نقد مقال “من صراع الهويّات إلى أفق الإنسانيّة” والدولة يعقب

نقد مقال “من صراع الهويّات إلى أفق الإنسانيّة” والدولة يعقب
كتب: عبداللطيف جعدان
الأربعاء 29 أبريل 2026-
عزيزي الأستاذ حسن الدولة
تحيّة طيّبة وبعد…
قرأتُ مقالك “من صراع الهويّات إلى أفق الإنسانيّة” وأجدني اتّفق معك في أنّ الدولة الوطنيّة هي المخرج والحلّ الجامع ولكنّ الشياطين تكمن في التفاصيل، إذ أنّ الدولة الّتي تبشّر بها قد تتحوّل إلى مجرّد هيكل إداري فاقد للروح ما لم ترتكز على هويّة وطنيّة صلبة، وبدون هذه الهويّة، فإنّ الذوبان في “أفق الإنسانيّة” الّذي تدعو إليه هو مآل محقّق، إذ لا يمكن للإنسانيّة أن تكون بديلاً عن الوطن، بل هي أفق له.
واسمح لي أن أضع ملاحظاتي حول متن المقال في النقاط التالية:
١- لقد وصفتَ الإسلام في مطلع مقالك بأنه “فكر أيديولوجي متحجّر”، وهو وصف يثير التساؤل: على ماذا استندتَ في هذا الحكم؟. إنّ وصف دين سماوي بهذا الإطلاق يخلط بين “الرسالة” في جوهرها وبين “الممارسة البشريّة” أو “التوظيف السياسي” لها. إنّ حصر الإسلام في خانة الأيديولوجيا المتحجّرة يغفل مرونته التأريخيّة وقدرته على التكيّف، ويجعل من نقدك يبدو كأنه يستهدف العقيدة ذاتها لا الانحرافات الّتي طرأت عليها.
بينما ركّزتَ على الصراع بين الإسلاميّين والحداثيّين، أغفلتَ صراعاً أكثر ضراوةً ينهش في جسد الدولة الوطنيّة اليوم، وهو صراع الهويّات الفرعيّة. فنحن نواجه استقطابات (زيديّة، شافعيّة، قحطانيّة، هاشميّة، وهّابيّة، سلفيّة، أصحاب مطلع، أصحاب منزل قبايل… إلخ). هذه الانقسامات المجتمعيّة هي التحدّي الحقيقي أمام الدولة، فالدولة الوطنيّة لا تترسّخ بمجرّد فصل الدين عن السياسة، بل بقدرتها على صهر هذه الانتماءات الضيّقة في هويّة وطنيّة جامعة تحول دون تفتّت المجتمع.
٣- يلحظ القارئ في مقالك طغياناً واضحاً للمرجعيّة الغربيّة، فقد استشهدتَ بسبعة مفكّرين غربيّين (فولتير، ميل، نيتشه، غوته، كانط، بوبر، وشيشرون)، في حين اكتفيت بأربعة مفكّرين عرب (ابن خلدون، بن نبي، الجابري، وأركون). واللافت أنّ إثنين منهما (الجابري وأركون) يمثّلان في طروحاتهما ومنهجهما امتداداً للفكر الغربي وأدواته التحليليّة. هذا الخلل في التوازن المرجعي يضعف من قدرة المقال على مخاطبة الوجدان المحلّي، ويجعل الحلول المطروحة تبدو وكأنها صدى لنقاشات نشأت في سياق غربي مختلف تماماً عن واقعنا المشبع بالخصوصيّة.
٥- لقد صوّرتَ اصطفاف الفقهاء مع الدولة كأداة موجّهة حصراً ضد “المثقّف المتمرّد”، وفي هذا اجتزاء للتأريخ. فكثير من الفقهاء اصطفّوا مع الدولة ليس رغبةً في القمع، بل حفاظاً على كيان الدولة من الفوضى والانهيار الشامل، أو حمايةً للمجتمع من الانقسامات الّتي قد تطيح بالأمن العام. إنّ علاقة الفقيه بالسلطة كانت معقّدة ومرتبطة بضرورات “حفظ بيضة الجماعة”، ولم تكن دوماً مجرّد خصومة مع التجديد والمثقّفين.
والخلاصة:
إنّنا نريد دولةً وطنيّةً قويًةً، لكنّها الدولة الّتي تملك “هويّةً” تنبع من تأريخها وقيمها، لا الدولة التي تستورد هويّتها من مرجعيّات خارجيّة أو تذوب في إنسانيّة هلاميّة. الدولة الوطنيّة هي الحصن ضد الهويّات الفرعيّة الممزِّقة، وهي الإطار الّذي يجب أن يتصالح مع الدين كجزء من الهويّة لا كعدوٍّ لها. تحيّاتي.
تعقيب للكاتب
عزيزي الأستاذ عبداللطيف جعدان
تحيّة واحترامًا وبعد:
سعدتُ كثيرًا بقراءتك المتأنّية لمقالي الموسوم بـ: «من صراع الهويّات إلى أفق الإنسانيّة»، وبما تفضّلتَ به من ملاحظاتٍ جادّة تعكس حرصًا مشتركًا على قضايا الدولة والهويّة، وهو ما أقدّره عاليًا.
ولعلّ أوّل ما أودّ توضيحه هو ما أشرتَ إليه بشأن وصفي للإسلام. إذ إنني لم أصف الإسلام بوصفه رسالةً سماويّةً بالفكر المتحجّر، وإنما قصدتُ «الإسلام الأيديولوجي» بوصفه منتجًا بشريًا تاريخيًا، يخضع لشروط الزمان والمكان، ويُحاكم ضمن سياقاته السياسية والاجتماعية. وأنا أفرّق بوضوح بين «العقيدة» بوصفها وحيًا إلهيًا غايته أخروية، وبين «الأيديولوجيا» بوصفها توظيفًا بشريًا للدين في المجال الدنيوي.
فالدين، في جوهره، علاقة بين العبد وربّه، وقد حسم القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، وقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، بما ينفي أي وصاية بشرية على الإيمان. كما أن مآلات الناس الأخروية تبقى في علم الله وحده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ومن هذا المنطلق، فإن ادّعاء القيمومة على الدين، أو احتكار تفسيره وتوظيفه سياسيًا، هو في نظري مدخلٌ للفتنة، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. فالمقصود هنا تحرير الدين من التوظيف القسري، لا فرضه بالقوة.
أما الشريعة، فهي مجال الاجتهاد البشري الذي يتغيّر بتغيّر المصالح والأحوال، وهو ما يفهم من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، حيث جاء الخطاب بصيغة «منكم» الدالة على التنوّع البشري، لا التوحيد القسري للنماذج. وهذا يؤكد أن التشريع في شؤونه التفصيلية خاضع لاجتهاد المجتمعات وفق مصالحها.
وانطلاقًا من ذلك، أرى أن تسييس الدين يفسده، كما أن تديين السياسة يشوّهها. فالدين حين يتحوّل إلى أداة صراع سياسي يفقد صفاءه، والسياسة حين تُغلّف بالمقدّس تفقد قابليتها للنقد والمراجعة.
أما فيما يتعلق بمسألة الهويّات الفرعية، فأنا أتفق معك في خطورتها، بل أذهب أبعد من ذلك إلى ضرورة تجريم كل دعوى تمزّق النسيج المجتمعي—سلالية كانت أو مذهبية أو جهوية—على أن يشمل ذلك جميع الهويات، بما فيها الهوية الدينية ذاتها، بحيث تظلّ جميعها هوياتٍ فرعية تستظلّ بهويّة جامعة هي «الهويّة الوطنية». فهذه الأخيرة هي الإطار الوحيد القادر على صهر التعدّد دون إلغائه، وضمان التماسك دون القمع.
وفيما يخص ملاحظتك حول المرجعية الغربية، فإن استشهادي بفلاسفة عصر التنوير لم يكن انبهارًا بقدر ما هو بحث عن أدواتٍ مفهومية لمعالجة إشكال الدولة الحديثة. ذلك أن تراثنا الفقهي—مع عظيم قيمته—لم ينتج نظرية متكاملة في الحكم السياسي بالمعنى المؤسسي الحديث. فمعظم ما كُتب، كـ«الأحكام السلطانية»، كان توصيفًا أو تبريرًا لوقائع تاريخية أكثر منه تأسيسًا نظريًا لنظام حكم قابل للتعميم.
ويكفي أن نشير إلى أن أنماط انتقال السلطة في التاريخ الإسلامي لم تستقر على نموذج واحد: من بيعة وُصفت بأنها «فلتة»، إلى التعيين، إلى الشورى المحدودة، وهو ما يعكس غياب نظرية سياسية مكتملة الأركان. وهذا لا ينتقص من التراث، بل يضعه في سياقه التاريخي.
ومن هنا دعوتي إلى الاستفادة من التجربة الإنسانية، بما فيها الفكر السياسي الغربي، لا لاستنساخه، بل لإعادة صياغته بما يتلاءم مع واقعنا. فالديمقراطية—بما تقوم عليه من حريات ومواطنة ومساءلة—ليست نقيضًا لقيم الإسلام في جوهرها، بل يمكن أن تكون إحدى أدوات تحقيق مقاصده في العدل ورفع الظلم.
وفيما يتعلق بعلاقة الفقهاء بالسلطة، فأنا لا أنكر تعقيدها، ولا أختزلها في بعدٍ واحد، لكنني أؤكد أن التاريخ يُظهر أيضًا أن هذه العلاقة كثيرًا ما أفضت إلى تحالفٍ حدّ من حرية التفكير، وأعاق تطوّر المجال العام، وهو ما يستدعي إعادة النظر فيها ضمن إطار الدولة الحديثة القائمة على الفصل بين السلطات.
وخلاصة القول، إن مشروع الدولة الوطنية الذي أدافع عنه لا يقوم على نفي الدين، بل على تحريره من التوظيف السياسي، ولا على إلغاء الهويات، بل على تنظيمها ضمن إطار جامع، ولا على استنساخ الخارج، بل على التفاعل الخلّاق معه.
أجد في مداخلتك إضافة نوعية للنقاش، وأتطلع إلى استمرار هذا الحوار بما يخدم وعينا الجمعي، ويقرّبنا من بناء دولة عادلة تتّسع للجميع.
مع خالص التقدير.
اقرأ أيضا:من صراع الهويات إلى أفق الإنسانية: الدولة الوطنية كحلّ جامع




