من معاهدة سيفر إلى حلف الناتو: قراءة في عملية تحول تركيا من عدو إلى حليف استراتيجي للغرب

من معاهدة سيفر إلى حلف الناتو: قراءة في عملية تحول تركيا من عدو إلى حليف استراتيجي للغرب
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الاحد 1 نوفمبر 2026-
شهدت منطقة الشرق الأوسط بنهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) تحولات سياسية جذرية، بعد تعرض الدولة العثمانية لهزيمة ساحقة أفقدتها جميع ولاياتها العربية، إلى جانب تعرض العاصمة إسطنبول للاحتلال من قبل قوات الحلفاء التي أنزلت قواتها في سواحل العاصمة وشواطئها. ولم يكتف الحلفاء بذلك، بل ذهبوا بعد الحرب نحو وضع مشروع جديد يستهدف بقاء الدولة لصالح الشعوب التي حكمها العثمانيون في الأناضول، وهم الأرمن والروم، مع إمكانية موافقة الحلفاء على إنشاء دولة تركية في مناطق شمال ووسط الأناضول تكون عاصمتها أنقرة. وخططوا لتحقيق ذلك بعقد معاهدة سيفر عام 1920م بين الحلفاء والحكومة التركية الموالية للاحتلال.
في المقابل، تجمع العديد من جنرالات الجيش العثماني السابق الذي أجبر الحلفاء الحكومة الجديدة على تسريحه ومصادرة أسلحته وسفنه الحربية لصالحهم، ومثل هؤلاء العسكريون النواة الأولى لتأسيس الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، الذي نجح في تنظيم صفوف المقاومة التركية لمواجهة خطط الاحتلال لتقسيم أراضي الدولة العثمانية في الأناضول بين دول الحلفاء: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، واجتزاء مناطق جنوب شرق الأناضول لتكون دولة أرمينيا، ومنح سواحل غرب تركيا ومدينة إزمير لليونان تماشياً مع الادعاء التاريخي بتبعية تلك الأراضي لها، ومنح منطقة أنطاليا لإيطاليا، في حين وضعت فرنسا يدها على إقليم الإسكندرونة، أما في الشق الأوروبي فقد منح الحلفاء ولاية تراقيا الغربية لليونان.
أمام هذا الانهيار الواسع يثور سؤال: كيف استطاعت تركيا الخروج من هذا المأزق السياسي؟ وكيف أصبحت دولة حليفة للغرب الذي لعب دوراً في هزيمتها وتمزيقها بعد الحرب العالمية الأولى؟
ليس هناك في السياسة عداوات دائمة وإنما مصالح مشتركة. ورغم نجاح الحلفاء في تمزيق الأتراك، إلا أن الإرادة وصدق النوايا لدى القائد مصطفى كمال أتاتورك الذي رفض معه الشعب للإرادة الاستعمارية من خلال تفعيل المقاومة وتوحيد صفوف جميع الأتراك الرافضين للأمر الواقع بعد الحرب، فنجح في قيادة الشعب التركي بين عامي 1919-1922م فيما عُرف بحرب الاستقلال، من هزيمة القوى الاستعمارية وطرد اليونانيين من إزمير، ونجح في فرض إرادة الأتراك على الحلفاء مستغلاً المتغيرات الدولية بظهور الاتحاد السوفيتي الذي دخل في صراع مباشر مع القوى الاستعمارية الغربية. فحول القائد مصطفى كمال أتاتورك ذلك الصراع إلى مشروع نجاح يخدم بناء ومستقبل الأمة التركية في الأناضول، من خلال فتح نافذة للتفاهم السياسي بين الأتراك والسوفيت الذين رحبوا بالأتراك لوجود عدو مشترك يتمثل في دول أوروبا الاستعمارية. وكانت تلك صفقة رابحة للأتراك الذين نجحوا في الحصول على دعم السوفيت للتحرر من احتلال الحلفاء، ولم يخف الأتراك علاقتهم بالسوفيت بداعي المصلحة، لكن دون أن تحدث تلك العلاقة قطيعة مع بريطانيا قائدة الحلفاء، بل حولوها إلى ركيزة ضغط متقدمة عليها وعلى بقية الدول الأوروبية التي تحتل أراضي تركية، كما نجح الأتراك في إقناع بريطانيا بضرورة تعديل سياستها الاستعمارية التي تعادي الشعوب الإسلامية في الشرق وتدفعها نحو الاتحاد السوفيتي العدو الأكبر والمنافس الوجودي لها، وأثمرت تلك الجهود في إعلان بريطانيا تراجعها عن معاهدة سيفر التي قسمت أراضي تركيا في الأناضول.
ساهمت الخطوات البريطانية في إعادة رسم الخريطة السياسية في الأناضول لصالح حكومة القائد مصطفى كمال أتاتورك الذي نجح في خلق نوع من التوازن بين علاقة الأتراك مع دول الحلفاء من جهة، وبين الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، وقادت تلك الخطوات إلى إعلان قيام الجمهورية التركية، وإلغاء الخلافة العثمانية، وخلع آخر سلاطين الدولة العثمانية السلطان محمد السادس. ومن أجل كسب ود الدول الأوروبية، تبنت الدولة التركية الجديدة النظم الغربية وطبقت التغريب على المجتمع وألغت جميع المظاهر التي ارتبطت بإرث الدولة العثمانية. ليس هذا فحسب، بل نجحت تركيا في استغلال موقعها الجيوسياسي بين الشرق والغرب وجعله ركيزة أساسية في توثيق علاقتها مع الغرب، والاستفادة من التناقضات السياسية بين النظامين الاشتراكي في الشرق بقيادة الاتحاد السوفيتي والرأسمالي في الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وظلت تدير علاقاتها بشكل متوازن من أجل حماية مصالحها. فضلاً عن ذلك، لعب موقفها المحايد في الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) دوراً في منحها فرصة مواتية للانضمام للفريق المنتصر في نهاية الحرب لتجنيب الأراضي التركية ما واجهته في الحرب الأولى.
خرج العالم من الحرب العالمية الثانية بظهور قوتين كبرى هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ونظراً لشدة التنافس بينهما انقسم العالم إلى كتلتين شرقية وغربية، وبينهما تحتم على تركيا ضرورة اختيار طرف لتكون بجانبه، فوقع اختيارها السير في اتجاه المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة التي رحبت بوجودها ضمن الكتلة الغربية، فتم ضمها إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952م. والسؤال: ماذا استفادت تركيا من الانضمام للغرب وماذا استفاد الغرب من وجودها؟ في الحقيقة، إن القيادة التركية اصطفت مع الغرب لتحقيق أهدافها في أن تصبح دولة أوروبية، إلى جانب حصولها على الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الذي حماها من التوسع السوفيتي، والاستفادة من التطور التكنولوجي الغربي. في المقابل، حصلت الكتلة الغربية من تركيا على قاعدة عسكرية متقدمة في خاصرة الاتحاد السوفيتي باعتبارها خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة القوة العسكرية الضخمة للسوفيت، وظلت تلك الاعتبارات قائمة حتى إعلان انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، حينها فقدت تركيا بريقها السياسي كدولة صد، فبدأ الاهتمام الأوروبي يتلاشى عنها، إلا أن الولايات المتحدة كان لها رأي آخر، فلم تتخل عنها كما فعلت أوروبا، بل زادت من اهتمامها بها كحليف موثوق وثاني قوة في حلف الناتو.
وزاد الأمريكيون من دعم الأتراك كحلفاء موثوقين في الشرق الأوسط يمكن الاستفادة منهم في التوسع الأمريكي في وسط آسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وفي تأسيس مشاريع عملاقة للطاقة في الدول التركية المستقلة عنه، واستغلال التداخل القومي التركي مع تلك الدول، فضلاً عن رغبة واشنطن في موازنة التواجد التركي والإيراني في وسط آسيا ومنع أي استفراد روسي أو صيني بالمنطقة بهدف التأثير على المصالح الأمريكية التي تهدف لمنع اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية خشية هيمنتها عليها. فوجود تركيا بالنسبة للولايات المتحدة يشكل ركيزة مهمة في مشروع الطاقة وإمداداتها إلى أوروبا عبر الأراضي التركية وإبعاد المنافس الروسي عن التحكم بها، لاسيما أن وسط آسيا يقع ضمن مناطق نفوذها بحكم أنها الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي.
أما لماذا الأتراك بالذات، فيعود إلى رغبة الولايات المتحدة العميقة للتواجد في الشرق الأوسط من خلال دعم الحلفاء الموثوقين، وتركيا من أهم تلك الدول التي تخدم المشروع الأمريكي بصورة غير مباشرة، من خلال اعتبار أن نجاح المشروع التركي هو نجاح لحلفائه الغربيين، وهذا يفسر سبب نجاح التدخلات التركية في العديد من مناطق الشرق الأوسط كون ذلك نجاحاً مباشراً للسياسة الأمريكية بصورة غير مكلفة. ويؤكد ذلك نجاح السياسة التركية في اعتراف مجلس نواب شرق ليبيا الذي يحكمه الجنرال خليفة حفتر بالاتفاقية التركية-الليبية لتقسيم المناطق الاقتصادية في شرق البحر المتوسط بصورة مفاجئة، مما قاد إلى إعلان الاتحاد الأوروبي واليونان رفضهما لتلك الخطوة، ويبدو أن ذلك يأتي في إطار تسجيل الولايات المتحدة ضغطاً سياسياً كبيراً على أوروبا التي رفضت دعم جهود الحرب على إيران.
- د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا للكاتب: أوروبا بين سايكس – بيكو وارتدادات حرب الشرق الاوسط في شوارعها





