الاغتيالات الإسرائيلية… انتصار إعلامي أم استراتيجية ناجعة؟

الاغتيالات الإسرائيلية… انتصار إعلامي أم استراتيجية ناجعة؟ تحليل استراتيجي في ضوء تاريخ سياسة القتل المستهدف
بقلم الدكتور: عبدالرحمن المؤلف
الجمعة 20 مارس 2026-
منذ تأسيسها عام 1948، اعتمد الكيان الصهيوني في كثير من الأحيان على ما يُعرَف بـ “الاغتيالات” أو “العمليات الاستباقية” كأداة في سياق صراع طويل مع القوى التي يعتبرها خصومًا أمنيين. تراوحت أهداف هذه العمليات بين شخصيات وأجهزة عسكرية وسياسية، من الفلسطينيين إلى قيادات في دول عربية وإقليمية، وقد حظيت هذه السياسة باهتمام إعلامي واسع طوال عقود.
لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الاغتيالات تؤدي إلى نتائج استراتيجية حقيقية أم أنها في كثير من الأحيان تمثل انتصارًا إعلاميًا أكثر من أي فائدة عملية؟
1. تاريخ الاغتيالات: بين السياسة والأداة الأمنية
من أبرز الحوادث التي تُذكر في سياق الاغتيالات منذ منتصف القرن الماضي:
غسان كنفاني (الكاتِب الفلسطيني) – اغتيال في لبنان عام 1972، بسبب فكره وتأثيره الثقافي والسياسي.
أبو جهاد (خليل الوزير) – اغتيال في تونس عام 1988، القيادي البارز في منظمة التحرير الفلسطينية.
فتحي الشقاقي (مؤسس الجهاد الإسلامي) – اغتيال في مالطا عام 1995.
أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي (قيادات حماس) – اغتيالا عام 2004.
عماد مغنية (قائد في حزب الله) – اغتيال في دمشق عام 2008.
قاسم سليماني (قائد فيلق القدس) – اغتيال أمريكي في بغداد عام 2020، لكن إسرائيل دعمت هذه الخطوة استخباريا وسياسيا.
كل هذه الاغتيالات حققت تغطية إعلامية واسعة وأثارت ردود فعل دولية، لكنها لم تؤدِّ إلى إسقاط المنظومات التي كانت تمثلها هذه الشخصيات، بل غالبًا أدّت إلى:
تضخيم دور المؤسسة أكثر من الفرد.
صعود قيادات أكثر تشددًا وأقل قابلية للتسوية.
تعزيز روايات العدوان في المجتمعات المستهدفة.
هذه الخروقات في نتائج الاغتيال تُسجَّل في دراسات مراكز الأبحاث مثل معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) ومقالات تحليلية في Foreign Affairs حول تأثير الاغتيالات في النزاعات الحديثة.
2. بعد 7 أكتوبر: تكرار الاغتيالات ضد قادة المقاومة
بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، صعد الكيان الصهيوني من عملياته الاستهدافية، مستهدفًا:
قادة من المقاومة الفلسطينية في غزة
عناصر من محور المقاومة في لبنان وسوريا
هذه العمليات حملت رسائل إعلامية قوية: “يستطيعون الوصول إلى الخصوم في داخليهم”، لكن على المستوى الاستراتيجي أثّرت بشكل محدود على قدرة هذه الحركات على الاستمرار.
التجربة التاريخية تؤكد أن الاغتيالات ضد قيادات المقاومة لم تُضعف البنية الأساسية للمقاومة، بل أدّت إلى:
عمليات ردّ متسارعة
تعزيز الشعور الجماعي بالمقاومة
صعود قيادات أكثر حسمًا في خياراتها
والدافع هنا ليس فقط الردع العسكري، بل أيضًا تسويق صورة قوة إعلامية تثبت أنّ الكيان قادر على الوصول إلى شبكات الخصم.
3. الاغتيالات داخل إيران: تحليل استراتيجي متوازن
في السنوات الأخيرة، تحدثت تقارير وتناقلت وسائل إعلام عالمية، وأكدت بعض المصادر الرسمية في طهران وإسرائيل أن قيادات معينة في إيران تعرضت لسلسلة من الاغتيالات أو الاستهدافات المباشرة، من بينها مسؤولون كبار في الأجهزة الأمنية ودوائر صنع القرار.
هذه العمليات استُخدِمت في الإعلام الإسرائيلي كـ “إنجاز أمني كبير”، لكنها تحمل أكثر من دلالة:
رسالة ردع إعلامية قوية:
تفيد بأن الكيان يستطيع الوصول إلى قلوب أنظمة خصومه، حتى داخل العمق الجغرافي والسياسي.
التغطية على نقاط ضعف أخرى:
يقابل هذا الخطاب غالبًا فشلًا في تحقيق أهداف ميدانية واضحة في ساحة القتال، أو في حماية القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة كما تظهرها تقارير عدة.
تسويق صورة نفوذ استخباراتي:
ردود الفعل الإعلامية والإسرائيلية عن كيفية تنفيذ هذه العمليات تسهم في تعزيز نفوذ الأجهزة الأمنية في تل أبيب على المستوى الإعلامي.
لكن من الناحية الاستراتيجية، تقدّم هذه الاغتيالات انتصارًا إعلاميًا أكثر من أنها تُحدث تحوّلًا إستراتيجيًا، وهو ما يتطلب تحليلًا واضحًا:
4. لماذا الاغتيالات غالبًا انتصار إعلامي وليست انتصارًا إستراتيجيًا؟
أ. الدولة لا تُدار بواسطة شخص واحد
الدول الحديثة – ومنها إيران – ليست مُسيَّرة بواسطة الأفراد فقط، بل عبر مؤسسات:
مجلس الشورى
مجلس الخبراء
الأجهزة الأمنية
مؤسسات صنع القرار
الكوادر المؤسسية
لذلك فإن قتل شخصية، مهما كانت مركزية، لا يعني انهيار النظام أو إسقاطه.
دراسات في السياسة الدولية يشير إليها باحثون مثل مايكل وولف وجون ميرشايمر أن السياسات المؤسسية تتجاوز تأثيرات أفراد بعينهم.
ب. صعود قيادات أكثر تشددًا بعد الاغتيالات
الخبر التاريخي يشير إلى أن الذي يلي القادة الذين يُستهدفون غالبًا يكون:
✔ أكثر صلابة سياسية
✔ أكثر تشددًا في اتخاذ القرار
✔ أكثر استعدادًا للرد أو التصعيد
✔ أقل استعدادًا للتفاوض
هذا بسبب دوافع الثأر والانتقام التي تصبح جزءًا من حسابات صنع القرار.
وهذا ما يلاحَظ في تحولات سلوك حركات المقاومة بعد اغتيالات قياداتها، بما في ذلك صعود أشخاص كانوا أكثر تشددًا في الخيارات العسكرية والسياسية.
ج. اغتيال العقل البراغماتي… ولماذا هو انتصار إعلامي فقط
العقيدة الإسرائيلية تفضل في كثير من الأحيان استهداف من ترى فيهم “العقل العاقل” لدى خصومها، مثل القادة الذين يمتلكون خبرة تفاوضية في الملفات الحساسة (مثل النووي).
لكن حتى في هذه الحالة، ما يحدث ليس بالضرورة إضعاف النظام، بل تحويل الصراع من المنحى الدبلوماسي المنضبط إلى منطق المواجهة المطلقة.
وهنا يكمن الانتصار الإعلامي:
إبقاء المشهد في الإعلام وكأنه “تحوّل إستراتيجي ناجح”، بينما في الواقع:
النظام لا يستسلم
الخيارات التفاوضية تضعف
خيارات التصعيد تتزايد
5. النتائج الإستراتيجية الحقيقية للاغتيالات
إذا وضعنا كل الأدلة معًا، تظهر الحقائق التالية:
أ. الاغتيالات حققت انتصارًا إعلاميًا
تمكّنت إسرائيل من رسم صورة قوة وتعقّب داخلي
الإعلام الغربي تلقف الرواية بسرعة
خصوم النظام المستهدف انتهى بهم الحال متأخرين في الرد الإعلامي
ب. الاغتيالات لم تحدث تغييرًا إستراتيجيًا حقيقيًا
النظام لا يزال قائمًا
خيارات المقاومة لا تزال قوية
التفاوض الدبلوماسي لم ينته — بل أصبح أكثر صعوبة
ج. العائد العسكري محدود
عمليات الاغتيال وحدها لا تُحدث تأثيرًا ميدانيًا كبيرًا إذا لم ترتبط باستراتيجية شاملة.
6. الخلاصة: الاغتيالات كأداة إعلامية وليست كأداة استراتيجية
في صراع مع قوى مؤسسية مثل إيران أو حركات مقاومة منظمة:
الاغتيالات يمكن أن تكون أداة إعلاميّة فعّالة
لكنها نادرًا ما تكون أداة إستراتيجية ناجعة بإحداث تغيّر حقيقي في موازين القوة
وغالبًا ما تؤدي إلى تصعيد غير متوقع بدلًا من تسوية سياسية
بعبارة أخرى:
الاغتيالات كانت – وما زالت – انتصارًا إعلاميًا في المشهد الدولي، وصورةً تلفزيونيةً قوية، وليست غالبًا انتصارًا إستراتيجيًا حقيقيًا يمكن أن يغيّر مسار صراع طويل الأمد.
المراجع الأساسية
� معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) – دراسات النزاعات والاغتيالات
� Foreign Affairs – تحليلات حول تأثير قتل القادة على السياسات الدولية
� تقارير BBC / Al Jazeera / Reuters حول عمليات الاغتيال وتبعاتها
� Ronen Bergman – Rise and Kill First (تحليل تاريخي لسياسات الاغتيالات)


