أخبار عربي ودولي

واشنطن تدير “غرفة سيناريو” عالمية لصناعة الوعي.. بحث جديد للمركز الجيوسياسي يفكك آلات الهيمنة الإعلامية الأمريكية

واشنطن تدير “غرفة سيناريو” عالمية لصناعة الوعي.. بحث جديد للمركز الجيوسياسي يفكك آلات الهيمنة الإعلامية الأمريكية

السبت 2 مايو 2026- صوت الشورى – خاص

في مشهد إعلامي عالمي تغرق فيه الشعوب بطوفان من السرديات المتناقضة، يصدر “المركز الجيوسياسي للدراسات الاستراتيجية” بحثًا موسعًا يكشف الستار عن أكبر عملية هندسة للوعي الجمعي في التاريخ، تحت عنوان: “الهيمنة الأمريكية على المنصات الإعلامية وصناعة الوعي العالمي: آليات السيطرة، السيناريوهات المتغيرة”.

يقف القارئ أمام مشهد سينمائي حقيقي: في سبعة أشهر فقط، نجحت لجنة كريل خلال الحرب العالمية الأولى في تحويل الرأي العام الأمريكي من النزعة الانعزالية إلى الحماس للحرب. كان الدرس واضحًا: يمكن هندسة العقول إذا تم التحكم في تدفق المعلومات. ومنذ تلك اللحظة، كما يوثق البحث، لم تتوقف واشنطن عن بناء “الآلة”. ففي الحرب الباردة، مولت وكالة المخابرات المركزية مجلات أدبية ومعارض فنية ومؤتمرات دولية، ليس بدافع حب الثقافة، بل لترويج الحداثة الليبرالية الأمريكية كبديل متفوق على الشيوعية. ثم جاءت “أوروبا الحرة” و”صوت أمريكا” لتزرعا بذور الشك خلف الستار الحديدي.

لكن النقلة النوعية حدثت مع حرب الخليج الأولى عام 1991، حين أسست CNN لمفهوم “تلفزيون الواقع الحي” تحت رقابة عسكرية صارمة، لتتحول الحرب إلى عرض تكنولوجي نظيف خالٍ من الدماء. ثم في غزو العراق عام 2003، ظهر تكتيك “الصحافة المدمجة” الذي جعل المراسل جزءًا من الوحدة العسكرية، ليتحول لا شعوريًا إلى بوق للدعاية.

وهنا يكشف البحث عن المفهوم الأكثر إثارة: “عمارة السيناريو”. فالقصة لم تعد مجرد خبر يُبث، بل هي بناء متكامل لواقع موازٍ. في غرف مغلقة داخل مراكز أبحاث ووكالات استخبارات، تُصمم سيناريوهات رئيسية مثل “الضغط الأقصى يؤدي لانهيار النظام من الداخل”. ثم تُبنى حولها سيناريوهات فرعية دائمة التغير: إن خرجت احتجاجات اقتصادية، يُبث سيناريو “ثورة الجياع”. وإن كانت نسائية، يُطلق سيناريو “انتفاضة الحرية”. وإن اجتمعتا، يدمجان في سيناريو “الانتفاضة الوطنية العارمة”. هذا التكيف المستمر يضمن أن تكون السردية حية ومتفاعلة، وليست مجرد دعاية جامدة.

أما من يجسد هذه السيناريوهات على الشاشات؟ هنا تأتي مرحلة “الملء البشري” . يتم تجنيد باحثين وأكاديميين وإعلاميين عبر منح دراسية وزمالات بحثية، ليصبحوا “الشهود الموثوقين”. عندما يخرج محلل من طهران على قناة “إيران إنترناشونال” الممولة أمريكيًا، ويتحدث بثقة عن “انشقاقات وشيكة في الحرس الثوري”، فهو ليس مجرد محلل – وفق البحث – بل “عنصر فاعل في تجسيد سيناريو تفكك النظام”. هذه الطبقة من الوكلاء تمنح السردية جسدًا بشريًا ومصداقية محلية لا يمكن أن توفرها الدعاية الأمريكية المباشرة.

ولإضفاء طابع العلم والموضوعية، يتم تغذية هذه السيناريوهات بـ “الإحصاءات المصنعة”. تظهر فجأة مراكز أبحاث ومؤسسات استطلاع رأي بأسماء رنانة، تنشر تقارير دورية بأرقام وإحصاءات تخدم السيناريو. قد تزعم دراسة أن 80% من القوات المسلحة مستعدة للانشقاق، أو أن التضخم بلغ أرقامًا فلكية تفوق التقديرات الرسمية بأضعاف. هذه التقارير المصممة بشكل احترافي تجد طريقها بسرعة إلى وسائل الإعلام الكبرى التي تستشهد بها كأدلة دامغة، ويتم تداولها على وسائل التواصل كحقائق مسلّم بها.

وتمثل إيران، وفق البحث، هدفًا مركزيًا ومستمرًا لواحدة من أطول وأضخم عمليات الحرب النفسية الإعلامية في التاريخ المعاصر. منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت إيران إلى “العدو المخيف” الذي يبرر الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ومبيعات الأسلحة لعملاء واشنطن. أول السيناريوهات وأكثرها استمرارية هو “النظام على وشك الانهيار”. في كل احتجاج، حتى لو كان لعشرات العمال المتأخرين عن رواتبهم، تطلق الآلة الإعلامية عنانها لتروج أن “هذه هي النهاية”، وأن النظام فقد شرعيته، وأن الشعب الإيراني بأسره ينتفض. يتم تجاهل حقيقة أن احتجاجات محدودة ومطلبية تحدث في كل دول العالم، ويتم عزل إيران كحالة استثنائية من الانهيار الحتمي.

وبالتوازي، يعمل سيناريو “الانقسام الحتمي” الذي يركز على إبراز ونحت الشقاقات داخل النظام. تُروج التحليلات المدفوعة لفكرة وجود شرخ عميق بين المرشد الأعلى والحكومة المنتخبة، أو بين الحرس الثوري والجيش النظامي. يتم تضخيم أي اختلاف طبيعي في وجهات النظر إلى حد “الصراع الدموي الوشيك”، بهدف شل قدرة النظام على الفعل من خلال إيهام خصومه وحلفائه بأنه كيان متفكك وغير متماسك.

وهنا تبرز مفارقة كبرى يكشفها البحث: بعد اغتيال الشهيد قاسم سليماني عام 2020، تحولت الآلة الإعلامية بالكامل لترويج سيناريو “النصر الساحق”. ردد المحللون ومقدمو البرامج والمقالات الافتتاحية في الصحف الكبرى نفس الرسالة: “إيران انتهت”، “تم تفكيك الإمبراطورية الإيرانية”، “لم يعد لإيران وجود في المنطقة”. وتم تجاهل حقيقة أن الرد الإيراني بقصف قاعدة عين الأسد كان الأضخم من نوعه ضد قوات أمريكية منذ عقود. هنا، عملت الآلة الإعلامية على سد الفجوة بين الواقع الميداني ومتطلبات الرواية الأمريكية المنتصرة.

أما احتجاجات 2022 التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني، فتمثل تتويجًا لفن إدارة السيناريو. تم دمج ثلاثة سيناريوهات في سيمفونية واحدة: “ثورة الحرية” مع “انهيار النظام” و”قمع الحرس الوحشي”. وتحولت قنوات مثل “إيران إنترناشونال” إلى غرف عمليات إعلامية على الهواء، تستضيف انشقاقات مفبركة، وتنشر إحداثيات للقوى الأمنية تحريضًا على اغتيالهم. وفي الوقت نفسه، كشفت تقارير دولية كيف أن منصات فيسبوك وإنستغرام وتويتر خرقت قواعدها بشكل فج لتضخيم المحتوى المعادي للجمهورية الإسلامية، وهو ما كانت تحظره عادة في سياقات أخرى.

ويكشف البحث أن الهدف النهائي من هذه الحرب النفسية الدائمة ليس فقط تغيير النظام، بل هو أوسع بكثير. الهدف الأول هو فرض الهزيمة النفسية الدائمة، من خلال القصف اليومي برسائل اليأس والخذلان والفساد والوحشية، لتحويل المجتمع النابض بالحياة إلى كتلة محبطة منهكة تستسلم للعقوبات والصعوبات الاقتصادية. الهدف الثاني هو عزل إيران أخلاقياً لتبرير العقوبات القاسية، تحت شعار “إجبار النظام على احترام حقوق الإنسان”. والهدف الثالث هو إدارة التصورات الإقليمية والدولية، حيث كان سيناريو “انهيار الإمبراطورية الإيرانية” موجهاً لحلفاء أمريكا في الخليج وإسرائيل لطمأنتهم، ولحلفاء إيران لزرع الشك في قدرتهم على الصمود.

ويختم البحث برسالة أمل: “إن فهم هذه الآلية هو الخطوة الأولى والأساسية نحو تفكيكها”. لا يمكن مواجهة “الغرس” الإعلامي إلا عبر تطوير “مناعة سردية” تبدأ بالتربية الإعلامية النقدية، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة: من يقول هذا؟ لماذا يقوله الآن؟ ما الذي لا يُقال؟ ومن المستفيد من هذه القصة؟

ويدعو البحث إلى الاستثمار في بناء منصات وروايات مستقلة قادرة على تجاوز الاحتكار الأمريكي للبنية التحتية الرقمية، وخلق تحالفات بين الدول الراغبة في كسر احتكار وادي السيليكون للفضاء العام الإلكتروني، وتطوير بروتوكولات إنترنت لا تخضع لهوى الإدارة الأمريكية.

ويوجه البحث رسالة خاصة للقارئ العربي “الذي يجد نفسه غارقًا في طوفان من السرديات المتناقضة”: استعادة الوعي النقدي، في زمن احتكار السردية، هي الخطوة الأولى على طريق التحرر من الهيمنة الناعمة التي تسعى إلى اختطاف عقولنا قبل أرضنا.

والخلاصة كما يرى البحث ان “الاستراتيجية الأمريكية في التحكم بالمنصات الإعلامية هي محاولة لاختطاف المستقبل من خلال التحكم في الحاضر. والتحرر من هذه الهيمنة لا يبدأ بقمر صناعي أو منصة جديدة، بل يبدأ أولاً بلحظة وعي، حين ينظر الفرد خلف الشاشة ليسأل: من يحرك الخيوط؟”

اقرأ أيضا:باكستان .. العملية الدبلوماسية لوقف الحرب بين واشنطن وطهران فعالة ومثمرة ومستمرة

اقرأ أيضا: الهيمنة الامريكية على المنصات الاعلامية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى