مأزق النخب اليمنية

مأزق النخب اليمنية
بقلم د. بكيل محمد الكليبي
الخميس 4 يونيو 2026-
من الصعب بمكان الجزم بأن النخب اليمنية عموماً، شأنها شأن البلاد، تعيش اليوم حالة من التشرذم والخمول والانكفاء بعيداً عن التأثير في مسار الواقع الذي نعيشه بمراره ونكابده، إذ لم تمر على اليمن حقبة تاريخية بهذا الحجم من التعقيد، كما هو الحال اليوم، جراء تصادم المصالح السياسية بين نخب انتهازية لا يشغل بالها سوى المنفعة الذاتية واكتناز المال عبر احتراف الابتذال والتزلف، وبين نخبة وطنية غائبة عن المشهد بسبب تصادم رؤيتها السياسية مع الواقع السياسي القائم ويلقي بها إلى الهامش. وهؤلاء رغم صدق انتماؤهم للوطن، لا يسمع لهم، أن تكلموا فصوتهم لا يجد أذناً صاغية، لتبنيهم مواقف وطنية، وتعد في منظور النخب السياسية المتصدرة للمشهد حادة وبالتالي فإن مواقفهم تصطدم مع مصالح من يتربعون على عرش المشهد السياسي هنا وهناك، على الرغم من أن هؤلاء ليس لهم غاية شخصية، بل دافعهم الأسمى الانحياز لتراب هذا الوطن الذي نذوق مرارة العوز فيه يوماً بعد يوم.
إن ما نرزح تحته اليوم من أثقال أمر بالغ الخطورة، إذ نسير بلا بوصلة نحو المجهول دون أن يلوح في الأفق وميض أمل يوقد فينا جذوة حياة، أو لحظة يقين نتشبث بها قبل أن يدركنا الضياع. فالمعيشة في ظل هذا الواقع القاسي ضرب من المستحيل غير المفهوم، لأننا نحيا في الفراغ، أو بتعبير أدق في العدم، بعد أن انحدار حالنا إلى الأسوأ دون نافذة تفتح لنا طريق الخروج. فالوطن انشطر إلى كيانين ونظامين، وبينهما تاه المواطن المكلوم الذي غدا أسير الأنين والقهر، يقف على شفا الجوع ينتظر حقوقه من دولة أفَل نجمها لصالح سلطات متشرذمة على نفسها تحيط بها حاشية من المادحين والمنظرين لسياساتها، لتمديد حالة العدم وتكريس الشرخ والمضي نحو التفتت دون أدنى اكتراث بالإنسان الذي يصارع العناء ولا يلتفت إليه أحد.
إننا اليوم نحمل في صدورنا سوراً من المآسي نغرق في جحيمه كل صباح، وليس ما يفزع الناس أكثر من أن يستيقظوا ذات يوم لا يجدون فيه ما يسد جوعهم. والسؤال الذي يفرض نفسه: متى تفيق النخب السياسية المتصدرة للمشهد من غفلتها وتدرك فداحة الكارثة التي نعيشها؟ وإلى أي مدى سيظل حالنا على هذا المنوال، فمتى نتخلص الحالة التي نمر بها، أننا نعيش أوهاماً كمن يصارع طواحين الهواء بحثاً عن لقمة عيش آمنة؟ هل يدركون ثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم تجاه شعب بلغ به الضيق مبلغاً لا يُحتمل؟ ومع ذلك لا يزال في قلوبنا قبس من أمل بأن انفراجة ما تلوح في الأفق قريباً قد يتحقق معها الأمل إن صدقت النوايا، بأدرك الجميع أننا جميعاً يمنيون، وجميعنا منتصرون إن انتصرنا على أهوائنا، وجميعنا خاسرون إن استمرينا على هذا الحال. ورغم هذه الأمنيات، إلا أن الواقع يهوي بنا إلى مزيد من الشقاء الذي يثقل كواهلنا كل يوم، بسبب غياب أبسط مقومات الحياة من طعام وكساء ومأوى. فهل من مجيب يعالج أوضاعنا؟ فقد بلغ السيل الزُبى.
اقرأ أيضا:الإعلام والقضية الفلسطينية



