دراسة للمركز الجيوسياسي للدراسات الاستراتيجية تطرح رؤية شاملة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وبناء سيادة غذائية مستدامة في اليمن

دراسة للمركز الجيوسياسي للدراسات الاستراتيجية تطرح رؤية شاملة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وبناء سيادة غذائية مستدامة في اليمن
صوت الشورى- خاص
الجمعة 26 يونيو 2026-
أصدر المركز الجيوسياسي للدراسات الاستراتيجية دراسة بحثية معمقة ومكثفة تحت عنوان “استراتيجية الزراعة في اليمن وأفق الاكتفاء الذاتي: مقاربات الماء والأرض والسيادة في التنمية الزراعية وإدارة الموارد”، قدمت من خلالها قراءة استشرافية وتحليلاً بنيوياً شاملاً لواقع القطاع الزراعي في اليمن، واضعةً ملف الأمن الغذائي في مصاف عقيدة الأمن القومي وأولويات السيادة الوطنية. وتنطلق الدراسة من رؤية سردية متكاملة تتجاوز النظرة التقليدية للاقتصاد الزراعي، لتقدم معالجات جذرية لثلاث معضلات رئيسية تتمثل في إدارة شح المياه، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمزارع، وتأميم سلسلة التوريد الاستراتيجية لحماية الأسواق، مستلهمة في الوقت ذاته الدروس المستفادة من تجارب دولية بارزة كإيران وكينيا وإثيوبيا لبناء نموذج يمني هجين يربط بين حماية الدولة وحيوية التكنولوجيا الرقمية.
وتناولت الدراسة بالتفنيد جغرافية المياه في اليمن، منتقدة النموذج المركزي التاريخي الذي يختزل الحلول المائية في بناء السدود العملاقة كمنشآت هندسية منعزلة، معتبرة أن هذا الأسلوب يخلق نقاط فشل أحادية ويؤدي إلى مركزية زراعية تهمش المرتفعات. وطرحت الدراسة بديلاً استراتيجياً يتمثل في “الحصاد المائي اللامركزي” عبر إعادة تأهيل المدرجات الحجرية الجبلية باعتبارها أعظم نظام تاريخي لحصاد المياه وإبطاء تدفقها لتغذية الينابيع، مع تطبيق آلية “سلسلة السدود المتتالية والمتناغمة” على طول مجاري الوديان؛ بحيث يعمل السد العلوي كبحيرة ترسيب للطمي، ويليه سد وسيط لتغذية الطبقات الجوفية الضحلة، وينتهي بسد أكبر للري والتخزين، مما يحول إدارة المياه من معادلة صفرية إلى نظام بيئي تكافلي، يرافقه تحديد دقيق للمناطق الزراعية البيئية عبر رسم خريطة وطنية للمحاصيل تضمن زراعة الصنف المناسب في المناخ المناسب كالبن في المرتفعات العالية والنخيل في السواحل.
وفي سياق متصل، بحثت الدراسة تعقيدات العقد الاجتماعي الزراعي، داعية إلى كسر دائرة الفقر والمضاربة التي تفرضها آليات السوق الحالية على المزارع الصغير باعتباره الحلقة الأضعف وتجعله متلقياً للسعر لصالح الوسطاء. واقترحت الدراسة نموذجاً للزراعة التعاقدية السيادية تصدر بموجبه الدولة “سعر ضمان” مجزٍ وملزم للشراء قبل بداية الموسم الزراعي لتبديد القلق الوجودي للمزارع وحثه على الاستثمار، على أن يدعم ذلك نظام تمويل ذكي يقدم “حزم تمويل عينية” تشمل البذور والأسمدة عبر بنك زراعي متعاون ومُعاد هيكلته، ويجري تسويتها إلكترونياً فور تسليم المحصول، بالإضافة إلى تأسيس نظام للتأمين الزراعي التكافلي يقي المزارعين من صدمات الكوارث الطبيعية والآفات كصمام أمان لاستمرارية الإنتاج.
وعلى الصعيد الاقتصادي، طالبت الدراسة بضرورة الفصل الفني والجذري بين وظيفتي الإنتاج والتسويق، بحيث يتفرغ المزارع للعمل الأرضي بينما تتولى مؤسسة سيادية عامة متخصصة عمليات ما بعد الحصاد والتخزين والتصنيع لحماية المنتجين والمستهلكين معاً. ويتضمن هذا المنظور إنشاء كيان وطني لتسويق المنتجات الزراعية يدير شبكة من مراكز التجميع الأولية وصوامع التخزين الاستراتيجية لتمثيل درع غذائي يحمى البلاد لستة أشهر، مع اعتماد معادلة تسعيرية ذات مسارين تضمن سعر شراء ثابتاً ومحفزاً للمزارع وسعر بيع مدعوماً للمواطن عبر صندوق لتثبيت أسعار الغذاء، بالتوازي مع هندسة دقيقة للطلب والعرض تقودها إدارة إحصائية لدراسات الاستهلاك، وتفعيل ذراع التصنيع الغذائي التحويلي لاستيعاب الفوائض الموسمية كالفواكه والطماطم وتحويلها إلى قيمة مضافة تخلق فرص عمل ريفية وتحد من فاتورة الاستيراد.
واختتم المركز الجيوسياسي دراسته بتشريح منظومات النجاح في تجارب دولية ثلاث، مبيناً كيف حولت إيران عقوبات الحصار إلى “اقتصاد مقاومة” حقق اكتفاءً ذاتياً تجاوز 98% في القمح من خلال سياسة أسعار الضمان المرتفعة والإدارة الصارمة عبر الشركة الحكومية لتجارة الحبوب، وكيف أحدثت كينيا ثورة تكنولوجية ومالية حررت صغار المزارعين وربطتهم بسلاسل القيمة العالمية للشاي والبستنة عبر منصات الدفع الفوري والبيانات الرقمية بواسطة الهاتف المحمول، وكيف نجحت إثيوبيا في تحويل المساعدات الإنسانية الإغاثية المؤقتة إلى أصول إنتاجية مستدامة من خلال برنامج العمل مقابل حصاد المياه لإعادة بناء المدرجات. وتؤكد الدراسة في خلاصتها أن أزمة الغذاء في اليمن ليست قدراً جغرافياً بل هي أزمة سياسات ومؤسسات، مشددة على أن الدمج بين قبضة الدولة الحامية في تأمين الحبوب الأساسية ويد السوق الرقمية الذكية في تسويق منتجات التصدير عالية القيمة هو المسار الحتمي لصناعة إرادة يمنية تحقق النهضة والسيادة والكرامة.
اقرأ أيضا:وزارة الزراعة تأمل من وسائل الإعلام مساندتها لإحداث نهضة زراعية


