وكافة من مناحي الحياة في هذه البلدان…. لا نعرف كيف سيتصرف المغرب حيال هذه المسألة، وكيف سيجيب على هذه الرسائل، لكن ما يحصل بين هذه العواصم، ينهض كدليل إضافي على انتقال من “الخلجنة” إلى “الأقلمة”.

الدولة الثالثة، هي السودان، الذي يحتفظ تاريخياً بعلاقة طيبة مع قطر، لا تخلو من “الروابط الإخوانية المشتركة” لكن الدوحة دعمت نظام البشير في غير أزمة، وعلى أرضها التقى فرقاء الصراع في دارفور، ومنها انطلقت مساعدات للسودان بعد انفصال جنوبه عن شماله، وإدراج رئيسه في قائمة المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية.

الرئيس البشير في موقع حرج للغاية، لديه ما يخسره إن تخلى عن قطر، ولديه ما يضيّعه إن هو قامر بأوثق العلاقات مع السعودية والإمارات، خصوصاً في العامين الفائتين، بعد أن قرر نقل بندقيته من الكتف الإيراني إلى الكتف الخليجي، وبات أكثر المتحمسين للحرب ضد الحوثيين وإيران وهلالها “بدرها في هذه الحالة” … البشير آثر السلامة بالحديث عن رأب الصدع وترتيب البيت الخليجي الداخلي، لكن هذا الموقف لم يعد كافياً ولا مقبولاً من قبل حلفائه الجدد، الذين يريدون منها “أضعف الإيمان”، وأضعف الإيمان، هو ما أقدم عليه الأردن من خطوات وإجراءات تضامنية مع الرباعي العربي في صراعه مع قطر.

 

سياسة “من ليس معنا فهو ضدنا” تضع أصدقاء وحلفاء كثر للرباعي العربي، قائمين ومحتملين، في خانة حرجة، بل وتنذر باحتمال انقلاب المواقف، ولجوء هذه الأطراف إلى مواقف وخطوات ما كانوا يرغبون بها لولا شدة الضغط والإحراج … سيما وأن الدوحة في المقابل، لم تسجل حتى الآن على الأقل، أية ردود أفعال “غير موزونة” ضد الدول لم تبد انحيازاً لصالحها، سواء تلك التي آثرت التوسط والوساطة، أو تلك التي اتخذت إجراءات محدودة ضدها، ولو من باب رفع العتب، حتى أننا قرأنا لسفراء قطريين تصريحات تعبر عن “تفهم” الدوحة لحساسية الموقف الذي تجد بعض الدول نفسها فيه، في إشارة لموقف الرئيس عمر حسن البشير على أقل تقدير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى