اخبار محلية

متى تدرك الرياض أن مرتزقتها أصبحوا الخطر الأكبر على مصالحها؟

متى تدرك الرياض أن مرتزقتها أصبحوا الخطر الأكبر على مصالحها؟

 الجمعة 10 يوليو 2026-

محمد الفرح.. في حسابات السياسة الواقعية، لا تُقاس دعم الأدوات بضجيج الشعارات، بل بمعادلة صارمة قوامها “الكلفة والمنفعة”.

متى تدرك الرياض أن مرتزقتها أصبحوا الخطر الأكبر على مصالحها؟

فالأداة التي تفشل في تحقيق غرضها، وتتحول إلى مصدر استنزاف أمني وسياسي ومالي، تسقط عنها صفة “ورقة القوة”، لتغدو فخاً وعبئاً استراتيجياً يستوجب البتر.

وعندما يوضع صانع القرار السعودي أمام الواقع، متجرداً من التقارير المضللة، فالنتيجة الصادمة هي أن مرتزقته الذين اعتمدت عليهم الرياض، لم يعودوا استثماراً خاسراً، بل قنبلة موقوتة تهدد المصالح التي زُعم حمايتها.

وإذا كان مبرر الحرب تأمين العمق السعودي، فالسؤال اليوم: هل أنتجت هذه الأدوات استقراراً، أم أفرزت واقعًا جعل الرهان عليها مخاطرة استراتيجية كبرى، وتهديدًا مباشرًا للمصالح والمطارات والموانئ وطرق الملاحة؟

ويتضح فشل هذه الأدوات من خلال الآتي:

أولاً: فشل ميداني وعجز عن حماية مصالح الداعم

لم تستطع هذه الأدوات، رغم الدعم العسكري والمالي والغطاء السياسي لـ11عام، إحداث تغيير ملموس. وبدلاً من أن تكون درعاً متقدماً، تحولت لـ”ثقب أسود” يبتلع الموارد كملف استنزاف مفتوح. الخطر الحقيقي لا يكمن في الفشل الميداني فحسب، بل في أن الاعتماد على قوى عاجزة يراكم الأزمات، ويجعل الأمن السعودي مرهوناً بكيانات هشة لا تقوى على حماية نفسها.

ثانياً: فخ الولاءات المزدوجة

المفارقة الأكثر إيلاماً للرياض أن هذه الأدوات ارتهنت لحسابات إقليمية متباينة. فجزء يميل بولائه وينفذ أجندات أبو ظبي، وجزء مرتهن بولائه واجندته للدوحة وأنقرة، ولكلٍ أولوياته التي تتقاطع مع مصالح الجهة الداعمة. لقد وجدت الرياض نفسها “الممول المغفل” الذي يدفع الفاتورة الباهظة، بينما تقطف عواصم أخرى ثمار النفوذ.

وتتحول الرياض من “صانع قرار” إلى طرف يتحمل كلفة قرارات توجهها عواصم أخرى.

ثالثاً: عزلة شعبية تامة وتآكل للغطاء المحلي

أي مشروع سياسي يحتاج رافعة اجتماعية تفتقدها هذه الأدوات تماماً. في مناطق الشمال، حُسم الموقف برفض قاطع لهذه الكيانات ومشاريعها. وفي الجنوب يتصاعد الغليان الرافض لوجودها كاحتلال ينهب الثروات ويصادر القرار. هذا السقوط الشعبي يجرّد حكومة المرتزقة من الشرعية، ويجعل الدعم السعودي محاولة للسباحة ضد تيار جارف، تضع الرياض بمواجهة مباشرة مع إرادة شعب بأكمله.

رابعاً: تهديد المصالح الاستراتيجية الحيوية للرياض

إطالة الاعتماد على وكلاء متناحرين يهدد الرؤية الاستراتيجية الأوسع للسعودية. فاستمرار فوضى هذه الأدوات يجعل منها وكيلاً فاقد القيمة والوزن.

لا يمكن للسعودية بناء طموحات اقتصادية إقليمية بينما ترهن خاصرتها لعصابات تتصارع على إيرادات الجمارك، وشراء كميات العسل، والشقق في القاهرة واسطنبول، ما يجعلهم خطراً يضرب قلب مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

خامساً: صراعات الإخوة الأعداء

نتيجة فقدان هذه الأدوات أي مشروع وطني، غرقت بتصفيات وصراعات نفوذ ذاتية. هذا الانقسام حوّلها من أوراق لإدارة الصراع، إلى ملفات مزعجة تستهلك طاقة الرياض بفض الاشتباك بين “الإخوة الأعداء”.

الدولة التي تبني استراتيجيتها على هذه الأدوات لا تنتج حلولاً طويلة الأمد.

سادساً: سقوط رهان الوصاية والحسم العسكري

أثبتت سنوات الحرب أن فرض واقع سياسي أو استنساخ وصاية شبه مستحيل، إنما راكم التعقيدات وكشف حدود قدرة الرياض على هندسة واقع يمني خارج إرادة القوى الحرة الفاعلة الحقيقية. السياسة الواقعية لا تُبنى على الأمنيات، بل تتطلب قراءة موازين القوى، والاعتراف بأن تكلفة التمسك بأوهام الوصاية أصبحت أعلى من مكاسبها، ما يفرض مسارات بديلة.

ختاماً وأمام مشهد فشلت فيه الأدوات وتهاوت فيه رهانات الحسم العسكري، ما الجدوى من مكابرة الرياض بدعم أدوات أثبتت فشلها وتعددت ولاءاتها وباتت عبئاً يستنزف أمنها الاستراتيجي؟ إن التحولات الإقليمية لا ترحم المترددين، والدول الحصيفة تمتلك شجاعة التخلي عن الأوراق المحترقة.

لم يعد أمام الرياض إلا الانخراط الجاد والمباشر بمسار سياسي مع “صنعاء” لم يعد ترفاً أو “تنازلاً”؛ بل طوق النجاة الاستراتيجي الأخير للخروج من هذا المستنقع اليمني وحفظ ماء الوجه. فالتسويات التاريخية الضامنة للأمن القومي وتوقف الاستنزاف لا تُبنى مع عملاء مرتهنين، بل مع الطرف المركزي الفاعل الذي يمتلك قراره السيادي وقدرة إنفاذ أي التزام يتم التوصل إليه.

سبتمبر نت

اقرأ أيضا: من التماهي والتخادم إلى التصادم: تشريح انهيار التحالف السعودي الإماراتي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى