الصرخة كمفهوم تعبوي: قراءة تحليلية في خطاب قائد الثورة وسياقاته السياسية والإيديولوجية

الصرخة كمفهوم تعبوي: قراءة تحليلية في خطاب قائد الثورة وسياقاته السياسية والإيديولوجية
بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف
الثلاثاء 21 أبريل 2026-
أولاً: مدخل تحليلي
تأتي كلمة السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في سياق إحياء الذكرى السنوية لما يُعرف بـ“الصرخة في وجه المستكبرين”، بوصفها حدثًا يتجاوز طابعه الرمزي إلى كونه أداة تعبئة سياسية–إيديولوجية ضمن ما يُعرّف في الأدبيات السياسية بـ*“بناء الهوية الصراعية” (Conflict Identity Formation).
الخطاب لا يقتصر على استذكار لحظة تاريخية تعود إلى عام 2002، بل يعيد تأطيرها ضمن سياق إقليمي ودولي متحوّل، خاصة بعد تداعيات عملية طوفان الأقصى وما تبعها من تحولات في بنية الصراع في الشرق الأوسط.
ثانياً: الصرخة كأداة تعبئة سياسية وإعادة تعريف العدو
يطرح الخطاب مفهوم “الصرخة” كآلية مركزية في إعادة ضبط ما يُسمى في العلوم السياسية بـ*“بوصلة العداء” (Enemy Framing).
وفق هذا الطرح، فإن الصرخة لا تُقدَّم كشعار احتجاجي فحسب، بل كأداة:
لكسر ما يصفه الخطاب بحالة “الصمت الجمعي” داخل الأمة.
لمواجهة ما يُعرف بـالحرب الناعمة (Soft Power Warfare)، خاصة في المجال الإعلامي والثقافي.
لإعادة تعريف العدو ضمن ثنائية واضحة: “محور الهيمنة” مقابل “محور المقاومة”.
هذا التوصيف ينسجم مع نظريات التعبئة الأيديولوجية التي ترى أن الشعارات المختزلة (Slogans) تلعب دورًا حاسمًا في حشد الجماهير، خاصة في البيئات التي تشهد صراعات ممتدة.
ثالثاً: البعد الإقليمي – “محور المقاومة” كفاعل عابر للحدود
يُظهر الخطاب إدراكًا واضحًا لمفهوم “التحالفات غير التقليدية” (Non-State/Hybrid Alliances)، حيث يتم تقديم ما يُعرف بمحور المقاومة كشبكة مترابطة تضم فواعل دولية وغير دولية، من بينها:
حزب الله
إيران
فصائل المقاومة الفلسطينية
ويتم تأطير هذا المحور ضمن مفهوم “وحدة الساحات”، وهو مفهوم استراتيجي يعكس تحول الصراع من حالة محلية إلى نموذج إقليمي مترابط (Regionalized Conflict System).
الخطاب يشير ضمنيًا إلى أن هذا النموذج أدى إلى:
إطالة أمد المواجهة العسكرية.
رفع كلفة الصراع على الأطراف المقابلة.
خلق توازن ردع نسبي (Deterrence Balance) في بعض الجبهات.
رابعاً: نقد النظام الإقليمي العربي وخطاب “التبعية”
يتضمن الخطاب نقدًا حادًا لما يصفه بـ“الأنظمة الموالية”، في إطار ما يمكن تفسيره نظريًا عبر مفهوم “الهيمنة غير المباشرة” (Indirect Hegemony).
حيث يُطرح أن:
بعض الأنظمة العربية تسهم – وفق هذا التصور – في إعادة إنتاج موازين القوة لصالح القوى الغربية.
الإعلام في تلك الدول يُستخدم كأداة ضمن الحرب النفسية (Psychological Warfare) لتقويض أي نموذج مقاوم.
هذا الطرح يعكس رؤية أيديولوجية واضحة، لكنه في الوقت ذاته يتقاطع مع بعض الأدبيات النقدية في العلاقات الدولية التي تتناول التبعية السياسية والإعلامية.
خامساً: البعد الإعلامي – معركة السرديات
يولي الخطاب أهمية كبيرة لما يسميه “ميدان الإعلام”، وهو ما يتوافق مع مفهوم “حروب الجيل الخامس” (Fifth-Generation Warfare)، حيث تصبح:
السيطرة على الرواية (Narrative السيطرة)
والتأثير على الرأي العام
أدوات مركزية في الصراع.
ويؤكد الخطاب أن المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية، في إشارة إلى تصاعد دور الفضاء الرقمي ومنصات التواصل في تشكيل الوعي الجمعي.
سادساً: الصرخة كإطار أيديولوجي شامل
يمكن قراءة “الصرخة” ضمن إطار أوسع يُعرف بـ*“الأيديولوجيا التعبوية الشاملة” (Total Mobilization Ideology)، حيث ترتبط بعدة مسارات:
اقتصاديًا: الدعوة إلى المقاطعة كأداة ضغط (Economic Resistance).
ثقافيًا: ربط الوعي بالمرجعية الدينية.
عسكريًا: تحفيز الاستعداد والتعبئة.
هذا التكامل يعكس محاولة بناء نموذج “مجتمع مقاوم” (Resistance Society)، وهو مفهوم يُستخدم في تحليل الحركات ذات الطابع الأيديولوجي.
سابعاً: قراءة تقييمية متوازنة
من منظور تحليلي أكاديمي، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات:
القوة التعبوية:
الخطاب يمتلك قدرة عالية على الحشد، مستندًا إلى مزيج من الرمزية الدينية والسردية السياسية.
الوضوح الأيديولوجي:
يقدم رؤية متماسكة للصراع، تقوم على ثنائية حادة (نحن/هم)، وهو ما قد يحد من إمكانيات الحلول التفاوضية طويلة الأمد.
التأثير الإقليمي:
يعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة الصراع متعدد الجبهات، خاصة بعد تداعيات عملية طوفان الأقصى.
التحديات:
استمرار هذا النهج يرتبط بقدرة الفاعلين على تحمّل الكلفة الاقتصادية والعسكرية.
كما يواجه تحديات في بيئة دولية تتسم بتعقيد التحالفات وتداخل المصالح.
خاتمة
يمكن القول إن كلمة السيد القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي تقدم نموذجًا متكاملًا لخطاب سياسي–أيديولوجي يسعى إلى:
إعادة تعريف الصراع في المنطقة
وتثبيت موقع اليمن ضمن معادلة إقليمية أوسع
وبينما يعكس الخطاب رؤية واضحة ومتماسكة من الداخل، فإن تقييمه في السياق الدولي يظل مرتبطًا بتوازنات القوة، وتطورات الميدان، وقدرة هذا الطرح على التحول من خطاب تعبوي إلى مشروع سياسي قابل للاستدامة.
اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. ترامب ومحاولة شرعنة اللاشرعية!




