21 سبتمبر .. ثورة شعب لا يقبل التبعية

21 سبتمبر .. ثورة شعب لا يقبل التبعية
السفير/ عـبدالله علي صبري
الأحد 20 سبتمبر 2026-
نحتفل اليوم بالذكرى الثانية عشر لثورة 21 سبتمبر الفتية، وشعبنا العظيم يخوض معركة الحرية والاستقلال في مواجهة الوصاية السعودية التي هيمنت على المشهد السياسي اليمني لأكثر من نصف قرن، قبل أن يتبخر هذا الواقع المرير مع قيام الثورة الشعبية التي بشرت بعهد سياسي جديد يقوم على ضمان سيادة اليمن واستقلاله وكرامة مواطنيه، وعلى علاقات دولية متوازنة لا قبول فيها للتبعية لهذه الدولة أو تلك، ولكن مصالح مشروعة متبادلة على أساس من الندية والمعاملة بالمثل.
ولما أفاقت السعودية على يمن جديد ومختلف عن يمن السبعينيات الذي عرفته وقولبته بما يخدم مصالحها الضيقة، حشدت كل قدراتها العسكرية والسياسية والإعلامية، وباشرت عدوانها على الشعب اليمني في 26 مارس 2015م، وتوهمت أن ما يسمى بعاصفة الحزم كفيلة بإعادة اليمن واليمنيين إلى “بيت الطاعة”، في غضون أسابيع، وكانت المفاجأة أن يمن ثورة 21 سبتمبر تحت قيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، سجل صمودا كبيرا على مختلف المستويات، وانتقل في مواجهة العدوان من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى معادلة توازن الردع، ومن التصدي الدفاعي إلى المبادأة الهجومية، وما عملية “والله أشد بأسا وأشد تنكيلا” ونجاحها الكبير والاستراتيجي، إلا ثمرة من ثمار هذه الثورة المجيدة، التي أعادت الاعتبار للشعب اليمني الموغل في الحضارة والأمجاد وفي الإيمان والحكمة والأصالة.
لقد كانت ثورة 21 سبتمبر وهي تنتصر لسيادة اليمن واستقلاله وكرامة مواطنيه، عنوانا لمستقبل تطلعت إليه الأجيال، التي أمعنت النظر في واقع اليمن وتخلفه عن الركب العالمي، فوجدت أن النظام السعودي كان ولا يزال العائق الأكبر والأشد خطورة أمام الآمال العريضة للشعب اليمني في التنمية والنهضة الاقتصادية، وكان المعطل على الدوام لكل ما من شأنه تثبيت الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي، كما كانت “اللجنة الخاصة” وسيلته القذرة والسافرة للتدخل في كل شؤون اليمن، ومصادرة قراره السياسي والسيادي.
ومن هنا، فإن هذه الجولة من التصعيد تحت معادلة الحصار بالحصار لا يقتصر أهميتها على هدفها الرئيس المتمثل في استعادة الحقوق المشروعة للشعب اليمني، من خلال وقف العدوان وإنهاء الحصار، وإطلاق ترتيبات إنسانية واقتصادية تفضي إلى استعادة ثروة الشعب اليمني النفطية، وتوظيفها في صرف مرتبات موظفي القطاع العام، وفي البناء والتنمية، بل إن هذه الجولة من المواجهة من شأنها إعادة تصحيح المسار التاريخي للعلاقات اليمنية السعودية، على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون اليمن، ولن يكون ذلك متاحا إلا بإغلاق ملف العدوان السعودي على بلادنا بكل تبعاته وتداعياته.
في العام 1990، عاشت السعودية الهاجس نفسه الذي هيمن على حكامها في العام 2014، إذ خشيت أن تكون حكومة اليمن أقوى عوداً بُعيد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، فاستغلَّت على نحو مبالغ فيه الموقف الرسمي للجمهورية اليمنية المناهض للتدخل العسكري الأجنبي إثر الغزو العراقي للكويت، وسارعت إلى طرد مئات الآلاف من العمال اليمنيين في السعودية، ما شكّل عبئاً اقتصادياً كبيراً على دولة الوحدة وحكومتها الوليدة، ألقى بظلاله على حياة أكثر من مليون أسرة يمنية كانت تعتمد في معيشتها اليومية آنذاك على تحويلات المغتربين العاملين في المملكة. ولا تزال السعودية تنتهج السياسة نفسها تجاه المغتربين اليمنيين حتى اليوم.
وكانت السعودية من ضمن الدول التي تآمرت على الوحدة اليمنية، وصولا إلى حرب صيف 1994، حيث عملت الرياض على دعم الإحتراب الأهلي اليمني بهدف تمزيق دولة اليمن وتقسيمها إلى دويلات متناحرة ومتصارعة فيما بينها، وخلال العدوان الأخير الذي يعتبر أشد ضراوة من كل أنواع التدخل السابقة، عملت السعودية والإمارات على فرض وقائع جديدة وميدانية كان من شأنها أن تؤسس لكانتونات هشة وغير مستقرة تدار من الرياض، وتخدم الأجندة الصهيوأمريكية. ولا شك إن انتصارات القوات المسلحة الباسلة أدت وتؤدي إلى تفكيك هذه المؤامرات الخبيثة، كما أنها ماضية بعون الله تعالى إلى تحرير كل شبر من أرض اليمن وصون وحدته واستقراره، وإطلاق قدرات أبنائه في كل ميادين العمل والإنتاج.
وخارج النخبة السياسية والقبلية، تمكَّنت السعودية أيضاً من التغلغل في العقل اليمني، من خلال المدّ الوهابي ذي النزعة المتطرفة، على حساب المذهبين الزيدي والشافعي، ما أثر سلباً في شكل الهوية الإيمانية لليمنيين ومضمونها، وتطويع الآلاف من الشباب وتجنيدهم لخدمة الأجندة السعودية وتنفيذ سياستها التدخلية في اليمن والمنطقة، بل إن السعودية سايرت المخطط الأميركي في اليمن، وساعدته عبر وكلائها المحليين في صناعة التنظيمات الداعشية وتوظيف التكفيريين والمتطرفين في خدمة المشروع الصهيو-أمريكي. وقد عرفنا أنَّ اللجان الشعبية اليمنية تمكَّنت بعد أسابيع قليلة من انتصار ثورة 21 سبتمبر من الوصول إلى معاقل هذه الجماعات وأوكارها وتطهيرها، وهو ما جعل داعش الكبرى تتدخّل عسكرياً لإنقاذ داعش الصغرى. وقد رأينا أيضا أن النظام السعودي قد عمد خلال هذه الجولة الأخيرة من التصعيد إلى تحريك أدواته للقيام بأعمال داعشية بهدف خلخلة الأمن وسكينة المجتمع.
كذلك، فإن العدو السعودي لا يوفر السلوك النفاقي في مواجهة الشعب اليمني، إذ يتعمد التضليل الممنهج بشأن أهداف العدوان وجرائمه بحق المدنيين، وبلغ به الكذب والبهتان إلى ممارسة أبشع أنواع الإفك، حين يزعم أن قواتنا المسلحة حاولت استهداف مكة المكرمة، في محاولة رخيصة ومنحطة لإقحام المقدسات الإسلامية، والتعلق بأستار الكعبة الشريفة.
إن هذه الحالة المتدهورة من الإفلاس الأخلاقي، وما يعتري آل سعود من الكبر وإنكار الواقع والمتغيرات، كلها تبشر بأن صنعاء أقرب إلى النصر من أي وقت مضى، وأن حقوق شعبنا لن تضيع مادام الله معنا وما دام الإيمان بالله سلاحنا وعتادنا..
المجد للشهداء الأبرار
الحرية للأسرى والمفقودين
- السفير/ عـبدالله علي صبري- وكيل وزارة الخارجية والمغتربين للشؤون السياسية
اقرأ أيضا: القوات المسلحة تُنفذ عمليتين عسكريتين استهدفتا أهدافًا حساسة في الرياض وينبع



