هل نعيش مرحلة تحول جذري لترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط بعيدا عن المظلة الأمريكية؟

هل نعيش مرحلة تحول جذري لترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط بعيدا عن المظلة الأمريكية؟
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
السبت 7 نوفمبر 2026-
تعيش الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط اليوم حالة تحول واسعة، بعد الصدمة الكبيرة التي أحدثتها الانتخابات التشريعية الإسرائيلية والأمريكية لدى قيادة الدولتين، اللتين تملّكهما شعور العظمة تجاه المنطقة، بهدف تغيير خرائطها السياسية بما ينسجم مع مخططاتهما. لكن نتائج الانتخابات شكلت زلزالاً سياسياً للمشروع، وبدا واضحاً وجلياً انتهاء مشروع الحماية الغربية للإقليم، نتيجة المتغيرات والوقائع الجديدة التي تتطلب فتح باب للتفاهم والحوار بين الدول الإقليمية والخروج باتفاقيات أمنية ترسخ الأمن والاستقرار والتعايش، بدلاً من استيراد الدفاع من الخارج والاعتماد عليه كحل مناسب لقضايا الأمن الإقليمية التي تحتاج فقط إلى توافق دائم وتفاهم مشترك على قواسم مشتركة للجميع، لا سيما أن المناخ السياسي أصبح مناسباً لفتح باب الحوار بين دول الجوار في ظل الظروف الجيوسياسية المتغيرة التي يعيشها الإقليم بشكل عام منذ 7 أكتوبر 2023م، وما تلاه من تطورات نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وترتب على آثارها تعقيد المشهد السياسي في المنطقة، التي أخذت تبحث بصورة جادة عن صياغة واضحة للمعادلات الأمنية، وإعادة بناء التحالفات الإقليمية بناءً على قراءات واقعية مغايرة لما كان مألوفاً وسائداً في منطقة الشرق الأوسط، وهو ارتباط الملف الأمني والدفاعي لبعض الدول مع الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، نظراً لتسارع الأحداث التي ولّدت الكثير من القناعات لدى دول الإقليم، بأن الاستمرار في رهن أمن الإقليم بعيداً عن تفاهمات دول المنطقة خطأ فادح، وتهديد وجودي للدول التي شعرت بالخطورة خلال أحداث الحرب الأمريكية الإيرانية.
والسؤال: هل نشهد عهداً جديداً يمكن من خلاله إعادة ترتيب أو صياغة جديدة لمفهوم الأمن الجماعي لدول إقليم الشرق الأوسط؟
قادت الحرب الأمريكية الإيرانية خلال الفترة القريبة الماضية إلى إحداث خلل بنيوي في الهندسة الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، بربط بعض الدول الحليفة بمنظومتها الدفاعية لعقود مضت، لكن سرعان ما تبخرت تلك المظلة الدفاعية خلال أحداث الحرب. وهذا المسار يتوافق مع آراء المفكر الأمريكي الاستراتيجي جون ميرشايمر، الذي تحدث عن “انهيار الهندسة الأمنية الأمريكية في الخليج”، ولاقى حديثه المبكر نوعاً من الجدال، ونُظر إليه بصورة غير واقعية في رؤيته للأحداث المستقبلية، إلا أن تسلسل الأحداث وتراتب الوقائع جعل من الضرورة بمكان تسليط الضوء على الواقعية التي خرج بها ميرشايمر، لا سيما الإطلالة على مستقبل العلاقات العربية الإيرانية، وما يؤيد صحة اعتقاده ونظرته يمكن ملاحظته بصورة أكبر من نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة التي قلبت الطاولة على الجميع، لأنها وضحت الموقف الشعبي الأمريكي ونظرته تجاه مشاريع الهيمنة القديمة التي يدفع كلفتها المواطن الأمريكي دون أن يستفيد في مقابل ذلك، من جهة، ومن جهة أخرى وجود قناعة راسخة لدى دول المنطقة، لا سيما دول الخليج العربي، بانعدام الثقة بالمظلة الدفاعية الأمريكية التي ظلت تتفاخر بها لعقود، وربطت جميع مصالحها الأمنية والعسكرية بواشنطن التي تباهت هي الأخرى بحلفائها في الخليج الذين أمّنوا لها تدفق الطاقة لعقود.
إذن ما هو المتغير في طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما أن النفوذ الأمني والدفاعي الأمريكي متجذر في المنطقة لعقود؟ لكن تطور الأحداث قاد إلى انعدام الثقة على النحو الآتي:
أولاً: قيام إسرائيل بضرب العاصمة القطرية الدوحة:
شكلت تلك الضربة نقطة تحول فارقة في مسار العلاقات الأمنية والدفاعية بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية، التي سمحت لحليفتها إسرائيل بضرب حليفتها قطر، وتخطي جميع المنظومات الدفاعية الأمريكية التي باعتها لحلفائها في الخليج منذ عقود، ولا زالت تستثمر الشركات الأمريكية الكثير من المليارات في إنتاج المنظومات الدفاعية لحلفاء أمريكا في الخليج. وهذه التصرفات هزت الثقة الأمنية الخليجية المطلقة بالولايات المتحدة الأمريكية، ليس ذلك وحسب، بل جعلت الدول الخليجية تبحث عن مسارات أمنية متنوعة، موزعة بين الدخول في تحالفات أمنية وعسكرية مع بعض الدول الإقليمية، مثل حلف مكة الذي يضم باكستان وتركيا والسعودية، وتحالف بدر الذي يضم قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، فضلاً عن التوجه نحو خلق تفاهمات أمنية ودفاعية أكثر موثوقية، بالتفاهم مع إيران التي صورتها الولايات المتحدة الأمريكية لعقود عدواً لدول الخليج العربي، حسب تصريحات وزير الخارجية العماني مؤخراً.
ثانياً: سياسة الرئيس دونالد ترامب:
قادت السياسة الشعبوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى انعدام الثقة الدفاعية والأمنية لحلفائها ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، بل أيضاً في أوروبا، وقادت تلك السياسة إلى عدم الثقة بالمظلة الدفاعية الأمريكية، والسبب وجود تحولات جذرية في سياسة الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، وسلوكه مسارات سياسية غير متوقعة تجاه حلفاء واشنطن، لا سيما اندفاع إدارة ترامب نحو التصعيد المباشر والمغامرات العسكرية مع إيران وحلفائها. وقاد ذلك التصعيد إلى وجود عجز حقيقي في المظلة الأمريكية في توفير حماية حقيقية لنفسها وحلفائها الذين تعرضوا لهجمات صاروخية مدمرة استهدفت القواعد الأمريكية فيها، وعوضاً عن الحماية والدفاع عن الحلفاء باستثناء إسرائيل، انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة التخلي عن حلفائها ليواجهوا مصيرهم مع الضربات الصاروخية الإيرانية التي جاءت كردة فعل على القصف الأمريكي على منشآتها النووية والعسكرية، مما جعل المظلة الأمنية والدفاعية غير موثوقة الجانب، ودفع دول الخليج بالتحديد للبحث عن مسارات جديدة للتفاهم مع دول المنطقة لبحث حلول أمنية ودفاعية مشتركة تعالج مخاوف جميع الدول والبحث عن اقتناء منظومات دفاعية وعسكرية من حلفاء آخرين غير الولايات المتحدة الأمريكية.
تبين نتائج الانتخابات الأمريكية يوم أمس وجود امتعاض كبير لدى الناخب الأمريكي من السياسة الداخلية والخارجية التي اتبعها الرئيس دونالد ترامب وإدارته خلال الفترة السابقة، وهو ما أثر على حظوظ حزبه في الفوز في انتخابات التجديد، فبدلاً من الاهتمام بالمواطن الأمريكي أولاً، جعل مصالح إسرائيل أولاً على احتياجات الأمريكيين. لذا من الصعب القول إن المظلة الأمنية والدفاعية التي تباهت بها بعض دول الإقليم وواشنطن لعقود لا تزال موجودة، أو قادرة على إحداث فارق أمني كبير، أكثر من البحث عن حلول واقعية داخل الإقليم على أساس المصالح المشتركة للجميع، بعيداً عن شيطنة بعض دول الإقليم لصالح بقاء الهيمنة الأمريكية في الإقليم على حساب دوله وشعوبه.
بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار


