كتابات فكرية

ثورة 26 سبتمبر.. حين يتقادم الحدث ولا تتقادم الأهداف

ثورة 26 سبتمبر.. حين يتقادم الحدث ولا تتقادم الأهداف

  • أمين الجبر

الخميس 24 سبتمبر 2026-

عندما يتصارع السياسيون تطغى موجة الفرز الثنائي، قوامها: إما أن تكون مرغما مع أو ضد، لكن تبقى ثمة مساحة وحيز للحياد يمكن أن ينأى بك، ولو حينا، عن معمعة الصراع.

أما عندما يتقاتل المؤدلجون، ويتخندق الفكر، فليس ثمة منطقة وسط أو حيز للحياد؛ فإما الحياة أو الموت: الحياة وفق شروط ونموذج المسيطر، أو الموت تبعا له، والموعود ـ طبعا ـ بالجنة.

وهذه الحالة، أو بمعنى أصح هذه الفرضية، تنسحب بطبيعة الحال على المواقف والقراءات المختلفة والمتنوعة تجاه الوقائع والأحداث التاريخية المهمة. فعندما يكتب السياسي ويسجل ملاحظاته تجاه حدث تاريخي ما، فإن قراءته غالبا ما يغلب عليها الطابع الانطباعي اللحظي، تبعا لما تفرضه طبيعة المرحلة وتحدده وجهة المصلحة. لكنه، في كل الأحوال، يدرك أن قراءته تظل نسبية وقابلة للتبدل والمراجعة. والشواهد كثيرة، ولعل أبرزها حدث 1948م، وواقع الكتابة عنه وتبدل القراءات تجاهه مع تغير الأزمنة والمواقف.

أما العقدي، أو المؤدلج، فإنه يقرأ الأحداث قراءة لاهوتية مقدسة، باعتبارها صراعا مقدسا بين الحق والباطل؛ ذلك الصراع المؤبد الذي لا يمكن له أن ينتهي إلا بانتصار الحق ودخول أصحابه الجنة. وبالتالي، تتحدد الأحداث التاريخية لديه وفقا لمشروعه الإيديولوجي ومنطقه العقدي؛ فما يتوافق مع مشروعه فهو الحق، وما يتعارض معه فهو الباطل، وليس ثمة نسبية أو منطقة وسط في هذه الحالة.

وهذا ما انطبق، بدرجات متفاوتة، على القراءات العديدة والمتباينة حول ثورة 26 سبتمبر 1962م في اليمن؛ إذ تمحورت معظمها بين مادح وقادح، ومشيد وناقد، ومؤيد ومعارض. والكل، على ما يبدو، ينطلق في كتابته من خلفيته الذهنية التي تمثله، والتي تعكس رؤيته هو، لا الحدث في ضرورته التاريخية الكاملة. ولِمَ لا؟

فما الذي يمكن أن نتوقعه من سياسي كانت له مصلحة مع نظام سياسي، أن يكتب عن حدث أتى على أركان ذلك النظام وحطم مشروعه وأحلامه، غير النقد والاستهجان؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى المؤدلج؛ إذ لا يمكن أن يكتب عن حدث تاريخي يرى أنه حطم تابوتيته وأوهامه اليوتوبية، إلا بالصورة التي يراها مناسبة له، وقوامها الاحتقار والشيطنة وربما التكفير. وهذا أمر طبيعي ومتوقع، وبالتالي لا غرابة فيه.

لكن، رغم ذلك، يبقى السؤال الجوهري والمحوري: ماذا يمكن للمؤرخ العضوي والحصيف أن يكتب عن ثورة 26 سبتمبر 1962م، في ظل هذا التجاذب السياسي الثنائي والخندقة الفكرية الإقصائية؟

إنه، في نظرنا، السؤال الذي تلح الحاجة إلى الإجابة عنه، وما أحوجنا نحن معشر المؤرخين إلى الموضوعية والإنصاف، وإلى تحرير الحدث التاريخي من أسر الموقف السياسي الآني، ومن هيمنة القراءة الأيديولوجية التي لا ترى في التاريخ إلا ما يخدم مشروعها.

وإذا كان الجميع يحتفل بذكرى ثورة 26 سبتمبر، كل على طريقته ووفقا لهواه وموقفه منها، فإن كثيرا من هذه الاحتفاليات تبدو وظيفية أكثر منها إلهامية أو تجديدية لمسار الثورة وأهدافها كما يدعي الجميع. فاحتفالية صنعاء ليست بالضرورة احتفالية تعز، واحتفالية مأرب تختلف عن احتفالية حضرموت، وهلم جرا.

ولا تخلو هذه الاحتفاليات، في مجملها، من توظيف سياسي واستغلال لأهداف الثورة ومضامينها، وربما لنوايا مبيتة سلفا. إذ كيف لمن أخل بمبدأ من مبادئها أن يحتفي بها إلا من باب الادعاء والتمظهر؟ وكيف لمن رهن قراره للخارج، وكان ذلك الخارج في لحظة تاريخية ما خصما لمشروعها، أن يتغنى باستقلال قرارها؟ وكيف لمن يحتفل بها ويتفاخر بأهدافها، وهي قد جاءت أساسا لتحطم بعض الخرافات والأوهام التي لا يزال متمسكا بها حتى اللحظة، أن يجعل من نفسه امتدادا لها؟

وكيف يستقيم عدل أهدافها ونبل مبادئها مع عنصرية أو طائفية من يحتفي بها؟ أليس ذلك دليلا على التهافت ومحاولة إفراغ الثورة من محتواها وتعطيل مضامينها؟ وماذا نسمي من أفسد باسمها طوال فترة حكمه، ولم يستغل الفرصة التي منحته إياها، ثم يأتي اليوم ليتغنى بها وبأهدافها؟

كيف تحتفل بشيء وتضمر نقيضه؟ وكيف تنشد الحرية والعدالة وتمارس عكس ما تنشده وتدعيه؟

إنها إشكالية، إن لم تكن ازدواجية معيارية، تستحق التأمل، وتستوجب إعادة قراءة الحدث المحتفى به: ثورة 26 سبتمبر 1962م.

فالثورة مثلت نقطة تحول حاسمة وانعطافة تاريخية في مسار اليمن المعاصر، ولم تكن وليدة لحظة عابرة، ولا فعلا منفصلا عن سياق طويل من المعارضة والتراكم الفكري والسياسي والاجتماعي. فقد تشكلت حركة المعارضة اليمنية من أطياف وفئات متعددة، جمعها رفض واقع الحكم الإمامي، وإن اختلفت في منطلقاتها الفكرية والسياسية، وفي تصوراتها لما ينبغي أن يكون عليه مستقبل اليمن.

ومن الإنصاف، ونحن نعيد قراءة الثورة، ألا نختزل تلك المعارضة في تيار واحد أو اتجاه فكري واحد؛ فقد تداخل فيها النفس الزيدي الثوري مع تأثيرات الإصلاح الإسلامي والحداثة المعاصرة والمد القومي، ثم تبلورت لاحقا تيارات واتجاهات قومية وإسلامية ويسارية وليبرالية، شكلت في مجموعها فسيفساء المعارضة اليمنية، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تشكيل وعيها السياسي والثقافي.

وقد أشارت مصادر ودراسات تاريخية إلى أن من بواكير المعارضة ذلك النفس الزيدي الثوري الذي رأى عدم أهلية الإمام يحيى للحكم، انطلاقا من قراءات مذهبية ترفض التوريث وتجيز الخروج على الحاكم غير العادل. ثم جاء الرعيل الأول من المتنورين والمصلحين، متأثرا بالإصلاحية الإسلامية والحداثة وحركة المد القومي، لتتسع بذلك دائرة المعارضة وتتعدد روافدها.

ومع مرور الوقت، أخذت المعارضة شكلا أكثر تنظيما، فتبلورت في مسارات سرية وعلنية. ففي الجانب السري برزت جمعيات وتنظيمات مثل جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهيئة النضال التي لا تزال بعض المصادر تشكك في مدى انتظامها ووجودها، ونادي الإصلاح الأدبي، بما حملته تلك التجارب من خطاب إصلاحي وتنويري وتجديدي.

وفي الجانب العلني برز حزب الأحرار والجمعية اليمانية الكبرى، بما حملته برامجهما ومواثيقهما من مطالب سياسية وإصلاحية، وما رافق ذلك من خطاب سياسي وإعلامي أكثر وضوحا، عبر عنه عدد من الصحف والأدبيات، مثل «صوت اليمن» و«فتاة الجزيرة» و«السلام» و«الفضول» وغيرها.

ومن خلال العودة إلى أدبيات المعارضة وصحف تلك المرحلة، يمكن استشفاف طبيعة الخطاب الذي تشكلت منه عقيدتها السياسية، بكل تنوعها وتناقضاتها، حتى ترسخ لديها اليقين الثوري الذي عبرت عنه حركة 1948 الدستورية، وما أفرزته من تداعيات، ثم حركة 1955، إلى أن تسنم تنظيم الضباط الأحرار، بتشكيلاته وأطيافه المختلفة، زمام المبادرة، لينضج الحدث ويعلن ميلاد ثورة 26 سبتمبر 1962م بنكهتها اليمنية وقطيعتها مع نظام الإمامة.

لكن ما إن توج الفعل الثوري بالنصر والتمكين حتى أطلت التناقضات الكامنة، والنتوءات التي غذتها امتدادات إقليمية واستقطابات دولية، ولا سيما في ظل نظام دولي ثنائي القطبية آنذاك. وكان الصراع المصري ـ السعودي بخلفياته وأجنداته أحد أبرز تجليات ذلك، وما تمخض عنه من تداعيات وحراكات ثورية وسياسية متواصلة، كان من أهم محطاتها حصار السبعين، وانقلاب 1967م، ومؤتمرات المصالحة، وحركة التصحيح، والانقلابات، واغتيالات الرؤساء، وغيرها من الأحداث التي شكلت مسارا شديد التعقيد في تاريخ الجمهورية اليمنية.

وليس المقصود هنا إنكار الثورة أو اختزال تجربتها في أخطائها اللاحقة، بقدر ما المقصود التمييز بين الثورة بوصفها حدثا تاريخيا ومبادئ وأهدافا، وبين الممارسات السياسية التي جرت باسمها بعد ذلك.

فالثورة شيء، وما ارتكب باسمها شيء آخر.

والجمهورية شيء، وما مارسته السلطات المتعاقبة من استحواذ وإقصاء وتوريث ومحاولات احتكار للسلطة شيء آخر.

وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: كيف يمكن أن تبقى الثورة حاضرة في الذاكرة، بينما تغيب بعض مبادئها عن الممارسة؟ وكيف يتحول الحدث من مشروع تغيير إلى مجرد مناسبة احتفالية، ومن مضمون حي إلى رمز تاريخي يوظفه كل طرف وفقا لحاجته؟

لقد كادت الثورة، في مراحل مختلفة، أن تفرغ من بعض مضامينها، وأن تبتعد عن نهجها الأول ونبل أهدافها، بفعل الثقافة السياسية المتجذرة بكل سلبياتها: الاستحواذ، وحب السيطرة، والإقصاء، والتوريث، واحتكار القرار، وغيرها من الممارسات التي لا تنتمي بالضرورة إلى روح الثورة، وإن مورست تحت اسمها.

حتى كاد أن لا يبقى من الثورة إلا تاريخها، ومن الجمهورية إلا اسمها.

ومن هنا، فإن الاحتفاء الحقيقي بثورة 26 سبتمبر لا ينبغي أن يكون مجرد رفع للشعارات أو استدعاء للرموز أو تكرار للخطابات؛ وإنما يكون بإعادة قراءة أهدافها ومبادئها، وفحص مدى حضورها في الواقع، والتمييز بين ما أنجزته الثورة فعلا وما أُضيف إليها لاحقا، وبين روحها الأصلية وما ألحق بها من ممارسات وثقافات سياسية.

إن مرور الزمن لا يلغي قيمة الحدث التاريخي، لكنه يفرض إعادة قراءته. فالتاريخ ليس نصا مقدسا، ولا ينبغي أن يتحول إلى عقيدة مغلقة؛ وإنما هو تجربة بشرية قابلة للفحص والنقد والمراجعة، وكلما ابتعدنا زمنيا عن الحدث، ازدادت حاجتنا إلى قراءته بعيدا عن الانفعال الآني والاستقطاب السياسي.

ولهذا، فإن 26 سبتمبر ليست مجرد ذكرى مضت، وإنما سؤال مفتوح حول الحرية والعدالة والجمهورية والمواطنة، وحول قدرة اليمنيين على استعادة المعاني التي قامت الثورة من أجلها، لا مجرد الاحتفاء بتاريخها.

فكم نحن بحاجة إلى إحياء روحها، وتجديد مضامينها، واستعادة أهدافها، لا بوصف ذلك استنساخا للماضي، وإنما بوصفه استلهاما لمبادئه الكبرى في بناء حاضر يليق بما مثّلته الثورة من انعطافة تاريخية في مسيرة اليمن.

ذلك هو الاحتفاء الذي لا يكتفي بتذكر الثورة، وإنما يسائل واقعنا باسمها.

وذلك هو الوفاء الحقيقي لثورة 26 سبتمبر: أن تبقى أهدافها حية، حتى وإن تقادم الحدث.

اقرأ أيضا:قصة البيان اليوبيلي الذهبي الخمسيني لثورة 26 سبتمبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى