اخبار محلية

القاتل المسكوت عنه والمنتشر في مختلف الأحياء

القاتل المسكوت عنه والمنتشر في مختلف الأحياء

انتشرت في العاصمة صنعاء وفي مختلف الحافظات محطات تعبئة المياة والتي تعرف “بمياه الكوثر” وكذلك البراميل والدبات البلاستيكية الخاصة بهذه المحطات والتي تتواجد في جميع البقالات المنتشرة في مختلف الأحياء والشوارع.

ومع غياب الرقابة التامة من صحة البيئة ومن مختلف الجهات المختصة  أصبحت هذه المحطات مع براميلها ودباتها مصدر رئيسي لنقل الفيروسات والجراثيم وكل مكونات البكتيريا الضارة بصحة الإنسان والتي تؤدي في الأغلب إلى الوفاة.

هذه المحطات التي أصبحت القاتل المسكوت عنه ، والمنتشر في مختلف الأحياء ومختلف المدن والمحافظات.

الجدير بالذكر أن الصحفي المرحوم غمدان الدقيمي كان قد عمل تحقيق استقصائي بشكل مهني ،حول هذه القضية الهامة بتمويل من منظمة أريج للتحقيق الاستقصائي.

أحدى محطات تعبئة المياه

   مياه صنعاء الشحيحة مرتعاً للتلوث

 فكرة التحقيق تتمحور حول “مدى صلاحية مياه الشرب المعالجة جزئيا عبر منشآت خاصة (تسمى شعبيا بمياه الكوثر) في العاصمة اليمنية ‏صنعاء” تجول في ذهني منذ ما يزيد على الخمس سنوات، ومن بين عديد الأفكار التي ناقشتها في شهر يونيو الماضي مع أحد ‏الزملاء كانت هذه القضية هي الأكثر أهمية لأنها تعنى بسلامة وصحة ملايين اليمنيين، التي لم يتم مناقشتها أو تناولها إعلاميا ‏بصورة استقصائية دقيقة.‏

كان هدفي الأساسي من التحقيق هو: التأكد من سلامة هذا النوع من المياه وكشف الأمراض والمخاطر المحتملة، الناتجة عن شرب ‏هذا النوع من المياه التي يفضلها الكثير من المستهلكين (المواطنين) لرخص ثمنها (50 ريال يمني سعر عبوة 4 لتر) مقارنة بالمياه ‏المعالجة كليا (70 ريال لعبوة 0.75 لتر)، حاليا 100 ريال  ثم لأنها تباع مبردة ومتوفرة في كافة نقاط البيع والاستهلاك، فضلا عن أنها الحل المتاح ‏بالنسبة لغالبية السكان، في عاصمة تُعد الأفقر عربيا بالمياه.‏

خلال مرحلة البحث الأولي تحدثت مع مختصين وأطباء ومسؤولين حكوميين جميعهم أكدوا خطورة هذه المياه على الصحة العامة، ‏وأهمية الاستقصاء حولها.‏

أول عمل قمت به أثناء مرحلة التنفيذ الميداني وجمع المعلومات، النزول إلى منشآت معالجة مياه الشرب هذه في الخامس والسادس ‏من يوليو 2014م برفقة مخبري مختص في المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة، لأخذ عينات من مياه تلك المنشآت، إذ جمعنا ‏في اليوم الأول 8 عينات من 8 منشآت في شوارع متفرقة بالعاصمة صنعاء، وفي اليوم التالي أحضرت عينتين إضافية من تلك ‏المياه، وسلمت جميع العينات للمختبر.‏

وكانت نتائج الفحوصات المخبرية صادمة كما توقعنا، إذ كشفت أن 80% من العينات العشر ملوثة جرثوميا: 60% بالقولونيات ‏البرازية و 80% بالقولونيات الكلية”. وأثبتت الفحوص أن “20 % فقط من العينات صالحة للشرب جرثوميا”.‏

في الأثناء كنت قد اطلعت على دراسة بعنوان “الخصائص النوعية لمياه الشرب المعالجة جزئيا في مدينة صنعاء”، شملت 30 منشأة ‏خاصة بصنعاء ومقارنتها بنوعية مياه 43 بئراً أهلية و18 بئراً حكومية، والتي أعدها أكاديميون من كلية الطب بجامعة صنعاء، ‏ونشرت عام 2000 في المجلة الصحية لشرق المتوسط، الصادرة عن منظمة الصحة العالمية.‏

وقد كشفت الفحوص أن 16.7% فقط من العينات صالحة للشرب كيميائياً وجرثومياً؛ ورغم التوصيات والنتائج المهمة التي تضمنتها ‏تلك الدراسة إلا أنها بقيت حبرا على ورق، ولم تلتفت إليها الجهات الحكومية المختصة.‏

على الفور بعد استلامي نتائج التحاليل المخبرية الخاصة بالتحقيق قمت بعرضها على أطباء اختصاص وأكاديميين فأكدوا بأن ‏الاسهالات أهم مرض ينتقل بين المستهلكين بمجرد شرب هذه المياه الملوثة ميكروبيا، التي تتزايد خطورتها إلى حد الوفاة بالنسبة ‏للأطفال الرضع أو ما دون الخمس سنوات.‏

إلى جانب هذا رصدنا في ثلاث جولات متباعدة إلى المنشآت العشر المشمولة بالتحاليل المخبرية، عديد التجاوزات والمخالفات داخل ‏هذه المنشآت التي تفتقر غالبيتها للمواصفات والاشتراطات الصحية والبيئية الواجب توافرها في أماكن الإنتاج، بدءا من واجهاتها ‏ومساحتها الضيقة وعدم وجود عوازل تفصل بين المراحل الإنتاجية مرورا بعدم ارتداء العمال ملابس واقية وصولا إلى عدم نظافة ‏المكان ككل.‏

بالنسبة لمنهجية العمل التي اتبعتها والوثائق التي تم الاستعانة بها خلال التحقيق فهي كالتالي:‏

قمت بإجراء مقابلات (تسجيلات صوتية) لمعظم المصادر أو المتحدثين الذين قابلتهم والمشمولين بالتحقيق، وإجابات مكتوبة لبعض ‏المقابلات، وبعض المصادر رفضت تسجيل ردودها صوتيا أثناء مقابلتها فقمت بتدوين إجاباتها خطيا، ومن ثم عرضت عليهم ‏تصريحاتهم قبل اعتمادها للنشر، وكالمثل بالنسبة لمعظم المصادر المشمولة بتسجيلات صوتية.‏

وبالإضافة إلى نتائج التحاليل المخبرية، التي قمت بعرضها على جميع مالكي المنشآت العشر تقريبا، اعتمدت على مشاهداتي الخاصة ‏أثناء الجولات الميدانية إلى المنشآت، ورافقني في إحدى الزيارات مختص من الهيئة العامة للموارد المائية، الذي وافاني بملاحظاته ‏مكتوبة، فضلا عن رصد كاميرا الفيديو التي استخدمتها لتوثيق جانبا من الجولة الميدانية إلى المنشآت.‏

إلى جانب ماسبق، تم الاستعانة بإحصاءات صادرة عن إدارة صحة البيئة بمكتب الأشغال العامة في العاصمة التابع لوزارة الأشغال، ‏وإحصاءات صادرة عن وزارة الصحة العامة والسكان ومعلومات أخرى متاحة في وثائقها، إلى جانب معلومات متاحة صادرة عن ‏منظمة الأمم المتحدة للطفولة (الـيونيسف).‏

‏ كما استعنت ببنود تضمنها قانون الرقابة على الأغذية رقم (38) لسنة 1992م وتعديلاته بالقانون رقم (13) لسنة 2002م، وقانون ‏المياه رقم (33) لسنة 2002م وتعديلاته بالقانون رقم (41) لسنة 2006م، والقــرار الحكومي رقم (24) لسنة 1994م بشــأن “لائحة ‏مخالفات النظافة العامة وصحة البيئة”، والقرار الحكومي رقم 111 لسنة 2001م بشأن لائحة الاشتراطات الصحية لمتاجر تجهيز ‏وبيع المواد الغذائية وما في حكمها، إضافة إلى تعليمات الجهة الرقابية الحكومية، والمواصفات القياسية الصادرة عن الهيئة اليمنية ‏للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، وحديثي مع مسؤولين في الهيئة العامة للموارد المائية فرع صنعاء.‏

وبالتالي فإن إجمالي المصادر (المتحدثين) المشمولين بالتحقيق وصل إلى 21 متحدث، يشملون كافة الأطراف ذات العلاقة بالقضية، ‏إضافة إلى 12 وثيقة مختلفة.‏

الصعوبات:‏

‏ كانت أبرز الصعوبات التي واجهتني منذ بدء العمل بالتحقيق نهاية شهر يونيو الماضي، الوضع العام المتدهور (أمنيا، واقتصاديا، ‏واجتماعيا) الذي شهدته ولاتزال العاصمة صنعاء واليمن بشكل عام؛ وعدم توافر البيانات والإحصاءات الخاصة بمدى التزام المنشآت ‏بالشروط الصحية والبيئية المعتمدة لهذا القطاع، وغياب التنسيق بين الجهات الحكومية التي يفترض أن تكون مشتركة بالرقابة ‏‏(وزارة المياه والبيئة، وادارة صحة البيئة بمكتب الأشغال، وهيئة المواصفات والمقاييس …)، فضلا عن الفساد المالي والإداري في ‏هذا القطاع، كما هو حال مختلف القطاعات، ساهم كثيرا في غياب تفعيل آليات الرقابة والمتابعة، والسماح لمالكي هذه المنشآت ‏بالتحايل.‏

دبات مياه الكوثر

‏ وشملت الصعوبات أيضا عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة توضح حجم الضحايا (مصابين، وفيات) بالأمراض المعوية المختلفة ‏وعلى رأسها الاسهالات، وعدم وجود دراسات علمية أو تقارير متخصصة سبق وأن تحدثت عن وفيات أو إصابات ناجمة عن شرب ‏هذه المياه الملوثة.‏

ومن أهم الصعوبات التي واجهتني أيضا خلال مرحلة الاستقصاء الشاقة، عدم وفاء عديد المصادر بوعودها في الرد على ‏استفساراتي، ومماطلة بعض المصادر في التجاوب، ومعاناة طويلة قبيل الحصول على أرقام بالأمراض من وزارة الصحة، رغم انها ‏لا تمثل سوى جزء بسيط من الواقع الحقيقي.‏

وفوق ذلك يعد غياب الوعي الصحي أبرز الإشكالات القائمة، فعلى الرغم من إجماع عشرات الآباء والأمهات ممن التقيناهم في ‏العاصمة على أن “الإسهال” أهم مرض يصاب به أطفالهم دون الخامسة من العمر باستمرار، إلا أنهم يجهلون السبب الرئيس لهذا ‏المرض، بل إن غالبيتهم يعزونه إلى النمو وتحديدا ظهور الأسنان للطفل، ولا يدركون إن شرب هذه المياه الملوثة هي السبب الرئيس ‏للإصابة.

أقرأ أيضا:مدارس تحفيظ القرآن في اليمن: عمقٌ تاريخي وشغف لا ينتهي

أقرأ أيضا:التعليم في اليمن إلى أين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى