كتابات فكرية

عن كتاب “مقاربات لفهم الحالة السياسية في اليمن” لعبدالرحمن مراد

عن كتاب “مقاربات لفهم الحالة السياسية في اليمن” لعبدالرحمن مراد

  •  يحيى اليازلي

الخميس 30 أبريل 2026-

في لحظة تتكاثف فيها تعقيدات المشهد اليمني منذ 2011 وما تلاها من تحولات، ينهض كتاب «مقاربات: لفهم الحالة السياسية في اليمن» بوصفه محاولة لإعادة ترتيب زاوية النظر قبل إعادة ترتيب الوقائع. القراءة هنا تنطلق من تتبع متصل للأحداث، مع وعي بحركتها في الزمن، بما يجعل كل لحظة قراءة تحمل في طياتها استشرافًا لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع. ضمن هذا الأفق، تتشكل رؤية الكاتب عبر مسارين متداخلين: أفقي يرصد الامتداد الزمني للأحداث، ورأسي ينفذ إلى أعماقها الثقافية والتاريخية.

هذا التداخل يقود إلى الجذور، حيث تتبلور إشكالات التاريخ والثقافة في اليمن. تظهر البنية الطبقية كأثر مباشر لفعل التسلط، يتغذى من ثقافة تُصاغ داخل الوعي السياسي والجمعي، وتعيد إنتاج ذاتها عبره. في هذا السياق تنكشف آليات اشتغال السلطة، وتظهر ملامحها في تفاصيل الخطاب والسلوك، بما يسمح بقراءة طبيعة هذا التسلط من داخل الثقافة التي يرعاها ويكرسها.

ويمتد التحليل إلى جدلية التأثير والتأثر، حيث تتقاطع الأفكار الوافدة مع بنى داخلية مهيأة لاستقبالها. تتشكل بذلك حالة من التشظي في الوعي، ساهمت في تمهيد الطريق إلى ما آل إليه الواقع. غير أن هذا المسار لا يُفهم بوصفه طارئًا، إذ تكشف القراءة عن بنى ثقافية عميقة الجذور، جرى استهدافها عبر إعداد طويل الأمد، أتاح لتلك الأفكار أن تنفذ وتعيد تشكيل الداخل. ما يبدو اليوم تراجعًا يتصل بسلسلة ممتدة من التحولات التي جرى الإعداد لها في مستويات متعددة.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز البعد المعرفي كعنصر حاسم. المعرفة في صيغتها الحديثة وآلياتها المتقدمة تتحول إلى رافعة أساسية لأي نجاح اقتصادي، وتغدو جزءًا من معادلة النهوض، بما يربط بين إنتاج الوعي وإنتاج القيمة في آن واحد.

على مستوى آخر، يعيد الكاتب بناء مفهوم المثقف. بعد تجاوز أزماته الذاتية، يتقدم المثقف بوصفه فاعلًا يمتلك وعيًا نقديًا وقدرة على إعادة صياغة ذاته وفق قيم عقلانية، تستوعب الآخر وتفتح معه أفق الحوار. هذا التصور يتغذى من تقاطعات فلسفية وتجارب فكرية متعددة، ليؤسس لدور جديد للمثقف، يظهر كجوهر الرسالة التي يسعى الكتاب إلى إيصالها. ضمن هذا الإطار، تتشكل السرديات كمدخل للفهم، حيث تتكثف المعاني عبر ما تنتجه الثقافة وتعيد من خلاله تفسير ذاتها.

ومن زاوية استشرافية، تبرز إشارة إلى الفرص التي ظلت حبيسة تحت ضغط الواقع السياسي، حيث تحيط السياسة بالمؤسسة الثقافية بعوائق تحد من انطلاقها، وتحجب إمكانات كامنة كان يمكن أن تتجلى في أشكال نضج لافتة. يأتي هذا العمل كصوت يكشف تلك الإمكانات، ويقدّم نفسه كبيان ثقافي يعبّر عن حالات مميزة ما تزال تبحث عن حضورها في الفضاء الإنساني الأوسع.

في سياق التحولات، يعيد الكتاب النظر في مفهوم الثورة، حيث يغلق القرن العشرون صفحة نموذجها التقليدي، ويفتح المجال أمام أشكال جديدة تتصل بقدرة المجتمع على إعادة تشكيل وعيه. كما تتأسس علاقة المثقف بالسلطة على قواعد تحفظ الحقوق، وتمنح الثقافة موقعًا فاعلًا في مراقبة الفعل السياسي وتوجيهه.

ويستحضر التحليل إشارات فكرية وشعرية، من بينها أطروحات جارودي النقدية، وتجربة البردوني المشبعة بروح الحرية والغليان الشعبي، في ربط واضح بين الفكر والإبداع والتاريخ. كما تتجه القراءة إلى تفكيك أنماط التعامل مع التاريخ، حيث يظهر الفهم السطحي بوصفه عائقًا يجمّد اللحظة التاريخية، بينما تنفتح القراءة العميقة على أفق يتجاوز الماضي نحو المستقبل، ويجعل منه نقطة انطلاق.

ضمن هذا المسار، تبرز دعوة لتحول الجماعة، عند وصولها إلى السلطة، من منطق الجزء إلى منطق الكل، بما يضمن إدارة شاملة تحقق العدالة والحرية. ويتقدم العقل بوصفه مرجعية في مواجهة النزعات الضيقة، في محاولة لإعادة ضبط بوصلة الفعل السياسي.

ويمتد النقد إلى الساحة الدولية، حيث تُطرح إشكالية المعايير المزدوجة في قضايا كبرى، مثل الحق في امتلاك الطاقة النووية، بما يكشف خللًا أخلاقيًا في بنية الحكم على القضايا العالمية، ويعيد طرح سؤال العدالة في سياق أوسع.

في المجمل، يتشكل الكتاب كفضاء تأملي يشتبك مع السياسة عبر الثقافة، ويعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والوعي والمجتمع. قوته تكمن في نقل السؤال من سطح الحدث إلى عمقه، ومن النتيجة إلى الشروط التي تنتجها، مع إبقاء الأفق مفتوحًا أمام إمكانات متعددة للتفكير والتغيير .

اقرأ أيضا: مقاربات .. كتاب حديث لفهم السياسة في اليمن للكاتب عبدالرحمن مراد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى