كتابات فكرية

الخوف السعودي من الحرب المباشرة مع صنعاء

الخوف السعودي من الحرب المباشرة مع صنعاء

من «التحالف العربي» إلى المواجهة الثنائية: كيف تغيّرت معادلة الحرب خلال أحد عشر عاماً؟

بقلم: د.عبدالرحمن المؤلف

الأربعاء 23 سبتمبر 2026-

في 26 مارس/آذار 2015، دخل اليمن مرحلة جديدة من تاريخه الحديث. فمن واشنطن، أعلن السفير السعودي آنذاك عادل الجبير بدء العملية العسكرية التي أطلقت عليها الرياض اسم «عاصفة الحزم»، معلناً أن السعودية تقود تحالفاً عسكرياً واسعاً لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مواجهة أنصار الله.

لكن الحرب التي بدأت باعتبارها عملية عسكرية سريعة لإعادة ترتيب موازين القوى في اليمن، تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أطول وأعقد أزمات الشرق الأوسط.

والأهم أن طبيعة العلاقة بين الرياض وصنعاء تغيرت جذرياً.

ففي عام 2015 كانت السعودية هي الطرف الذي يمتلك المبادرة الجوية والقدرة على تحديد مسرح العمليات إلى حد كبير، وكانت الحرب تُدار تحت مظلة تحالف إقليمي واسع وبمساندة أمريكية في مجالات الاستخبارات واللوجستيات. وقد وثقت واشنطن بوست آنذاك اعتماد العملية السعودية بدرجة كبيرة على صور الاستطلاع ومعلومات الاستهداف الأمريكية، كما أعلنت إدارة أوباما إنشاء خلية تخطيط مشتركة مع السعودية لتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي.

أما اليوم، وبعد أحد عشر عاماً، فقد تبدلت الصورة.

لم تعد الحرب مجرد عملية عسكرية تجري داخل الأراضي اليمنية، ولم يعد أمن السعودية منفصلاً عن تطورات الجبهة اليمنية.

لقد أصبحت العلاقة بين الرياض وصنعاء جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحدود والطاقة والموانئ والمطارات والبحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن التحالفات الدولية والإقليمية.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية:

لماذا تبدو المواجهة السعودية المباشرة مع صنعاء أكثر كلفة وحساسية في عام 2026 مما كانت عليه في عام 2015؟

 البداية: حرب أُعلنت من الخارج

من الخطأ قراءة حرب 2015 باعتبارها شأناً يمنياً داخلياً فقط.

فمنذ اللحظة الأولى، كانت السعودية هي القوة العسكرية الرئيسية في التحالف، وكانت الولايات المتحدة جزءاً مهماً من البنية الداعمة للعملية، سواء عبر المعلومات الاستخباراتية أو الدعم اللوجستي أو الأسلحة والصيانة.

وقد ذكرت واشنطن بوست أن الولايات المتحدة أنشأت مركزاً مشتركاً مع السعودية لتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالحملة الجوية، فيما قدمت واشنطن دعماً لوجستياً واستخباراتياً للعملية.

وبعد أشهر من الحرب، أكدت الصحيفة نفسها استمرار الدعم الأمريكي الاستخباراتي واللوجستي، ووجود أفراد أمريكيين في مركز العمليات السعودي الذي تُختار فيه الأهداف.

وفي 2018، كانت واشنطن بوست لا تزال تصف الدور الأمريكي بأنه شمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة اللوجستية والدعم العسكري، إضافة إلى تزويد السعودية بالأسلحة والصيانة.

هذه المعطيات مهمة لفهم المعادلة الأصلية:

السعودية لم تدخل الحرب وحدها، ولم تكن الحرب في بدايتها مواجهة يمنية–سعودية ثنائية بالمعنى الكامل.

كان هناك تحالف عربي، ودعم غربي، وبنية سياسية دولية، وقوى يمنية محلية تقاتل على الأرض.

لكن هذه المعادلة لم تبقَ ثابتة.

 التحالف الذي بدأ كبيراً ثم أخذ في الانكماش

عند إطلاق الحرب، تشكل تحالف إقليمي واسع ضم السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر، إلى جانب مشاركة أو دعم من مصر والأردن والسودان والمغرب وغيرها بدرجات مختلفة.

لكن السنوات اللاحقة كشفت أن هذا التحالف لم يكن كتلة سياسية وعسكرية متجانسة.

فالأزمة الخليجية عام 2017 أدت إلى خروج قطر من التحالف، ثم بدأت التباينات بين الرياض وأبوظبي تظهر بصورة أكثر وضوحاً في الملف اليمني.

وفي عام 2019 أعلنت الإمارات إعادة انتشار وتقليصاً لوجودها العسكري المباشر في اليمن، فيما استمر نفوذها من خلال قوى يمنية محلية مرتبطة بها.

وهذا التحول كان مهماً؛ لأنه جعل السعودية تتحمل تدريجياً وزناً أكبر في إدارة الملف اليمني، حتى وإن ظلت هناك أطراف إقليمية ودولية عديدة مشاركة في المشهد.

وتؤكد الدراسات المتخصصة أن الحرب اليمنية لم تعد حرباً ثنائية بسيطة، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها أطراف يمنية وإقليمية ودولية متعددة. وتشير دراسة تشاتام هاوس إلى أن الصراع يتضمن مجموعة واسعة من الفاعلين المحليين والإقليميين، وأن وجود السعودية والإمارات وإيران جعل عملية السلام أكثر تعقيداً.

وهنا بدأت المفارقة:

كلما اتسعت الحرب في بدايتها، كان من السهل على الرياض توزيع المسؤولية السياسية والعسكرية؛ وكلما تقلصت شبكة التحالفات المباشرة، أصبحت المسؤولية السعودية أكثر وضوحاً.

 صنعاء تدخل مرحلة مختلفة من الحرب

لم تتوقف الحرب عند حدود القصف الجوي.

فمع مرور السنوات، تطورت القدرات العسكرية لأنصار الله، وانتقلت المواجهة تدريجياً من محاولة السيطرة على الأرض داخل اليمن إلى قدرة على ضرب أهداف في العمق السعودي.

ولا يعني ذلك أن جميع الروايات المتعلقة بكل عملية عسكرية محل اتفاق؛ فبعض الهجمات نُسبت إلى أنصار الله، بينما اختلفت الأطراف بشأن مصدر بعض الأسلحة أو طبيعة العمليات.

لكن وجود قدرة صاروخية وطائرات مسيّرة قادرة على الوصول إلى الأراضي السعودية أصبح حقيقة موثقة على نطاق واسع.

فمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS وثق استخدام صواريخ وطائرات مسيّرة ضد أهداف داخل السعودية، بما في ذلك منشآت نفطية وخط أنابيب النفط شرق–غرب.

وفي مايو/أيار 2019، استُهدفت محطتان لضخ النفط على خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، وأعلنت أنصار الله مسؤوليتها عن الهجوم.

وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، تعرضت منشآت بقيق وخريص النفطية لهجوم كبير أعلنت أنصار الله مسؤوليتها عنه، بينما قدمت الولايات المتحدة والسعودية روايات مختلفة بشأن مصدر الأسلحة ومسار الهجوم. وقد وثق CSIS أثر الهجوم على إنتاج النفط السعودي، مشيراً إلى أنه عطل نسبة كبيرة من الإنتاج مؤقتاً.

وهنا ظهرت للمرة الأولى بصورة واضحة مشكلة استراتيجية بالنسبة للرياض:

القوة التي كانت السعودية تضربها في الداخل أصبحت قادرة على نقل جزء من كلفة الحرب إلى الداخل السعودي.

 من التفوق الجوي إلى معادلة الردع المتبادل

في عام 2015 كانت المعادلة واضحة:

طيران سعودي وتحالف إقليمي في مواجهة قوة يمنية تقاتل في بيئة داخلية معقدة.

لكن مع مرور الوقت ظهرت معادلة مختلفة:

كل تصعيد في اليمن أصبح قابلاً لأن تكون له كلفة خارج اليمن.

وقد وثق مركز CSIS خلال سنوات الحرب عمليات إطلاق صواريخ بالستية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت الأراضي السعودية.

كما وثقت دراسة CSIS أن أنصار الله استخدموا صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة في ضرب أهداف داخل السعودية، وأنهم طوروا تدريجياً قدرات تمكنهم من تهديد أهداف اقتصادية وعسكرية بعيدة.

وهذه ليست مسألة تقنية فقط.

إنها مسألة ردع استراتيجي.

فالردع لا يعني بالضرورة أن طرفاً ما يستطيع تدمير الطرف الآخر، وإنما يعني امتلاك قدرة تجعل الطرف المقابل يفكر ملياً في تكلفة استخدام القوة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التحول من حرب يملك فيها طرف المبادرة إلى حرب يستطيع فيها الطرفان التأثير في حسابات الطرف الآخر.

هدنة 2022: الاعتراف بأن الحرب العسكرية لم تنتج حلاً

في أبريل/نيسان 2022، دخلت هدنة أممية حيز التنفيذ.

وتضمنت وقف العمليات العسكرية الهجومية، والسماح بدخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، واستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء، والالتزام بمناقشة فتح الطرق.

وكانت هذه اللحظة أكثر من مجرد هدنة عسكرية.

فهي كشفت، بصورة غير مباشرة، أن سنوات القتال لم تنتج حلاً سياسياً نهائياً.

وقد أدت الهدنة إلى انخفاض كبير في العنف، وزيادة واردات الوقود، واستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء، وفق تقرير الأمم المتحدة.

ورغم انتهاء الهدنة رسمياً في أكتوبر/تشرين الأول 2022، استمر مستوى من الهدوء النسبي بعد ذلك، وهو ما وصفته الأمم المتحدة لاحقاً بأنه وضع «لا حرب ولا سلام».

وهنا حدث تحول سياسي بالغ الأهمية:

لم تعد الرياض تتعامل مع صنعاء باعتبارها مجرد خصم عسكري يجب إسقاطه، وإنما أصبحت هناك قناة تفاوض مباشرة بين السعودية وأنصار الله.

وأكدت تشاتام هاوس أن وفداً سعودياً زار صنعاء في أبريل/نيسان 2023 لإجراء محادثات مباشرة حول وقف دائم لإطلاق النار، أعقبتها أكبر عملية تبادل أسرى بين أطراف الحرب منذ سنوات.

كما وصفت مجموعة الأزمات الدولية القناة السعودية–أنصار الله بأنها أصبحت المسار الأكثر تأثيراً في تحديد ما إذا كانت الحرب ستستأنف أم ستبقى معلقة.

وهذا في حد ذاته مؤشر سياسي شديد الدلالة.

خارطة الطريق: من الحرب إلى شروط التسوية

في 23 ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلن المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن أن الأطراف التزمت بمجموعة إجراءات تمهيداً لخارطة طريق لإنهاء الحرب.

وشملت الالتزامات:

– وقف إطلاق نار على مستوى البلاد.

– دفع رواتب القطاع العام.

– استئناف صادرات النفط.

– فتح الطرق في تعز ومناطق أخرى.

– تخفيف القيود على مطار صنعاء.

– تخفيف القيود على ميناء الحديدة.

– إنشاء آليات لتنفيذ هذه الالتزامات.

– التحضير لعملية سياسية يمنية شاملة.

وهنا ينبغي التوقف أمام حقيقة سياسية أساسية:

إذا كانت الحرب قد بدأت بهدف فرض معادلة سياسية بالقوة، فإن مسار 2022–2023 أظهر أن الوصول إلى التسوية أصبح يمر عبر التفاوض لا عبر التفوق الجوي وحده.

لكن خارطة الطريق لم تتحول إلى اتفاق سلام نهائي مكتمل التنفيذ.

وهذا يفسر استمرار الملفات العالقة: الرواتب، النفط، الموانئ، المطار، الطرق، الأسرى، والعملية السياسية.

لماذا تخشى الرياض المواجهة الثنائية مع صنعاء؟

هذا هو السؤال المركزي.

والإجابة لا تحتاج إلى افتراض حالة نفسية لدى القيادة السعودية؛ بل يمكن فهمها من خلال حسابات الكلفة الاستراتيجية.

أولاً: لأن الحرب الثنائية تلغي مظلة «التحالف»

عندما تكون الحرب ضمن تحالف متعدد الأطراف، يمكن توزيع الأدوار والمسؤوليات والقدرات.

أما إذا تحولت إلى مواجهة مباشرة بين الرياض وصنعاء، فإن المعادلة تصبح أكثر وضوحاً:

السعودية في مواجهة قوة يمنية تمتلك خبرة عسكرية تراكمت خلال أكثر من عقد من الحرب.

وهذا مختلف تماماً عن صورة عام 2015.

ثانياً: لأن العمق السعودي لم يعد بعيداً عن مسرح الحرب

الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة والمطارات والمدن السعودية خلال سنوات الحرب أثبتت أن الجغرافيا لم تعد حاجزاً مطلقاً.

وقد وثق CSIS هجمات على خط النفط شرق–غرب ومنشآت بقيق وخريص، إضافة إلى صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت أهدافاً سعودية.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، أفادت رويترز بأن أنصار الله أعلنوا تنفيذ هجمات صاروخية ومسيّرة على مواقع في الرياض ومنشأة لأرامكو في ينبع، فيما قالت السلطات السعودية إنها اعترضت صاروخاً واستهدفت هجمات أخرى مناطق مختلفة دون تأكيدها ذلك.

ثالثاً: لأن الاقتصاد السعودي أكثر حساسية للاضطراب من الاقتصاد اليمني

السعودية ليست مجرد دولة ذات مساحة واسعة؛ إنها مركز رئيسي للطاقة والاستثمار والنقل في المنطقة.

ولهذا فإن أي تهديد مستمر لمنشآت الطاقة أو طرق التجارة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز المجال العسكري.

وقد أثبت هجوم بقيق وخريص في 2019 أن ضربة واحدة على منشآت استراتيجية يمكن أن تهز سوق الطاقة العالمية.

ومن هنا يصبح السؤال بالنسبة للرياض ليس فقط:

هل تستطيع السعودية تنفيذ ضربة؟

بل:ماذا سيحدث إذا أدت الضربة إلى سلسلة ردود متبادلة تطال الطاقة والموانئ والمطارات والممرات البحرية؟

رابعاً: باب المندب يجعل الحرب اليمنية قضية دولية

الجغرافيا اليمنية تمنح صنعاء ورقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

فاليمن يطل على البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولهذا لم يعد أي تصعيد كبير في اليمن شأناً سعودياً–يمنياً فقط.

وتؤكد تشاتام هاوس أن الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر منذ 2023 أدت إلى تدويل الصراع اليمني وإلى تعقيد مسار السلام.

وفي 2026، أفادت رويترز بأن التصعيد الجديد في اليمن ارتبط بتهديدات للملاحة والطاقة، في وقت أصبحت فيه حركة البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من الحسابات الأمنية الدولية.

وهنا تصبح الحرب المباشرة أكثر خطورة:

لأنها قد لا تبقى حرباً بين الرياض وصنعاء؛ بل قد تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية حول أمن الطاقة والملاحة.

خامساً: السعودية تحتاج إلى دعم خارجي حتى وهي القوة الإقليمية الأكبر

من المفارقات اللافتة أن السعودية، رغم امتلاكها واحداً من أقوى الجيوش تسليحاً في المنطقة، ما زالت بحاجة إلى ترتيبات دعم دولية وإقليمية في مواجهة المخاطر الصاروخية والمسيّراتية.

ففي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت بريطانيا موافقتها على طلب سعودي لتقديم دعم دفاعي يتعلق بالتزود بالوقود جواً، في سياق التصعيد الإقليمي.

كما أعلنت تركيا استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية سعودية ضمن ترتيبات دفاعية جديدة مع باكستان، بينما شاركت مصر وتركيا والسعودية وباكستان في بيان مشترك أكد حق السعودية في الدفاع عن نفسها ودعا في الوقت نفسه إلى الحوار والدبلوماسية.

وهذا لا يعني أن السعودية عاجزة عسكرياً.

لكنه يكشف أن الحرب الحديثة لا تُقاس بعدد الطائرات والصواريخ فقط، بل بقدرة الدولة على حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد لفترة طويلة.

واشنطن: من شريك في حرب 2015 إلى حسابات مختلفة

الفرق بين 2015 و2026 مهم جداً.

في بداية الحرب، دعمت واشنطن السعودية استخباراتياً ولوجستياً، وأنشأت خلية تخطيط مشتركة، وكانت شريكاً مهماً في بنية العملية العسكرية.

لكن الولايات المتحدة أصبحت لاحقاً أكثر حذراً تجاه كلفة الحرب.

وقد وثقت واشنطن بوست أن مسؤولين أمريكيين بدأوا منذ سنوات الحرب الأولى يشعرون بالقلق من النتائج الإنسانية ومن محدودية النتائج العسكرية.

أما في التصعيد الحالي، فتشير تقارير رويترز إلى أن الرياض طلبت دعماً أمريكياً أوسع، بينما لم تتجه واشنطن إلى شن حرب مباشرة نيابة عنها، وهو ما يعكس اختلاف الحسابات الأمريكية عن مرحلة 2015.

والرسالة هنا مهمة:

الحليف الذي يقدم دعماً دفاعياً أو استخباراتياً ليس بالضرورة مستعداً لتحمل كلفة حرب مفتوحة بالنيابة عن السعودية.

هل تحاول الرياض إعادة بناء مظلة ردع جديدة؟

في ظل تراجع الصيغة القديمة للتحالف، بدأت الرياض البحث عن صيغ أمنية جديدة.

وفي سبتمبر 2026، برزت ترتيبات دفاعية مع تركيا وباكستان، إلى جانب تحركات سعودية باتجاه مصر وبريطانيا والولايات المتحدة.

كما صدر بيان مشترك عن السعودية وتركيا ومصر وباكستان يؤكد حق السعودية في الدفاع عن نفسها ويدعو إلى الحوار.

وهذا يعكس محاولة بناء شبكة أمنية متعددة الطبقات:

طبقة سعودية مباشرة.

طبقة إقليمية.

طبقة دفاع جوي.

طبقة استخباراتية.

وطبقة دولية مرتبطة بأمن الملاحة والطاقة.

لكن كل هذه الطبقات لا تجيب عن سؤال واحد:

هل تستطيع هذه الشبكة منع الحرب إذا أصبحت المواجهة سعودية–يمنية مباشرة؟

المفارقة: القوة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب

ربما تكون هذه أهم خلاصة يمكن استخلاصها من أحد عشر عاماً.

السعودية امتلكت تفوقاً جوياً كبيراً.

وامتلكت أسلحة حديثة.

وامتلكت دعماً دولياً واسعاً.

وقادت تحالفاً إقليمياً.

ومع ذلك لم تتحول القوة الجوية إلى تسوية سياسية نهائية.

وفي المقابل، استطاعت صنعاء تحويل القوة العسكرية اداة ضغط لتسوية سياسية شاملة.

وهذا ما يجعل الحرب اليمنية نموذجاً كلاسيكياً لمشكلة فجوة القوة:

قد يمتلك طرف قوة عسكرية أكبر بكثير، لكن ذلك لا يعني أنه يستطيع تحقيق أهدافه السياسية كاملة.

وقد يمتلك الطرف الآخر قدرات عسكرية أقل من حيث الحجم التقليدي، لكنه يستطيع رفع تكلفة الحرب إلى مستوى يمنع خصمه من تحقيق نصر حاسم.

وهنا تحديداً تظهر أهمية مفهوم الردع.

صنعاء والانتقال من الدفاع إلى التأثير الإقليمي

من منظور حكومة صنعاء، لم تعد الحرب مجرد دفاع عن الأراضي اليمنية.

فخطاب صنعاء خلال السنوات الماضية ربط بين الحرب اليمنية وقضايا أوسع، من بينها السيادة الوطنية وفلسطين والبحر الأحمر.

ومن منظور الخصوم، يمثل هذا التوجه توسعاً في نطاق التهديد الإقليمي.

لكن بصرف النظر عن اختلاف التفسيرات، هناك حقيقة استراتيجية:

اليمن لم يعد هامشاً في المعادلة الإقليمية.

لقد أصبح موقعه الجغرافي وقدرات القوى المسيطرة على أجزاء واسعة منه مؤثراً في الحسابات السعودية والدولية.

وتشير دراسة تشاتام هاوس إلى أن الصراع اليمني بات مرتبطاً بصورة متزايدة بالتوترات الإقليمية الأوسع، وأن عسكرة البحر الأحمر أضافت بعداً دولياً جديداً للأزمة.

ما الذي تغير بين 2015 و2026؟

يمكن تلخيص التحول في سبع نقاط:

أولاً:

في 2015 كان التحالف هو الإطار الأساسي للحرب؛ أما اليوم فأصبحت العلاقة السعودية–اليمنية أكثر مركزية.

ثانياً:

في 2015 كانت الحرب تتركز داخل اليمن؛ أما اليوم فقد أصبح العمق السعودي جزءاً من معادلة التصعيد.

ثالثاً:

في 2015 كان التفوق الجوي هو العنصر الأكثر وضوحاً؛ أما اليوم فأصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الاقتصادية والملاحة عناصر أساسية في الصراع.

رابعاً:

في 2015 كان المسار السياسي تابعاً إلى حد كبير للميدان؛ أما بعد هدنة 2022 ومفاوضات 2023 فقد أصبح التفاوض السعودي–اليمني مساراً قائماً بذاته.

خامساً:

في 2015 كانت واشنطن تقدم دعماً مباشراً لبنية الحرب؛ أما اليوم فتبدو أكثر حرصاً على تحديد سقف تدخلها.

سادساً:

في 2015 كان البحر الأحمر أحد مسارح الحرب؛ أما اليوم فأصبح أمنه قضية دولية قائمة بذاتها.

سابعاً:

في 2015 كانت الرياض تراهن على إعادة تشكيل ميزان القوى في اليمن؛ أما اليوم فإنها تواجه معضلة كيفية إنهاء الحرب من دون فتح حرب أكبر على اراضيها.

هل تستطيع السعودية تجنب الحرب المباشرة؟

لا توجد طريقة مسؤولة للجزم بما ستفعله الرياض مستقبلاً.

لكن المؤشرات المتاحة حتى 23 سبتمبر/أيلول 2026 تسمح بطرح فرضية سياسية واضحة:

كلما اقتربت الحرب من صيغة المواجهة الثنائية المباشرة، ازدادت الحوافز السعودية للبحث عن مظلة إقليمية ودولية، كما ازدادت في الوقت نفسه أهمية المسار التفاوضي.

وهذا ليس تناقضاً.

فالدولة قد تعزز دفاعاتها وفي الوقت نفسه تسعى إلى التفاوض.

وقد تهدد باستخدام القوة بينما تبحث عن مخرج سياسي.

وقد تبني تحالفات جديدة بهدف تحسين موقعها التفاوضي لا بهدف خوض حرب شاملة.

ولهذا فإن قراءة التحركات السعودية باعتبارها إعلاناً مؤكداً عن حرب شاملة ستكون سابقة لأوانها.

الخاتمة: معادلة جديدة لا يمكن تجاهلها

بعد أحد عشر عاماً من الحرب، لم تعد معادلة اليمن هي معادلة مارس 2015.

لقد تغيرت الجغرافيا السياسية للحرب.

وتغيرت أدواتها.

وتغيرت شبكة التحالفات.

وتغيرت قدرة الأطراف على إلحاق الضرر ببعضها.

والأهم أن الحرب أثبتت أن القوة الجوية وحدها لا تكفي لصناعة سلام، وأن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق جميع الأهداف السياسية.

السعودية اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في بداية الحرب.

فإذا صعّدت، فإن عليها أن تحسب كلفة الرد.

وإذا دخلت في مواجهة مباشرة، فإنها تواجه خصماً اكتسب خبرة عسكرية كبيرة خلال سنوات طويلة.

وإذا اتسعت المواجهة، فإن البحر الأحمر والطاقة والملاحة قد تدخل في قلب الأزمة.

وإذا طلبت دعماً خارجياً، فإن الدول الداعمة لها ستضع مصالحها الخاصة وحدود تدخلها على الطاولة.

أما صنعاء، فقد أصبحت ــ بصرف النظر عن الموقف السياسي منها ــ طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة لإنهاء الحرب اليمنية.

وهذه ربما تكون الحقيقة الأكثر أهمية التي أفرزتها السنوات الماضية:

لا يمكن بناء تسوية يمنية مستقرة من دون معالجة العلاقة السعودية–اليمنية، ولا يمكن معالجة هذه العلاقة بالقوة وحدها.

فالمعادلة التي بدأت عام 2015 باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل اليمن بالقوة العسكرية، انتهت إلى وضع أصبحت فيه السعودية نفسها مطالبة بحساب حدود القوة وكلفة استمرار الحرب.

ومن هنا يمكن فهم الحساسية السعودية تجاه المواجهة الثنائية.

فالمشكلة ليست في القدرة على شن ضربة.

المشكلة في اليوم التالي للضربة.

ماذا سيحدث للطاقة؟

ماذا سيحدث للملاحة؟

ماذا سيحدث للحدود؟

ماذا سيحدث للمدن والمنشآت الحيوية؟

وإلى أي مدى يمكن احتواء التصعيد فقد أصبحت صنعاء قادره على الرد داخل الأراضي السعودية.

لهذا فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس:

من يستطيع أن يضرب أولاً؟

بل: من يستطيع أن يوقف الحرب قبل أن تتحول من حرب قابلة للإدارة إلى مواجهة مفتوحة يصعب على الجميع التحكم في سقفها ونهايتها؟

وفي هذه النقطة تحديداً، تبدو الدبلوماسية ــ مهما كانت صعبة ــ أقل كلفة من اختبار حرب جديدة لا يعرف أحد أين يمكن أن تتوقف.

 اقرأ أيضا:الحرب فشلت والحصار كذلك.. أما أن أوان الأخذ بنظرية “الخط المستقيم” بين الرياض وصنعاء؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى