ثورة 21 سبتمبر.. معادلة الأمن والسيادة التي كسرت المؤامرات وأسقطت رهانات العدوان

ثورة 21 سبتمبر.. معادلة الأمن والسيادة التي كسرت المؤامرات وأسقطت رهانات العدوان
طارق مصطفى سلام
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026-
لم تكن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر مجرد محطة سياسية عابرة في تاريخ اليمن الحديث، ولا حدثاً احتجاجياً محدوداً انتهى بتغيير شكلي في واجهة السلطة، بل كانت تحوّلاً وطنياً عميقاً أعاد تعريف معنى السيادة والاستقلال، وفتح الطريق أمام اليمن للخروج من قبضة الوصاية الخارجية والفساد المنظم والفوضى الأمنية التي ظلت لعقود تنهش جسد الدولة والمجتمع.
لقد جاءت ثورة 21 سبتمبر المجيدة في لحظة كان فيها اليمن يُدار من خلف الستار، وتُصنع قراراته في السفارات، وتُنهب ثرواته عبر شبكات الفساد، وتُترك محافظاته فريسة للفوضى والاغتيالات والجماعات التكفيرية والانفلات الأمني. فجاءت الثورة لتقول إن اليمن لا يمكن أن يبقى حديقة خلفية لأحد، ولا ساحة مفتوحة للمخابرات الأجنبية، ولا بلداً تُرهن إرادته للخارج باسم “المبادرات” و“التسويات” و“الشراكات” الزائفة.
ومن أبرز إنجازات ثورة 21 سبتمبر المجيدة أنها وضعت الأمن في صدارة مشروعها الوطني. فالأمن ليس شعاراً سياسياً، بل هو حياة الناس واستقرارهم وكرامتهم. ومنذ انطلاقة الثورة، بدأ مسار مختلف في التعامل مع التحديات الأمنية، يقوم على تفكيك بؤر الفوضى، وملاحقة الشبكات الإجرامية، وضرب خلايا التجسس والتخريب، ومواجهة المشاريع التكفيرية التي كانت تتحرك برعاية خارجية واضحة.
وبفضل الله، ثم بفضل القيادة الثورية والسياسية الحكيمة، وصمود الشعب اليمني العظيم، وتضحيات المجاهدين من أبناء القوات المسلحة والأمنية، تحولت صنعاء والمحافظات الحرة إلى نموذج واضح للاستقرار الأمني مقارنة بما كان يُراد لها من انفجار وفوضى. فقد فشلت المؤامرات التي استهدفت الجبهة الداخلية، وسقطت محاولات الاختراق، وتحطمت رهانات العدوان على تفجير الوضع من الداخل بعد أن عجز عن كسره من الخارج.
لقد واجهت الأجهزة الأمنية في صنعاء تحديات هائلة، من خلايا مرتبطة بالعدوان، وشبكات تجسس، ومحاولات اغتيال وتخريب، وحروب نفسية وإعلامية، ومخططات لإثارة الفتن المناطقية والمذهبية والقبلية. ومع ذلك، استطاعت أن تثبت حضور الدولة، وأن تحافظ على السكينة العامة، وأن تجعل الأمن في خدمة المواطن لا في خدمة النفوذ والابتزاز.
من يتجول اليوم في صنعاء يدرك حجم الفرق بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى. فالعاصمة التي حاول العدوان إخضاعها بالقصف والحصار والحرب الاقتصادية، بقيت متماسكة وآمنة، تتحرك فيها الحياة رغم كل المعاناة. الأسواق تعمل، المؤسسات قائمة، الناس يمارسون حياتهم، والسلطات الأمنية حاضرة في حماية المجتمع وملاحقة الجريمة وضبط الاختلالات.
وهذا لم يتحقق صدفة، بل جاء نتيجة يقظة أمنية عالية، وتضحيات مستمرة، وإرادة سياسية واضحة في بناء مؤسسات تحفظ الأمن وتمنع الانفلات. فلم تعد صنعاء مسرحاً للاغتيالات كما كانت قبل الثورة، ولم تعد مرتعاً للخلايا الأجنبية، ولم تعد الأجهزة الأمنية أدوات بيد السفارات أو مراكز النفوذ، بل أصبحت جزءاً من معركة التحرر الوطني وحماية الجبهة الداخلية.
إن نجاح صنعاء الأمني هو أحد أهم انتصارات ثورة 21 سبتمبر، لأنه أثبت أن الدولة حين تمتلك قرارها تستطيع أن تحمي شعبها، وأن الأمن حين يتحرر من الوصاية الخارجية يتحول إلى درع للمجتمع لا سوطاً عليه.
ما كان لهذه الإنجازات أن تتحقق لولا تضحيات رجال القوات المسلحة والأمنية، الذين خاضوا معركة الدفاع عن الوطن في الجبهات، ومعركة حماية الداخل في المدن والقرى، ومعركة إفشال المخططات التخريبية التي استهدفت أمن الناس وحياتهم.
لقد قدم الابطال والمجاهدين أرواحهم ودماءهم في سبيل أن يبقى اليمن واقفاً، وأن لا تتحول صنعاء إلى نسخة من المدن التي تعصف بها المليشيات والفوضى والاغتيالات. ومن الجبهات إلى نقاط الأمن، ومن ميادين المواجهة إلى غرف الرصد والمتابعة، كان هناك رجال يواجهون مشروعاً عدوانياً واسعاً أراد تمزيق اليمن وتحويله إلى كانتونات متصارعة.
وبفضل تلك التضحيات، سقطت رهانات كبيرة. سقط رهان العدوان على إسقاط صنعاء من الداخل. وسقط رهان الخلايا النائمة. وسقط رهان الفتن الطائفية والمناطقية. وسقط رهان الحرب النفسية التي أرادت ضرب ثقة الشعب بقيادته ومؤسساته.
وفي المقابل، تكشف المحافظات الجنوبية والشرقية الواقعة تحت الاحتلال والوصاية الخارجية حجم الكارثة التي تنتج حين تغيب الدولة وتحضر المليشيات، وحين يدار الأمن من غرف أجنبية لا من مؤسسات وطنية. فهناك، في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة، لا يكاد يمر يوم دون جريمة، أو اشتباك، أو اغتيال، أو اختطاف، أو فضيحة فساد، أو صراع بين الفصائل التابعة لهذا الطرف أو ذاك.
في تلك المحافظات، فشلت السعودية وأدواتها في تقديم أبسط نموذج للاستقرار. تعددت الأجهزة والمليشيات، وتصارعت الولاءات، وتحولت المدن إلى ساحات نفوذ متناحرة، وصار المواطن ضحية بين الحواجز والنقاط والسجون السرية والانفلات المسلح. فلا أمن مستقر، ولا خدمات، ولا قضاء فاعل، ولا مؤسسات حقيقية، ولا قرار وطني مستقل.
والأخطر من ذلك أن الفشل الأمني في المحافظات المحتلة ترافق مع انهيار شامل في الخدمات والمعيشة. الكهرباء غائبة، الوقود أداة ابتزاز، الغاز أزمة يومية، الرواتب متوقفة أو منهارة، الأسعار مشتعلة، والجريمة تتسع. وهذا يثبت أن الاحتلال لا يبني دولة، وأن الوصاية لا تصنع استقراراً، وأن من يسلّم قراره للخارج يسلّم معه أمنه وكرامته وثروته.
المقارنة بين صنعاء وعدن اليوم ليست مقارنة بين مدينتين فقط، بل بين مشروعين كاملين. في صنعاء، رغم الحصار والعدوان، هناك قرار وطني، ومؤسسات أمنية متماسكة، وجبهة داخلية صامدة، وقيادة تتحمل المسؤولية. وفي عدن، رغم الدعم الخارجي المزعوم، هناك فوضى واغتيالات وصراع فصائل وانهيار خدمات وقرار مرتهن.
صنعاء حوصرت لكنها لم تسقط. قصفت لكنها لم تنهر. جوعت لكنها لم تفقد بوصلتها. أما المحافظات الواقعة تحت سيطرة قوى الاحتلال، فقد فتحت لها الموانئ والمطارات والمعسكرات والدعم الخارجي، ومع ذلك غرقت في الفوضى والفساد والتجويع والانهيار.
وهنا تتضح حقيقة ثورة 21 سبتمبر: أنها لم تكن مجرد تغيير سياسي، بل مشروع استعادة دولة، واستعادة قرار، واستعادة كرامة. أما المشروع المقابل، فهو مشروع تبعية وفوضى ونهب وتفكيك.
لقد أثبتت الاثنى عشر عام من عمر الثورة أن ثورة 21 سبتمبر كانت ضرورة تاريخية. فلو لم تقم هذه الثورة، لبقي اليمن تحت الوصاية، ولبقيت السفارات تتحكم بقراره، ولبقيت الجماعات التكفيرية تعبث بأمنه، ولبقيت ثرواته تُنهب وشعبه يُدار بسياسات الإفقار والإذلال.
لكن الثورة كسرت هذه المعادلة. أعادت الاعتبار للهوية الإيمانية والوطنية. منحت الشعب اليمني ثقة بقدرته على المواجهة. صنعت جيشاً وأمناً قادرين على حماية السيادة. وفتحت الباب أمام بناء دولة حرة لا تخضع للابتزاز ولا تساوم على كرامتها.
طارق مصطفى سلام- محافظ محافظة عدن
اقرأ أيضا:21 سبتمبر .. ثورة شعب لا يقبل التبعية





