أوهام التنظير

أوهام التنظير
- أمين الجبر
الاثنين 27 أبريل 2026-
عندما يشعر المرء – وهو شعور طبيعي – بأنه بلغ منزلة علمية متقدمة، ربما تفوق أقرانه، دون أن ينجح في تحقيق ذاته سياسيًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، لأسباب يراها عصيّة على الفهم أو التطويع، فإنه ينزلق – غالبًا – إلى أسر أوهام التنظير التبريري، ويغرق في جدل يوتوبي عقيم.
هذه الحالة تتبدى في طروحات بعض – وليس كل – من يُحسبون على النخبة الأكاديمية والثقافية؛ إذ حين يعجزون عن تحقيق مشاريعهم الحالمة، يلجأون إلى التبشير بواقع طوباوي منفصل عن معطيات الواقع، ويستعيضون عن الفعل بالخطاب، وعن الإنجاز بالتنظير.
ومع الوقت، تتضخم لديهم نزعة تشاؤمية مشوبة باستعلاء خفي على الآخر، قد تنزلق أحيانًا إلى أنانية فكرية، فتختل قراءتهم للزمن:
فيغدو الماضي عندهم ظلامًا مطلقًا، والحاضر مجرد تكرار بائس له، بينما المستقبل أفق معتم لا يبشر إلا بالمزيد من الإخفاق.
غير أن هذه الرؤية تغفل حقيقة بسيطة: أن الماضي كان ابن شروطه، ونحن امتداده؛ وأن الحاضر هو انعكاس لذواتنا بكل ما فيها؛ أما المستقبل فمجال احتمالي مفتوح، نُسهم – جزئيًا – في رسم ملامحه.
من هنا تنشأ حالة من الإسقاط النظري على واقع مغاير، تتجسد في خندقة فكرية تقطع الجسور مع الآخر، وتحوّله إلى عائق مطلق يستحيل التعايش معه. وهي حالة تُنتج ضبابية في الوعي، وتشوشًا في الرؤية، وعجزًا عن الفعل.
إن بعض المثقفين – في هذا السياق – لا يزالون أسرى شعارات جوفاء، يفتقرون إلى فقه الواقع، ويعيشون حالة اغتراب دائمة، تكشف عن إفلاس في القدرة على إحداث حراك ثقافي أو سياسي مؤثر.
أفلا آن لأرباب الثقافة أن يعوا ضرورة تأصيل قيم التعايش والسلم، بدلًا من إسقاطات قسرية وأفكار تجاوزها الزمن؟
أم أن الترف الفكري، واستدعاء الماضي بصورة انتقائية، لا يزالان يغذيان هيمنة ثقافة الوهم؟
اقرأ أيضا:مساهمة في قراءة، القضية الجنوبية (الجذور، والواقع، والمحتوى) (٢- ٤)





