اخبار محليةكتابات فكرية

اليمن والقرن الإفريقي علاقة جوار أزلية لا تعرف اللقاء

اليمن والقرن الإفريقي علاقة جوار أزلية لا تعرف اللقاء

بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

السبت 11 يوليو 2026-

    ساهم الموقع الجغرافي لليمن في جنوب غرب قارة آسيا، جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، في ارتباط اليمن بعلاقة جوار كبيرة مع منطقة القرن الإفريقي، التي تشكل الضفة الغربية والجنوبية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن. وكان لهذا التداخل الجغرافي دورٌ حاسم في تنمية العلاقات وتنوعها سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، منذ القدم، بين ضفتي البحر الأحمر الجنوبية، التي أثرت وتأثرت مع بعضها البعض بسبب القرب الجغرافي، وانتقال النفوذ السياسي تارة، والعادات والتقاليد تارة أخرى، ومثّل ذلك نوعاً من الروابط التي عمقت التقارب، لاسيما البعد السياسي وعملية النفوذ المرتبطة به، منذ الاستيطان السبئي الأول في الساحل الشرقي لإفريقيا، وما ترتب على ذلك من تأثير وعادات وقيم، ونظم، وإدارة، وغيرها. ولما كانت تلك الروابط قد ترهلت سرعان ما تبدأ معها رحلة جديدة من التشابك الجديد وأبلغ صورة لذلك الاحتلال الحبشي لليمن، الذي استمر لفترات طويلة، لازالت شواهده وآثاره خالدة إلى اليوم، كما تبينه النقوش الصخرية المتعددة، وذلك يقودنا إلى معادلة سياسية أكثر وضوحاً تتميز بحركة التأثير المشترك بين ضفتي البحر الأحمر وخليج عدن، سواء كان ذلك سلباً أو إيجاباً.

  ارتبط مستوى العلاقات السياسية اليمنية مع القرن الإفريقي، خلال فترة التاريخ الإسلامي، بقوة نفوذ الدول اليمنية المستقلة عن الخلافة العباسية، لاسيما فترة حكم الدولة الرسولية التي تميزت بالقوة والسيطرة على اليمن نحو قرنين، وزادت عملية الترابط أكثر خلال فترة التاريخ الحديث، لاسيما مع ظهور الأوروبيين على مسرح الأحداث في مياه الشرق، إذ لعب التخادم المسيحي الحبشي البرتغالي دوراً في التأثير السياسي المرتبط بالنفوذ والتهديد العسكري لسواحل اليمن والمقدسات الإسلامية في الحجاز، مما استدعى زحف الجيوش العثمانية إلى اليمن والحجاز لإعادة ضبط العلاقات بين ضفتي البحر الأحمر. ومع انتهاء الدولة العثمانية، وظهور بريطانيا كقوة أوروبية حاكمة تمكنت من إعادة صياغة نفوذها السياسي من خلال إعادة رسم الخريطة السياسية لمنطقة جنوب البحر الأحمر وخليج عدن حسب مقتضيات مصلحتها بعد أن تمكنت من احتلال ميناء عدن عام ١٨٣٩م، والسيطرة على إقليم أرض الصومال، وإعادة هندسة خريطة القرن الإفريقي مع الدول الأوروبية الاستعمارية الأخرى، إيطاليا وفرنسا، اللتين عملتا معاً على خلق بؤر توتر لازالت المنطقة تعاني منها إلى اليوم، لاسيما تلك المتعلقة بموضوع توزيع القبائل وترسيم الحدود السياسية بين الدول التي أنشأها الاستعمار في المنطقة وشكلت بداية جدية لبؤر الصراع في المنطقة، خلقت معها مآسٍ كبيرة نتيجة العنف وتدفق اللاجئين نحو الضفة الأخرى من البحر الأحمر.

  بالرغم من القرب الجغرافي الذي ربط اليمن مع القرن الإفريقي، لم تشهد العلاقات السياسية تقدماً ملحوظاً في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولم تبلغ مستوى العلاقات حداً من التنسيق واللقاءات التي ترسم مصالح الإقليم بعيداً عن الأجندات والتبعية للمحاور الدولية التي انخرطت فيها دول المنطقة بنهاية الحرب العالمية الثانية، بعد ظهور ما يُعرف بالحرب الباردة التي انقسمت فيها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين متباينين ومتنافسين: الأول غربي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول الغرب، والآخر شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ومعه دول أوروبا الشرقية، والدول الاشتراكية الأخرى في العالم. وخلق ذلك حالة من الصراع السياسي المؤثر في شرق إفريقيا التي بلغت تبعيته اليمن التي انقسمت إلى دولتين جنوبية تسير في فلك المعسكر الشرقي، وشمالية مدعومة من قبل المعسكر الغربي، مع وجود حالة ملموسة من الحياد بين القوتين العالميتين. ورغم ذلك ألقت الأحداث العنيفة في القرن الإفريقي وفقاً للأجندات السياسية السالفة بظلالها على مستوى العلاقات السياسية بين الضفتين، بالرغم من أن العلاقات لم ترقَ لعقد تواصل مباشر بين دولتي اليمن ودول القرن الإفريقي لحل المشكلات السياسية العالقة داخل دول القرن الإفريقي، بعيداً عن أجندات التنافس المرتبط بالحرب الباردة، فكانت العلاقات مرتبطة بتلك الأجندات.

  إن الشيء الواضح والأكثر تواصلاً بين ضفتي البحر الأحمر وخليج عدن ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمور غير الرسمية، وبعيداً عن أي مستوى دبلوماسي يمكن رصده، عند قراءة طبيعة العلاقات ومستواها والمشاريع السياسية المرتبطة بها، بل اقتصر الأمر على تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين والنازحين الباحثين عن بيئة آمنة هرباً من جحيم الحرب التي نشبت في القرن الإفريقي بين الحين والآخر، وشكلت اليمن القبلة التي قصدها الآلاف من النازحين، الذين وجدوا في اليمن ملاذاً آمناً لقربه من السواحل الإفريقية، وكان لذلك تأثير ضاغط على الجوانب السياسية والاقتصادية في اليمن، التي كان لها إسهامات مباشرة في التدخل في الصراع في القرن الإفريقي لصالح أجندات التنافس المرتبط بالحرب الباردة، إلى جانب إسهامات كبيرة وغير مباشرة بدوافع قومية لدعم المقاومة العربية في إريتريا ضد الاحتلال الإثيوبي، وتُوّج ذلك بالاستقلال التام عام ١٩٩٥م. ورغم ذلك استمر الفعل السياسي المؤثر في العلاقات التي جانبها الكثير من التوتر بين اليمن الموحد ودولة إريتريا وليدة عهد الاستقلال باحتلال أرخبيل جزيرة حنيش الكبرى والصغرى، الأمر الذي حتم على اليمن السير باتجاه ضبط النفس محاولاً معالجة الأوضاع من خلال التفاوض بعيداً عن لغة المدفع التي كان من المخطط لها أن تجر اليمن إلى مستنقع صراع كبير لا يمكن التنبؤ بالانتصار فيه. ورغم ذلك قادت الحكمة اليمنية إلى معالجة المشكلة وانتزاع الحق اليمني من خلال التحكيم الدولي الذي اعاد الجزر لليمن، ولم تكن تلك نهاية لعملية التأثير الكبير الذي كان اليمن يتعرض له بين الحين والآخر، من دول الجوار في القرن الإفريقي، إذ استمرت معاناة اليمن مع الهجرة والنزوح المتفقة إليه منها، وهذا الباب لازال مفتوحاً دون إغلاق إلى اليوم.

  • د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام بجامعة ذمار

اقرأ أيضا:الخضر هارون يستعرض كتاب الفردية للأستاذ زيد بن على الوزير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى