أما آن لهذا الليل الطويل أن ينجلي؟

أما آن لهذا الليل الطويل أن ينجلي؟
د. رياض الصفواني
الخميس 11 يونيو 2026-
يلح عليّ بين الحين والآخر سؤال يتيم: أما آن لهذا الليل أن ينجلي؟
ليلٌ جثم على صدر اليمن سنين طوال، لا نجوم فيه تهدي، ولا فجر يلوح في الأفق. ليلٌ امتد حتى صار قدراً، وغدت المعاناة وطناً داخل الوطن.
ثمة الكثير مما يجب قوله في منظومة الواقع الذي نعيشه، بدءاً بثقوب تمتلئ بها بنية النسيج الاجتماعي وانتهاءً ببقية جسد اقتصاد يتآكل كل يوم. مصير مجهول للحقوق العامة، وانقطاع المرتبات لم يعد خبراً مستهلكاً، بل معضلة مزمنة. تراكمت الديون حتى صارت هماً يثقل الكاهل، وسؤال سدادها كابوساً يقضّ المضاجع.
آلاف الموظفين الذين حلموا براتب يقيهم ذل الحاجة ويحفظ لهم ذرّة من الكرامة، أصبحوا يبحثون عن وسيلة تؤمّن لقمة تسكت بطونهم الخاوية وتقيم أودهم.
المعلم صانع الأجيال، والطبيب ماسح الألم، والمهندس باني المدن، والمحامي مُدافع المظلوم، والعامل الكادح… صاروا جميعاً طابوراً أمام بسطات الخضار ومتاجر الحبوب، يحسبون الريال قبل شراء كيس قمح، أو بالأحرى نصفه أو ربعه.
فقدان مصدر الدخل لم يعد فقدان رزق فقط، بل اغتيال للهُوية، وسلب للكرامة التي تعب آباؤنا عمراً ليغرسوها فينا.
التاجر كعمود للاقتصاد الوطني وفق القوانين الاقتصادية وحركة السوق، صار ضحية. فثمة بضائع كسدت، محلات أُغلقت، وبعض رؤوس أموال تبخرت أو غادرت بين ليلة وضحاها. الخسارة لم تكن في المال وحده، بل في الأمل. فالتاجر حين يخسر متجره، يخسر يقينه ومعه المستهلِك بأن الغد سيكون أفضل. وبعض الأسواق التي كانت تنبض بالحياة، صارت مهجورة تروي حكاية ظل وطن كان.
النزوح الداخلي حوَّل بعض المدن إلى مخيمات كبيرة، والخيام إلى بيوت لا سقف لها إلا السماء. والأقسى منه الشتات في الخارج، حين يصير اليمني غريباً في كل مكان. يحمل جوازاً لا يشفع له، ولهجةً يسخر منها الناس، وحنيناً يقتله كل يوم. اغترب عن وطنه، فاغترب عن نفسه.
والمؤلم ليس أن تُنزح من وطنك، بل أن تعيش فيه غريباً. تمشي في شوارع عواصم المحافظات شمالاً وجنوباً تائهاً، لا تعرف لمن تنتمي. تقطّعت أوصال الجسد اليمني، وانقسمت القلوب قبل الخرائط. تعددت الولاءات، وصار الأخ ينظر لأخيه كعدو محتمل.
اتسعت رقعة الفقر حتى ابتلعت الطبقة المتوسطة، فلم يبقَ إلا غني مترف، وفقير معدَم. وصارت البطالة مصير جيل، تخرج من الجامعات بشهادة معلقة على الجدار، يقابلها مستقبل معلق على المجهول. وتفشّت الأمراض المزمنة، لا لأن الداء أقوى، بل لأن الدواء صار حلماً، والمستشفى صار حكاية تُروى.
كل هذه الصور ليست سرداً للألم فقط، بل صرخة في وجه الليل: أما آن لهذا الليل الطويل أن ينجلي؟
نعم، آن له أن ينجلي. فالفجر لا يأتي وحده، بل يصنعه من نفَض عن كاهله غبار اليأس والكسل، ورفض أن يستسلم لمراراة الواقع وكأنها قدر محتوم.
الليل مهما طال فآخره نهار، والجرح مهما اتسع فآخره التئام. لكن الالتئام لا يحدث بالانتظار، بل بالعمل. وما على اليمنيين إلا أن يمسكوا بأيدي بعضهم، وينبذوا الفرقة والانقسامات والولاءات الضيقة، ويتذكروا أن الوطن أكبر وأوسع وأعمق من كل الانقسامات والولاءات.
حين ندرك أن لا أحد سينقذنا إلا نحن، وأن الكرامة لا تُشترى بمساعدات، وأن الوطن لا يُبنى بالمزايدات والهتافات والشعارات والخطابات الحماسية المجردة، عندها فقط سينجلي الليل. فاليمن لم يمُت، هو فقط جريح. والجريح إذا التفّت حوله الأيادي، نهض. فلا نجعل من معاناتنا وقوداً لليأس والركون على منتظر مجهول، بل نجعلها وقوداً للصمود ودافعاً للعمل والعطاء والإبداع في سائر ميادين الحياة.
اقرأ أيضا:ضمير اليمن .. الأستاذ محمد عبدالرحمن الرباعي


