يوميات البحث عن الحرية .. في معنى الثورة المشروعة
يوميات البحث عن الحرية .. في معنى الثورة المشروعة
- عبد العزيز البغدادي
الاثنين 21 سبتمبر 2026-
الثورات بأهدافها التي تخدم كل أبناء الوطن، وتحقق له الحرية والسلام، وتنقل المجتمع، كل المجتمع، من حالة الاحتقان والاقتتال المناطقي والمذهبي، وكل أشكال الطائفية والعنصرية، إلى حالة السلام والديمقراطية الحقة لجميع أبناء الشعب دون استثناء.
لا يمكن أن يستقر أي مجتمع بدون أن يكون له أهداف جامعة، بعيدة عن المذهبية والطائفية والعنصرية، ويسعى بجد من أجل تحقيقها؛ احترامًا للدماء والتضحيات.
والمجتمع الحر يمقت السعي لتحقيق أجندة ذات آفاق ضيقة، ويعي جيدًا أن هذه الأجندة لا يمكن أن تؤدي سوى إلى مزيد من الدماء، مهما اعتقد صاحبها خلاف ذلك.
ومن أغرب نماذج الحروب المصطنعة ما نشاهده من خلق وتفريخ الجماعات الإرهابية والميليشيات المذهبية والطائفية، ثم الحشد الإقليمي والدولي ضدها، في البلدان التي حولتها الولايات المتحدة أو بريطانيا أو إسرائيل، أو جميعها، إلى ساحة حرب مستمرة، إما طمعًا في ثرواتها، أو لاحتلال موقعها الاستراتيجي، أو هما معًا، كما هو حال اليمن وبعض دول الخليج.
والهدف الواضح لهذا الابتزاز استثمار حاجة هذه الدول إلى تسول الحماية الأمنية من الدول المهيمنة التي تبيع وهم الحماية، أو بغرض عقد صفقات للسلاح، جزء كبير منها صفقات وهمية، يحركها لوبي الفساد المكون من عناصر فاسدة تتغلغل داخل الدول المنتجة المصدرة والمستهلكة المستوردة، وعناصر الفساد هي الجزء الفاعل لما يعرف بالدولة العميقة!
ومعظم الدول العربية والإسلامية أيضًا، إن لم تكن جميعها، تحركها جماعات سياسية تلعب دور الدولة العميقة، رغم أن من المفترض أنها من يحكم الدولة، وبهذا المسلك تثبت أنها دول بالوكالة تعمل ضد نفسها، أي لا تحركها الدولة العميقة كجزء من كامل هياكل الدولة وكيانها المحكوم بلوبي الفساد.
ولولا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي أوصل هذه الدول الذيلية إلى هذا الحال من الانبطاح لدول أخرى، تحارب من يحاربها، وتسالم من يسالمها، وتعادي من يعاديها، وتتبع سياسة تخدم مصالح الدول المتبوعة وليس مصلحة الشعب الذي تحكمه.
وبذلك تحولت المنطقة إلى مجرد رقعة شطرنج تلعب بها وتسيطر عليها الولايات المتحدة؛ لأنها، كما هو واضح، باتت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الدولة الوحيدة المهيمنة، والتي تستثمر لعبة الابتزاز وتتاجر بأمن الدول، وبالذات دول الخليج ومعظم دول الشرق الأوسط، التي يقايض حكامها الثروة مقابل البقاء في السلطة.
ورقعة الشطرنج الكبرى هو عنوان كتاب (زبغنيو بريجنسكي).
إن السؤال الذي تكشف محاولة الإجابة عليه حقيقة ما أقول هو:
أليس بإمكان الدول محاربة الإرهاب لو كانت دولًا حقيقية قادرة على أن تؤمن نفسها من هذا الابتزاز الإقليمي أو الدولي الذي يبدو أنه يحكم العالم؟
ومن المعلوم أن معيار الدولة الفاشلة هو: عدم قدرتها على توفير الحاجات الضرورية لمواطنيها، وفي مقدمة ذلك الحاجة للعدالة والأمن والصحة والغذاء والكهرباء والمياه والمواصلات والاتصالات، وكل الاحتياجات الضرورية.
ولا تُعذر أي دولة تزعم أن الإرهاب والجماعات والمنظمات والميليشيات الإرهابية تعيق أداءها، وأن هذه الجماعات والميليشيات مصنّعة كمشاريع استثمارية بيد من يصنعها خارج حدودها، مهما كانت إمكانيات هذه الدول المصنعة والمصدرة لها وللأسلحة التي تصدرها للدول التي تعمل بها الجماعات والمنظمات والميليشيات المشار إليها.
سلطات الدولة الوطنية، أيا كان مستوى شرعيتها الحقيقية أو المدعاة، عليها القيام بواجبها في محاربة الإرهاب، وفي تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة، فإذا عجزت فإن واجبها فقط تقديم استقالتها أو تُقال، ويتم تغييرها بسلطات قادرة، هكذا تعمل السلطات في الدول المحترمة وهكذا تتصرف.
وليس من حق أي سلطة غير منتخبة ادعاء امتلاكها أي معنى أو مستوى للشرعية التي لعبت الدول التي زعمت دعمها للشرعية في ضياع أي معنى من معانيها، خاصة بعد مرور اثني عشر عامًا على مزعوم حرب دعم الشرعية.
ونفس خانة الضياع دخلها من يزعم أنه يمثل الشرعية الثورية؛ اليمن يعيش حالة ضياع الشرعيتين، طالما عجز الطرفان عن تحقيق الاستقرار وتهيئة المناخ المناسب لانتخاب سلطة جديدة موحدة، تنقل اليمن من الظروف الاستثنائية التي يستغلها فاسدو جميع الأطراف منذ اثني عشر عامًا أو يزيد، تسبب في ضياع الوطن اليمني وبقائه في كف العفاريت التي لا هم لها سوى حكم شعب بات في عداد الأموات، وهناك من لا يزال يمتص ما تبقى في عروقه من دماء، ورغم ذلك فإنه مستمر في مقاومته!
اللجوء للدول الأخرى، إقليمية أو دولية، للمشاركة المباشرة في أعمال الدفاع والأمن بالنيابة عن المواطن مساس بالسيادة، أما جعل دولة إقليمية مسؤولة عن العمل العسكري والأمني فهي خيانة عظمى، وإن لم يكن الأمر كذلك فما الخيانة العظمى؟!
أي سلطة لا تستطيع تحقيق الأمن والسلام والاستقرار، وتنهي الحرب في كامل الوطن، وتحقق له شرعية وطنية حقيقية لا تخضع لأي دولة أخرى، هذه السلطة ليس من حقها أن تتمسك بالبقاء في مواقع السلطة متذرعة بوجود عدوان!!
مواجهة العدوان قضية وطنية تقع على كاهل كل المجتمع، فإذا حملت أي سلطة أمر واقع على كاهلها واجب مواجهة العدوان، فليس من حقها الاستمرار في السلطة دون تحقيق المتطلبات الضرورية، ومشاركة القوى السياسية والاجتماعية في اتخاذ القرار، وإبقاء باب الحوار مفتوحًا وشفافًا، والتهيئة المؤكدة والواضحة للتداول السلمي للسلطة.
إن وجود العدوان ليس مبررًا للتفريط في الديمقراطية، بل على العكس، كلما اشتدت الأزمات زادت الحاجة للمشاركة في اتخاذ القرار.
ومن يصل إلى السلطة لا يحق له أن يجعل من نفسه وصيًا على الشعب.
هذا ما يعزز الجبهة الداخلية ويرفع مستوى القدرة على المقاومة لأي عدوان خارجي.
هذه ليست مثالية، إنها حقيقة قانونية دستورية سياسية تعمل بها وتسير عليها كل الدول المحترمة وبدون استثناء!
وكل من ينظِّر لتبعية دولته لدولة أخرى، من المستحيل أن يكون لديه ذرة من الوطنية والاحترام لشعبه وتاريخه.
وليس من حقي ولا من حق غيري أن ينصب نفسه وصيًا على المجتمع في هذا العصر الذي ملأت أنواره الآفاق، رغم كل سياسات الهيمنة التي تمثلها اليوم الدول المهيمنة المستغلة للظروف، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تستبيح الدماء في مختلف أنحاء العالم، وتتلاعب بالشعوب والقيادات باستخدام سياسة الترغيب والترهيب، وتحارب من تشاء بحجة مكافحة الإرهاب، وتستخدم سياسة الإبادة الجماعية في أماكن بحجة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في أماكن أخرى.
واقع الحال أن الولايات المتحدة الأمريكية المنتهك الأول لحقوق الإنسان، وتعادي الديمقراطية الحقيقية في مختلف دول العالم؛ لأنها تسعى لإيجاد سلطات وحكام تابعين لسياساتها!
ولا يوجد إنسان يستلم مرتبًا أو مخصصًا من اللجنة الخاصة أو من أي دولة خارج حدود وطنه لديه ذرة من الوطنية أو الإحساس الوطني.
وهل يجرؤ أحد ممن لديه قدر من الإحساس بالمسؤولية على اعتبار استنكار هذه التبعية الهوجاء التي تجتاح وطننا نوعًا من المثالية؟
بكل بساطة، من يصف استنكارنا للتبعية بالمثالية، كمن يصف بيع الوطن بالواقعية
ومن يضع نصب عينيه هذه الرؤية ويسعى نحو تحقيقها سيكون بطلًا أمام الله والناس؛
أما من يصنع الحروب أو يرى فيها فرصة، يركب موجاتها ويجعل منها مبررًا للبقاء في الحكم، فلا شرعية له مهما قدم من تضحيات.
وكيف يمكن للمضحي أن يكون مضحيًا إذا كان يطلب السلطة والتسلط مقابل تضحياته؟
المضحون هم من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؛ وهم من يسلمون بحق الشعب الطبيعي في السلطة والثروة، ويضعون أنفسهم كبقية خلق الله في قائمة الاختيار الحر لخدمة الناس وليس للتسلط عليهم.
هذه صفات الثوار الحقيقيين، وهكذا تكون الثورة المشروعة!.
من رحم المعاناة تبزغ شمس الثورة
الشعب مبدؤها والختام
مداها أفق لانهائي
قوس قزح يطلع من رحم الأرض
متصلًا بالسماء.
اقرأ أيضا:21 سبتمبر .. ثورة شعب لا يقبل التبعية





