في الذكرى التاسعة بعد المئة لوعد بلفور ٢ نوفمبر ١٩١٧م ..قراءة سريعة في الإرهاصات والإطار العام لصدور الوعد

في الذكرى التاسعة بعد المئة لوعد بلفور ٢ نوفمبر ١٩١٧م ..قراءة سريعة في الإرهاصات والإطار العام لصدور الوعد
- د. رياض الصفواني
الثلاثاء 3 نوفمبر 2026-
صادف يوم أمس ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م، الذكرى التاسعة بعد المئة لصدور وعد وزير الخارجية البريطاني “بلفور” لليهود، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
ولم يكن صدور هذا الوعد المشؤوم وليد لحظته، بل سبقته وأرهصت له وحاضنته جملة من الظروف والمعطيات الدولية. فاندلاع الحرب العالمية الأولى في يوليو – أغسطس ١٩١٤م امتدت آثارها إلى بلاد المشرق العربي آنذاك، وانعكست بالضرورة على مقدساتنا وحاضر أوطاننا ومستقبلها، في ظل ما كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية من ضعف وانقسام على مستوى مركزيتها العثمانية، بانضوائها تحت لواء دول الوسط: ألمانيا والنمسا-المجر والدولة العثمانية، في مواجهة دول الوفاق: بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية.
وفي فلك الوعود البريطانية الزائفة دارت تطلعات العرب وآمالهم البعيدة في نيل الاستقلال الناجز عن الحكم العثماني، ودعم حقهم في رسم حاضرهم وتقرير مستقبلهم، متمثلة في الثورة العربية ١٩١٦م، كتتويج لنضالاتهم وترجمة عملية لما عُرف بمراسلات الحسين – مكماهون العبثية ١٩١٥م.
يضاف إلى ذلك بواكير الهجرات اليهودية الأوروبية، فردية ثم جماعية محدودة، التي جرى الإعداد لها وتنفيذها شبه رسمياً في أعقاب مؤتمر بازل الصهيوني الأول بسويسرا عام ١٨٩٧م، بل وقبله منذ مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، إثر اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني عام ١٨٨١م واتهام اليهود الروس بالضلوع فيه، وما أعقبه من حملات اضطهاد وتنكيل وملاحقات، فشكل ذلك ذريعة شبه مشروعة لتسهيل انتقالهم إلى فلسطين. وواكب ذلك سعي رأس المال اليهودي – عائلة روتشيلد أنموذجاً – للاستثمار في العقار الفلسطيني وشراء مساحات واسعة من الأرض؛ فخلال عامي ١٨٨٢ – ١٨٨٤م تلقت جمعية “محبي صهيون” الروسية دعماً مالياً سخياً أثمر بناء أربع مستوطنات يهودية في فلسطين.
ولا يفوتنا الإشارة إلى تزامن ذلك مع هجرات يهودية فردية ذات باعث ديني في الأساس، من بعض الأقطار العربية إلى فلسطين – أرض الميعاد المزعومة – استناداً إلى نص مزعوم في العهد القديم يخاطب إبراهيم عليه السلام: “اسكن أنت وزوجك الأرض المقدسة، لك ولنسلك أعطي هذه الأرض…”، وبالتنسيق مع منظمات يهودية دولية، بهدف تكثير اليهود في فلسطين ليصبحوا أكثرية وطرد السكان الأصليين، تمهيداً لفرض الاحتلال كأمر واقع، ترجمةً للشعار الصهيوني اللاحق: _”أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.
وعندما تنبهت السلطات العثمانية إلى ازدياد أعداد المهاجرين وتوسعهم في شراء الأراضي، وإنشاء بنى تحتية كالمدارس والمحاكم اليهودية والتوسع في بناء المستوطنات، خشيت من نشوء مشكلة قومية جديدة تضاف إلى مشكلات القوميات البلقانية ١٩١١/١٩١٢م، بما يفتح الباب واسعاً لتدخل القوى الأوروبية في شؤونها الداخلية. فأصدر السلطان عبد الحميد الثاني فرمانين عامي ١٨٨٨ و ١٨٨٢م يقضيان بمنع الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين وتحديد إقامة الحجاج اليهود بثلاثة أشهر.
ورغم ذلك استمرت الهجرات متقطعة بفعل الإغراءات المالية التي كان يقدمها أثرياء اليهود لبعض الموظفين العثمانيين في الموانئ والطرقات البرية لغض الطرف عنهم. وحاولت المنظمة الصهيونية بعد مؤتمرها الثامن في أغسطس ١٩٠٨م إقامة علاقات دبلوماسية مع حكومة الاتحاد والترقي الجديدة التي تسلمت الحكم في يوليو من العام نفسه، لحملها على تغيير موقف الحكومة السابقة، فلم تفلح، وعاودت المحاولة عام ١٩١٣م دون جدوى.
وهكذا شكلت هذه المعطيات بمجملها الإطار العام الذي صدر فيه وعد بلفور ١٩١٧م، وعد من لا يملك لمن لا يستحق، وعلى قاعدته جرى احتلال فلسطين عام ١٩٤٨م وانتزاعها من جسد الأمة العربية والإسلامية، في ظل تواطؤ رسمي عربي، لا سيما من دول الطوق: مصر وسوريا ولبنان والأردن، بعد توقيعها اتفاقيات الهدنة مع الكيان الغاصب عام ١٩٤٩م، وبسبب ضعف وتشرذم بقية النخب السياسية والثقافية والاجتماعية العربية.
وها هي قوات الاحتلال اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، تبارك اتفاقيات التطبيع معها من قبل بعض الأنظمة الخليجية التي تتباهى – لا عن براجماتية سياسية بل عن عقدة نقص مستحكمة – بتماهيها حد الانبطاح مع الكيان الصهيوني، وتتنصل خجلاً من كل آصرة تربطها بأخوة الأصل والدين والثقافة والأرض والتاريخ المشترك.
ختاماً: ما أشبه الليلة بالبارحة، فما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية ليس إلا الترجمة الدموية الحرفية لذلك الوعد المشؤوم.
ففي غزة، بعد مئة وتسعة أعوام من وعد بلفور، لم يعد الاحتلال يكتفي بانتزاع الأرض، بل ينتزع الحياة نفسها. حرب إبادة مكتملة الأركان، آلة قتل لا تفرق بين طفل وامرأة ومستشفى ومدرسة، وحصار وتجويع ممنهج، ومحاولة لشطب شعب كامل من الجغرافيا والتاريخ، في ظل صمت دولي مخزٍ وتواطؤ أمريكي غربي مكشوف يمنح القاتل حق الدفاع عن قتله.
وفي الضفة الغربية والقدس، الوجه الآخر لنفس الجريمة ولكن ببطء. استيطان مسعور يلتهم الأرض يوماً بعد يوم، وتهويد ممنهج للقدس والمقدسات، وحواجز واعتقالات واقتحامات ليلية، ومستوطنون مسلحون بحماية جيش الاحتلال يحرقون أشجار الزيتون ويذبحون الحلم الفلسطيني شبراً شبراً، تنفيذاً لشعارهم القديم: “أرض بلا شعب لشعب ..”.
لقد كشفت هذه الحرب أن وعد بلفور لم ينته في ١٩١٧م، بل يتجدد كل يوم، وأن المشروع الصهيوني لا يزال يعتقد أن فلسطين “أرض بلا شعب ..”.
وأمام هذا المشهد، فإن الحلول ليست مستحيلة، لكنها لن تأتي من بوابة الوهم: فعلى المستوى الفلسطيني، لا حل دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، فالاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة والصمود، وكل رهان على مفاوضات عبثية في ظل ميزان القوى الحالي هو تكرار لعبثية مراسلات الحسين – مكماهون.
وعلى المستوى العربي والإسلامي، لا بد من الخروج من مربع التطبيع المجاني والانبطاح، إلى مربع استخدام أوراق القوة الحقيقية: سلاح المقاطعة الاقتصادية، والضغط السياسي، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، وكسر الحصار. فلا يعقل أن تظل فلسطين قضية الشعوب وحدها بينما أنظمتها تتنصل منها.
أما على المستوى الدولي والقانوني، يجب ملاحقة قادة الاحتلال كمجرمي حرب أمام محكمة الجنايات الدولية، وتفعيل حركة المقاطعة العالمية، وفضح ازدواجية معايير الغرب الذي يجرم احتلالاً في أوكرانيا ويشرعنه في فلسطين.
ومن المتواتر قطعاً إن وعد بلفور كان وعداً باطلاً منذ أكثر من مئة عام، لكن بطلانه لا يسقط تلقائياً، بل يُسقطه جيل يرفض أن يكون “شعباً بلا أرض” ويؤمن بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن الحق مهما طال عليه الأمد، لا يموت.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. عن الحروب العبثية ومحاولة لفهم الفرق بين الثورة والانقلاب



